صحف وآراء مجتمع

لبنان كمساحة بلا داخل: “بلقنة” الوجدان

*بلال خبيز    

لم يعد ممكناً قراءة لبنان بالأدوات التقليدية التي درجنا على قراءة معضلاته وآماله من خلالها: سيادة، مقاومة، طوائف، دولة، توازنات.
هذه المفاهيم تنتمي إلى عالمٍ يفترض وجود داخل يمكن تنظيمه، وخارج يمكن التفاوض معه أو مواجهته. لكن لبنان اليوم لم يعد يملك هذا الداخل أصلاً، ولم يكن لبنان في أي يوم يفاوض الخارج ككيان موحد. إنه حالة نموذجية لكيان خرج من شبكة الوظائف التي يقوم عليها العالم الحديث، وتحول إلى مساحة تُختبر فيها قسوة النظام الدولي الجديد. أصبح لبنان اليوم دولة فاقدة لشرطها الوجودي. فالدولة الحديثة تبرّر نفسها بوصفها درعاً يحمي، ويدير المخاطر، ويضمن البقاء داخل شبكة معقدة من الطاقة، والغذاء، واللوجستيات، والمال. وليس خافياً أن البلد لا يؤدي أياً من هذه الوظائف، لا يحمي أحداً، ولا يدير أي مخاطر، ولا يضمن استمرارية حياة، فضلاً عن أنه لا يملك القدرة على إنتاج مبررات وجوده. ومشكلته لا يمكن تبسيطها إلى افتراض أنَّ الدولة ضعيفة، ولو أحسن اللبنانيون تمتين أواصرها ومؤسساتها قد تنجح في أداء دورها على أكمل وجه. فالدولة في لبنان خرجت عن تعريف الدولة نفسه. دولة لم تعد منصة بقاء، بل تحولت إلى مساحة مكشوفة.

انهيار تعريف العدو: الخارج لم يعد خارجاً

من شروط الدول الحديثة أنها تقوم على تمييز حاسم: داخل هو موئل الاستقرار ومجال الحماية، وخارج يشكل مجال التهديد والتفاوض. والحال، فإنَّ هذا التمييز منهار في لبنان تماماً، فلا الداخل يحمي من يقيم فيه، ولا الخارج عدو إلى أن يثبت العكس. وكل جماعة أعادت تعريف أمنها ومستقبلها بإقامة صلات لها، واقعية أو مفترضة، خارج الحدود. اليوم ثمة جماعات ترى في إسرائيل ضمانة، وأخرى ترى في إيران ولي أمر، وأخرى ترى في السعودية مظلة، وأخرى في سوريا، وأخرى في فرنسا، وقلة تحلم بأميركا، بالرغم من أنَّ لبنان أصغر من أن يشغل اهتمام قوة كبرى. والحال، لم يعد الخارج تهديداً، بل شرط وجود. ولم يعد الداخل موحداً سياسياً، بل فسيفساء تبحث عن رعاة متعارضين. وحين تفقد الدولة احتكار تعريف العدو والحليف، وتوكل هذه المهمة إلى جماعاتها المتناحرة، تفقد معه شرط وجودها الحاسم. لأن الداخل، أو الاجتماع، بالتعريف هو المكان الذي تُحسم فيه الخلافات عبر عقد اجتماعي. وعندما يصبح أمان كل طائفة مرتبطاً بخارج مختلف، يختفي الداخل وتتحول الدولة إلى مجرد رصيف محطة يتزاحم عليه المسافرون الذين ينتظرون قطارات من عواصم مختلفة. تأسيساً على هذا التآكل البنيوي أصبحت الحرب، أي حرب، في لبنان أو عليه اختباراً وظيفياً ولم تعد صراع إرادات، فهي ليست مواجهة بين أطراف، بل اختبار لوظائف متآكلة: من يملك موقعاً داخل شبكة البقاء؟ من يستطيع أن يترجم فعله العسكري إلى وظيفة؟ من يتحول فعله إلى تعطيل؟ لهذا فإنَّ لبنان لا ينتصر ولا يُهزم، لأنه لا يدخل الحرب بوصفه فاعلاً، بل بوصفه وسطاً تُختبر فيه وظائف الآخرين.

حزب الله: من القوة العسكرية إلى معضلة الوظيفة

اللغة التقليدية – مقاومة، سيادة، تحرير- لم تعد تفسّر موقع حزب الله. فما يفسر موقع هذا الحزب اليوم ليس المقدرة القتالية، بل مقدرته على إنتاج وظيفة لنفسه بعد الحرب. أو ضمان موقع داخل شبكة الإمداد والطاقة والاستقرار. ومن نافل القول إنَّ أي فعل عسكري لا يتحول إلى وظيفة مستدامة يصبح تعطيلاً، لا قوة.
والسؤال البنيوي اليوم هو التالي: هل ما يجري يخلق وظيفة جديدة؟ أم يسرّع خروج لبنان الكامل من أي وظيفة؟

هيمنة اليومي: حين يصبح الورم أكبر من الجسد

منذ 2006، أصبح واضحاً أن حزب الله بات أكبر من الجسم اللبناني نفسه. وأن أي محاولة لاستئصاله تهدد بانهيار البلد، لأن الداخل لا يملك القدرة على تعديل موازين القوى. هذه الهيمنة ليست سياسية فقط وليست اقتصادية بطبيعة الحال، بل هي هيمنة على اليومي والسائر والعابر، وقد أدت، في ما أدت إليه، إلى فرض الصمت ومنع التذمر، وتحويل القانون إلى نص بلا حامل. وعليه، لكي نفهم ما يظنه البعض تناقضاً في خطاب حزب الله، يجدر بنا أن نفهم أن حزب الله وبيئته يعيشان منذ زمن، ارتهاناً وجودياً. حيث أصبح الحزب هو الدرع الوحيد لطائفة، ولكنه في الوقت نفسه هو المانع الذي يحول دون قيام درع وطني شامل. وعليه، فإن هيمنة حزب الله المدعومة من دولة إقليمية كبيرة، تدفع بقية الجماعات إلى طلب حماية خارجية. ليس حباً بالخارج، بل لأن الداخل لم يعد قادراً على إنتاج درعه.

ذاكرة بلا اعتراف: لماذا لم يُبنَ سلام لبناني؟

في أوروبا، بُني السلام لأن الجميع اعترف بخسارته. أما في لبنان فلم يعترف أحد بشيء. وكل جماعة سامحت نفسها على جرائمها: المسيحي يرى أن أخطاءه كانت ضرورية لحماية الطائفة، اليساري يرى أن عنفه كان جراحة موضعية لتطوير البلد، السنّي يرى أن ما فعله كان تحصيل حقوق مسلوبة، الدرزي يرى أن ما فعله كان محاولة إثبات وجود، وخلق ضمانة لاستقرار طائفة صغيرة في محيط مخالف، الشيعي يرى أن حروبه وسيلة إثبات أنه جدير بالسلطة والهيمنة، وإثر كل حرب يطالب باعتراف الآخرين بهذه الهيمنة. ولذا، فإن الجروح لم تتحول إلى ذاكرة مشتركة، بل إلى مبررات. وهذا ما يؤبد الانقسامات في البلد، بوصفها انقسامات جماعاتية لا مجتمعية.

في النتيجة، لم يصنع لبنان سلاماً، بل صنع طلاقاً متعالياً لا عودة عنه. وهذا التعالي عن الاعتراف بالخسارة، هو ما يجعل الحرب دائمة؛ لأن الحرب في لبنان هي الوسيلة الوحيدة التي تحاول عبرها كل جماعة انتزاع اعتراف من الآخرين بوزنها الجديد.

هذا المسلك بطبيعته يبدو كمفارقة وظيفية، لا تخص حزب الله وحده، بل تشمل كل الجماعات. حيث كل قوة محلية تتحول إلى جهاز حماية لطائفة، لكنها في الوقت نفسه تعطل إمكانية إنتاج حماية وطنية عامة. فالتحالفات في لبنان ليست مشاريع لبناء دولة، بل تحالفات ظرفية لتصفية خصم، بانتظار لحظة تصفية الحليف نفسه. وهذا ما يؤدي إلى استحالة ولادة مشروع وطني، والاستعاضة عنها بإدارة مؤقتة لصراع دائم.

وحين تفقد الدولة قدرتها على الحماية، يتحول الخارج من تهديد إلى مورد أمني. وحين تفقد الجماعات القدرة على العيش معاً، تتحول إلى وحدات سيادية جزئية تبحث عن راعٍ خارجي. وهذا بالضبط ما أمعنت الجماعات اللبنانية في الإصرار على ارتكابه، ليتحول البلد إلى ساحة تتصارع فيها جماعات تستعير دولاً لتقاتل بعضها البعض. وهذا ما نقل بنية الدولة من دولة فاشلة أو متعثرة، إلى كيان توقف عن إنتاج داخل يحتاج إلى دولة.

لبنان كمرآة للعالم الجديد

لبنان لا يعيش حرباً. إنه يعيش لحظة اكتشاف أنه لم يعد ضرورياً لأي نظام. وما نراه اليوم ليس صراعاً على السلطة، بل انهيار تعريف الداخل، وانهيار تعريف العدو، وأخيراً انهيار وظيفة الدولة والقدرة على تخيل مجتمع واحد.

ولبنان ليس مثالاً محلياً، بل نموذجاً مبكراً لعالم تتفكك فيه الدول التي تفقد وظيفتها، وتتحول مجتمعاتها إلى فائض بشري معلّق في الهواء. إذ لطالما شكل لبنان مختبراً لمحيطه، وساحة تجارب، وها هو قد دخل اليوم في الحالة التي تفقد فيها الدولة قدرتها على إنتاج داخل، محولاً المجتمع إلى وحدات تبحث عن حماية خارجية، ومحولاً الحروب إلى اختبار وظائف لا صراع سيادة.

* نشرت بتاريخ 24 نيسان 2026 على موقع المدن