صحف وآراء مجتمع

الهروب من بيروت

 * يوسف بزي  

منام

أقود سيارتي شمالاً، هارباً من بيروت بيدين ملتهبتين،

تلاحقني أصداء الغارات، وتسابقني شاحنات وباصات متهوّرة،

المطر يضرب الآرمات والطريق الزلقة،

والهاتف يضج بالأخبار العاجلة، والبحر على يساري

يرتفع إلى عيناي إذ تبصران اللامرئي،

يداهمني وجع خفيف في موضع استئصال مرارتي،

تغلبني غيبوبة إضافية داخل المنام -ثانية واحدة-

أزيد من سرعتي ومن صوت الراديو

فجأة، وبدل أن أصل إلى نهر الكلب،

أجد نفسي عالقاً في غزة،

تطاردني المخابرات السورية وأركض حافياً،

فوق أرض من حديد ونفايات وثياب موتى

وأسمع أغنية الدبابات (لست أتذكرها الآن).

….

استيقظ من المنام

أكتبه محموماً،

من غير اهتداء إلى نهاية.

***

لوحة

البحر كله، نقطة نقطة

على لوحتكِ، 70 سنتم طولاً و50 سنتم عرضاً،

بكائناته وبواطنه،

بأصله وأفعاله، مسكون فيها.

تجلبين العرب والروم إليه، مع الينابيع

الهابطة من أعلى الجبال أو الطالعة من روحكِ،

والشجر المجاور، والمظلات الشمسية،

واللاعبين بالحصى..

تجلبين إليه الآية التي أغفلها النسّاخون،

وفستان العاصفة غيمات غيمات،

بأصابعكِ الملوثة بالأزرق،

وركبتيكِ المرتجفتين جزعاً الآن

إذ يبدأ صوت الأسلحة.

***

أرق

الرابعة فجراً، الأرق عبقري ولئيم، جلّاد الجفون.

إنهضْ أيها العجوز واكتبْ:

عام 1976 تذوقتُ الهمبرغر، ومشيتُ في حديقة الجامعة الأميركية.

بعد عامين أنهيت قراءة جبران،

لكنني أحببت بلوندي بأغنية “قلب من زجاج”.

في حفل المدرسة سأمسك خصر فتاة وتتعرق يداي.

سأنتظر ثلاثة أعوام أخرى حتى أحمل البندقية واقتحم المدينة،

من حانة إلى حانة، ومن سينما كوليزيه وإلدورادو إلى مكتبتي أنطوان ورأس بيروت.

أرمق شعراء في مقهى الاكسبرس، وشخصيات غامضة في الويمبي.

أتعمد الجلوس مع صحافيين أجانب لا أعرفهم في الكومودور،

أرتشف الويسكي كمبتدئ أحمق.

ستأتي دبابات شارون،

وأتحول طريداً مهدداً بالاعتقال أو القتل، وأنجو بقليل من الحظ.

الماضي ينبثق عندما لا نطلبه،

لماذا أتذكر الآن الصرّاف المتجول بشعره الهمجي؟

وجه زوج أمي، وملصق فيلم “بورسلينو أند كو”؟

…..

بالطبع، لا يُكتَب الشعر عن أمور ضحلة

في زمن القتال الأهلي والمجازر، والحرب الكونية الباردة،

لا يُكتب الشعر عن ذكريات بلا قيمة

لمراهق أرعن يحمل دفتراً في جعبة الرصاص، ويتفلسف مع العاهرات.

إنها الرابعة فجراً أيها العجوز، إبق في سريرك

لا تستحق هذه الكلمات أن تنهض لتكتبها.

***

العاصفة الأخيرة 

-1-

أسبح نحو صخرتي البحرية، المحتشدة بالسلطعون.

جسمي يحدثني بلهفة، كما يليق بعجوزين متعافيين.

البحر بلد آخر. أبعد من إسرائيل وأهل السلاح ورسل الجحيم وكشّافة الجنة.

أبعد من صحافيين لا أود تزويدهم بقطرة ماء، ومن السفراء القساة، ومحترفي الحوارات..

أبعد من شعب غير قابل للترجمة.

-2-

فلننهض، وننظف “الشاليه” من الأخبار والصور وألفاظ الدم، والأفكار المنبعثة من الأنفاق.

لا بأس أن نزيل أسماءنا عن المرآة، الرماد من المشوى، قشور الزمن عن وجهنا، العداوات المتعفنة في أكبادنا.

فلننهض الآن، بلا سبب، سوى استقبال العاصفة على الشرفة الأخيرة لحياتنا.

* نشرت بتاريخ 16 نيسان على موقع المدن