سياسة مجتمع

مواجهات الجنوب بين العدوان الاسرائيلي والمطالب اللبنانية: حلم الاستيطان في” بلاد الأرز” لإخفاء المضمرات السياسية

 زهير هواري

بيروت 15 نيسان 2026 ـ بيروت الحرية

لقاء واشنطن التمهيدي بين سفيري لبنان واسرائيل وبحضور وزير الخارجية والسفير الامريكي في بيروت للاتفاق على جدول أعمال المفاوضات المفترض قيامها بين لبنان واسرائيل حول الوضع في الجنوب، لم يمنع اسرائيل من تكثيف عدوانها الميداني ، وتحديد ما تريده من المعارك التي أطلقتها منذ مطلع الشهر الماضي، وعبرت عن طموحاتها الكبرى إزاء منطقة شكلت على مدار عقود عقدة سياسية وأمنية لها. ومع أن لقاء واشنطن مجرد مدخل للاتصالات الثنائية المباشرة وللاتفاق على جدول الاعمال، إلا أن العناوين لدى الجانبين يعبر عن صعوبة التوفيق بينهما. ففيما يتعنون مواضيع المباحثات لبنانيا بوقف اطلاق النار والانسحاب الاسرائيلي من الجنوب وعودة الأهالي وتحرير الأسرى، يتمحور اسرائيليا حول تفكيك حزب الله وبنيته السياسية والعسكرية والاجتماعية وتطبيع العلاقات بين الدولتين.

وكانت “زيارة” كل من رئيس وزراء اسرائيل بنيامين نتنياهو ووزير حربه يسرائيل كاتس ورئيس الاركان وقادة الجبهة الشمالية بمثابة فرصة للافصاح عن المزيد من الطموحات حيال المنطقة وكامل الاراضي اللبنانية، في ضوء تقييم الوضع الميداني كما هو عليه.  حيث أعلن نتنياهو أن “إسرائيل تعمل على إبعاد خطر الصواريخ المضادة للدروع”، مؤكداً تحقيق “إنجازات كبيرة في لبنان، لكن المزيد لا يزال أمامنا”. بعدما أحبط جيشنا تهديد التسلل من لبنان إلى البلدات الإسرائيلية بفضل الحزام الأمني الذي أُقيم، مشدداً على أن العمليات العسكرية مستمرة “داخل المنطقة الأمنية في لبنان”. كل ما ورد أعلاه ليس المهم، بل ما أضافه لاحقا هو الأهم، عندما تحدث عن 15 موقع عسكري داخل الاراضي اللبنانية المحتلة في المنطقة الحدودية، بينما كانت المصادر العسكرية الاسرائيلية تتحدث عن ثلاثة أحزمة تبدأ من الخط الأمامي وتصل إلى نهر الزهراني. ما يعني أن اسرائيل تخطط لاحتلال دائم للمنطقة الحدودية جنوب نهر الليطاني. وهي التي تشمل عشرات القرى والبلدات والمدن، التي سيطرت عليها ثم باشرت عملية تدميرها على نحو كلي بهدف منع سكانها من العودة إليها. بالتوازي مع ذلك ربط  الوزير كاتس عودة السكان إلى جنوب الليطاني بضمان أمن سكان شمال إسرائيل. ومن المعروف أن اسرائيل طالما ربطت بين وقف عملياتها العسكرية مع عودة الأمن إلى سكان مستوطنات الشمال.

لكن ما ذكره نتنياهو وكاتس إنما هو غيض من فيض، فقد دعا وزير الطاقة الإسرائيلي مثلا بدوره إلى توسيع نطاق الاستهداف، معتبراً أنه “لا ينبغي الاكتفاء بضرب الضاحية، بل يجب أيضاً استهداف مواقع وبنى تحتية مرتبطة بالدولة اللبنانية نفسها”، بما فيها المطار وسواه من مرافق. بينا شدد عضو الكنيست من حزب الليكود عميت هليفي على “ضرب البنية التحتية ومؤسسات الدولة والاقتصاد والمجتمع اللبناني، ومحو بنت جبيل من الوجود، كما حدث لمدينة درسدن الألمانية. وأن يشمل المحو عاصمة الارهاب النيونازية عن خريطة الشرق الاوسط”

معهد ألما وتقريره عن لبنان

“معهد ألما للأبحاث والتعليم” وضع تقريرا مفصلا توصل خلاله إلى القول إن ما سبق وطرحته الحكومة على لبنان من ممارسة سيادته على الجنوب لم يعد كافيا. كما أن أي اتفاق سياسي مع الدولة اللبنانية لن يؤدي إلى سلام فعلي، ولن تكون له قيمة حقيقية، إذا لم تتم معالجة مسألة حزب الله، انطلاقًا من فرضية أنه لن يوافق طوعًا على نزع سلاحه.

وعلى المستوى المدني والدبلوماسي، يدعو المعهد إلى حظر ومواجهة جميع البنى المدنية والاقتصادية المرتبطة بحزب الله، بما يشمل شبكات التعليم والرعاية الصحية والخدمات الاجتماعية والنشاط المالي. كما يطرح ضرورة قطع العلاقات الدبلوماسية مع إيران، وإغلاق سفارتها في بيروت، باعتبارها، وفق توصيفه، مركزًا لنشاطات “الحرس الثوري”. ويضيف إلى ذلك ضرورة إقالة وزراء الحزب من الحكومة، ومنع تعيين أي ممثلين له مستقبلًا، بما يشمل شخصيات مرتبطة به في مواقع القرار.

أما على المستوى الأمني، فيقترح التقرير تنفيذ عملية “تطهير شاملة” داخل الجيش اللبناني وسائر الأجهزة الأمنية، تتضمن استبدال كل العناصر التي يُشتبه بتعاونها مع حزب الله. كما يدعو إلى إنشاء جهاز أمني يعمل مباشرة تحت سلطة رئاسة الجمهورية، يمنع الحزب من إعادة بناء قدراته العسكرية.

ويرى المعهد أن أي اتفاق مع لبنان يجب أن يستند إلى آليات دعم ومراقبة دولية واضحة، تبدأ بتصنيف حزب الله كمنظمة محظورة. كما يدعو إلى دعم إنشاء بدائل مدنية للخدمات التي يقدمها الحزب داخل بيئته، ومراقبة معابر التهريب الحدودية، إلى جانب تقديم دعم للجيش اللبناني، على أن يتم ذلك حصراً من قبل دول تربطها علاقات دبلوماسية كاملة مع إسرائيل، وتحت إشراف الولايات المتحدة.

ويؤكد التقرير على أن الاتفاق، كما في النماذج السابقة، يجب أن يتضمن ضمانة لإسرائيل بالحفاظ على “ضوء أخضر” للتحرك العسكري ضد أي تهديد أو خرق أو نشاط مرتبط بحزب الله، في أي مكان داخل لبنان وفي أي وقت.

وختاما في هذا السياق، يربط المعهد أي وقف للعمليات العسكرية في جنوب لبنان، أو انسحاب للقوات الإسرائيلية، أو عودة السكان اللبنانيين إلى القرى الحدودية، بتنفيذ خطوات ملموسة من قبل الدولة اللبنانية تتوافق مع الشروط والمبادئ التي يطرحها هذا التصور.

الطموحات الاستيطانية في بلد الأرز

اذا كانت الطموحات الاستيطانية تتركز حاليا على كل من قطاع غزة والضفة الغربية، ناهيك بالجولان والقنيطرة وجبل الشيخ في سوريا، فإن جنوب لبنان هو الآخر في مرمى الاطماع الاسرائيلية. بدءا من المنابع المائية على الجانب الغربي من جبل الشيخ مرورا بنهري الليطاني والزهراني انتهاءا بالاراضي اللبنانية في عموم المناطق الجنوبية المحتلة. وهذا يفسر رمزية معركة السيطرة على بنت جبيل المحتدمة وقبلها على الخيام. ففي الآونة الأخيرة، تعالت الأصوات الاسرائيلية لاستيطان المناطق التي سيطرت عليها فرق جيشها في  القطاعات اللبنانية الثلاثة : الشرقي والاوسط والغربي . وهو مخطط يتم العمل عليه تنفيذا لخطة قوات الاحتلال والتي تبدأ خطوتها الأولى بتدمير كامل لقرى الخطين الأول والثاني أو تحييد بعض القرى والبلدات في الخط الأول بهدف التلاعب بالبنية اللبنانية وارغام أبنائبناء القرى المدمرة على ادراك استحالة عودتهم إليها، ما يقود إلى تفجير التركيبة الديموغرافية اللبنانية الهشة بأسرها على ضوء الضغوط السكانية والاقتصادية التي ستشهدها مختلف مناطق اللجوء، إن في العاصمة أو سواها.  أما المرحلة المقبلة فتتمثل في فرض السيطرة الكاملة على كامل المنطقة جنوب الليطاني بما يتجاوز مسافة الـ 7 ـ 10 كلم، والممتدة من تلال كفرشوبا وشبعا شرقا وحتى الناقورة على شاطيء المتوسط غربا، مع التطلع إلى سواها.

وفي سياق خطته الاستيطانية يستحضر الاحتلال ليس فقط الأسباب الأمنية والسياسية، بل والدوافع التوراتية دعما لايديولوجيته في اعتبار حدود دولة اسرائيل تشمل لبنان عموما وجنوبه خصوصا. ما يبيح له زرع المستوطنات في كل موقع يستطيع تثبيت أرجله فيه.

فقد دعا زعيم الصهيونية الدينية والوزير في الحكومة الإسرائيلية، بتسلئيل سموتريتش منذ بداية المعارك إلى تغيير الحدود والديموغرافيا. فالليطاني “يجب أن يكون حدودنا الجديدة”، بما يشمل “طرد” السكان اللبنانيين؛ لإقامة ما سمّاها “مناطق أمنية معقمة”، وهو تعبير له دلالة بديمومة الاحتلال والاستيطان، فالتغيير المطلوب يقضي تلميحا بإحلال مستوطنين اسرائيليين مكان السكان اللبنانيين الأصليين. ومن المعروف أن سموتريتش مثله مثل زميله في الحكومة إيتمار بن غفير، يتبنيان أيديولوجيا مفادها “كلما أكثرت إسرائيل من إراقة الدماء في المنطقة، كلما عجّل ذلك في عودة المسيح المنتظر وتأسيس إسرائيل الكُبرى وحكم العالم”.أما الناشط في حركة “عوري هتسفون” – صحوة الشمال – ايلان بيرلمان والناشطة اليمينية والمؤسسة للحركة أنا سلوتسكين فقد دعيا صراحة إلى تحقيق حلم الاستيطان في بلاد الأرز. وقد اعتبر الأول أن الجنوب هو “أرض إسرائيل كما ورد في التوراة، وتلقينا أمراً من الله بالاستيلاء عليها”، ثم استعرض تصوره لضرورة إقامة منطقة أمنية كـ “حماية” عسكرية إسرائيلية للمستوطنات الجديدة في لبنان، قائلا “إن الجيش الإسرائيلي يجب أن يتقدم لمسافة أبعد بكثير، وربما حتى بعد الليطاني.”

أما سلوتسيكن فقد غلفت دافعها الأيديولوجي بستار أمني، من خلال مقاربة تربط بين الاستيطان و”الأمن المستدام”. وفي ظل عدم استعجال المستوى السياسي والأمني مسألة الاستيطان بلبنان، تشدد على خلق واقع “مستقر وآمن”، لا يكفي الوجود العسكري لتحقيقه فقط، بل هناك حاجة أيضًا إلى وجود استيطاني يعزز فعليًا السيطرة على الأرض، بخلاف المنطقة العازلة التي يمكن “تآكلها” عبر الهجمات والعمليات المضادة، على حد تعبيرها.

وحركة “عوري هتسفون”، أسستها آنا سلوتسكين وآخرون قبل نحو سنتين، عقب مقتل أخيها ضابط الاحتياط بالجيش الإسرائيلي، إسرائيل سوكول، في قطاع غزة العام 2024، وكان حلمه أن يستوطن في لبنان، وقد جاء تأسيس الحركة الاستيطانية تحت عنوان “ترجمة حلم الاستيطان في بلد الأرز إلى حقيقة”. وهذه الحركة تطورت من 4 أشخاص إلى 100 ثم إلى 1000 من بينهم  نحو 10 عائلات مستعدة للاستيطان في لبنان الآن، إلى جانب مؤسسة الحركة سلوتسكين. وسبق أن نفذ أعضاءها  أنشطة استفزازية، قضت بإرسال بالونات عبر مسيّرات إلى مناطق لبنانية، مكتوب عليها أوامر إخلاء فوري باللغة العبرية والعربية للسكان اللبنانيين، بدعوى أن الجنوب هو “أرض إسرائيل”. مما يجدر ذكره أن معظم الناشطين في الحركة هم مستوطنون متطرفون يقيمون في الضفة الغربية وشرقي القدس.