ما عاد ممكناً التقليل من فداحة الخسائر وما سببته حرب إسناد إيران، أو التخفيف من النكبة التي حلّت بالجنوب ولبنان. فها هو الاحتلال الإسرائيلي يدمّر القرى ويسوي منازلها بالأرض ويقضي على الحياة فيها، ويعبث بتاريخها وتراثها وثقافتها عبر تغيير معالمها وتحويلها إلى أرض محروقة. ما يواجهه لبنان اليوم ليس مجرد انتكاسة سببتها الحرب الإسرائيلية، ولا مجرد معركة يمكن تجاوز أضرارها في ظل وضع دولي متغيّر، إنما كارثة وأكثر ليس من السهل تجاوزها وستؤثر على مستقبله ما لم تتمكن الدولة من التعافي واستعادة دورها وموقعها وقرارها وسيادتها ومواجهة الاستعصاءات في الداخل ورهانات أطرافها وإعادة تنظيم العلاقات مع الخارج.
أي جردة حساب لحرب الإسناد التي خاضها “حزب الله” وورّط فيها لبنان مستدرجاً الاحتلال لتنفيذ مخططه جنوباً ونحو لبنان، لا يمكن التخفيف من وطأة النتائج الكارثية أو تجميلها، ولا يمكن الحديث عن انتصارات في ضوء ما حلّ بالبيئة والبلد من نزوح ودمار، إذ أن ما يواجهه الحزب اليوم رغم تصدي مقاتليه للاحتلال، ليس مجرد انتكاسة، بل هي بمستوى الهزيمة التي ألحقت أفدح الخسائر ببنيته وكرّست احتلالاً لـ55 قرية جنوبية واستمراراً لاستباحة لبنان، فإذا بالحزب الذي يرفض العودة إلى ما قبل 2 آذار تاريخ بدء الحرب الأخيرة، يصطدم بسقوط المعادلة التي قام عليها خطابه الملتزم بالإرادة الإيرانية، وهو كطرف أهلي يتجاوز لبنان ويواجه الداخل ويتحداه، لكنه غير قادر على تعويم موقعه بعدما غرق في أوهام القوة كما حدث بعد حرب تموز 2006، أو رهاناته واستعادة قدراته بعد حرب 2024.
الدمار الهائل في الجنوب ومشاريع الاحتلال اليوم، بقدر ما هي تعصف بلبنان الدولة، تضع “حزب الله” أمام مرحلة جديدة، لا يستطيع معها تجاوز الوقائع. ومن يشاهد حجم ما يرتكبه الاحتلال جنوباً يقف أمام حالة من الذهول وسط تساؤلات الناس عن العودة إلى بيوتهم وكيفية إعمارها. هذه المرة لن تكون سردية الحزب مقنعة في معركة العزة والكرامة، ما لم يعد حساباته من موقعه اللبناني، فلا هو قادر على العودة إلى المقاومة، مع تآكل قدرته على الردع واختلال التوازن، فيجد نفسه اليوم وإن كان يعلن أن يده ستبقى على الزناد، عاجزاً، بعدما تغيّرت وظيفة السلاح الذي لم يعد استخدامه ممكناً في صراع مفتوح، وأخرج من مقاومة إسرائيل إلا إذا قرر الحرس الثوري الإيراني تشغيله.
في حرب الإسناد ونتائجها، يعود الاحتلال ليكرّس واقعاً يضغط على البلد ككل، لكن “حزب الله” المعني المباشر بالحرب سيواجه مشكلة الاستمرار في السياسة نفسها وفي رفع الشعارات التي لم تعد متناسبة مع ما حلّ ببيئته، وما عاد في الإمكان أن يبقى لبنان ساحة مفتوحة، إذ أن الحزب الذي خاض حروب الإسناد المتتالية من سوريا إلى غزة فإيران، صار يعتبر أنه انتصر لمجرد عجز إسرائيل عن القضاء عليه، فيما الكارثة تطبق على القرى الجنوبية والنزوح يهدّد البيئة والبلد بالانهيار.
الأمر اليوم هو حجم الخسارة المفجعة. إذا ذهبت جنوباً وأنت عاجز عن معاينة منزلك المدمر، وما لم يعد الحزب النظر في حساباته ورهاناته سيبقى الدمار مجرد تضحية فداءً لمشروع لا يكترث لمصلحة لبنان، وها هو يقف اليوم أمام لحظة أكثر قسوة، فلا الإقدام ولا السردية تنفعه في مواجهة المصائب التي حلّت بالناس، لأنه لم يترك خياراً للبنانيين وللدولة في ابتكار الأساليب المناسبة لطرد الاحتلال واستعادة الأرض والسيادة، بعدما فرّط بإنجاز التحرير 2000.
* نشرت بتاريخ 23 نيسان 2026 في جريدة النهار
