صحف وآراء مجتمع

اللبنانيون يحترقون بنيران العدوان الصهيوني والغلاء أيضا: تجار الأزمات يضاعفون الأسعار وسط غياب كامل للرقابة

زهير هواري

بيروت 31 آذار 2026 ـ بيروت الحرية

في بلد يعاني من حرب اسرائيلية مفتوحة تتعرض لها معظم أنحاء الجنوب والبقاعين الغربي والشمالي والضاحية الجنوبية من بيروت، وتنعكس على أوضاع كل البلاد. حرب قادت في معظم التقديرات المتواضعة إلى اقتلاع ما لا يقل عن 1.300.000 مهجر من بيوتهم، مع سقوط حوالي 1268 شهيد وعدة الآف من الجرحى بين مدنيين وعسكريين، تبدو الحياة اليومية بالنسبة للمواطنين اللبنانيين شبه مستحيلة. فالمهجرون وعلى الرغم من الجهود التي تبذلها الحكومة ووزيرة الشؤون الاجتماعية حيث يعقد اجتماع يومي في السراي لمواكبة الوضع، هؤلاء يعيشون أوضاعا مزرية على الصعيد الإسكاني والغذائي والصحي. يحدث هذا وسط شح في المساعدات الدولية، واعتماد جزئي على بعض ما ورد من مساعدات إغاثة قليلة، ومحدودية ما يتوافر من مصادر محلية. أينما تتجه في العاصمة وحتى الشمال اللبناني تطالعك ألوف العائلات المؤلفة من رجال ونساء وأطفال، ومنهم أعداد من ذوي الاحتياجات الخاصة والمرضى الذين يحتاجون إلى رعاية استثنائية. يضاف إلى هؤلاء من استقروا في مراكز الإيواء أو نزلوا على أقارب لهم أو استأجروا منازل بأسعار خيالية بالقياس إلى الأسعار التي كانت سائدة قبلا.

وعليه، لا بد من القول إن الدولة اللبنانية التي تتولى مسؤولية هذه الأعداد تعاني من شح مالي نتيجة الأزمة المالية النقدية التي تمر بها منذ 6 سنوات على الأقل، والتي لم تخرج منها بعد. الآن يقف اللبنانيون أمام محنة جديدة متجددة لا أحد يستطيع إلى الآن تقدير حجمها الفعلي لجهة تراكم الأكلاف الناجمة عن الوضع الأمني للحرب والخسائر الكارثية المباشرة وغير المباشرة التي لم تترك قطاعا إلا وألحقت به ما لا يمكن تقديره من تدمير. ففي كل يوم تضاف قرى وأحياء جديدة إلى قائمة المناطق المدمرة، أو تلك التي قررت اسرائيل أن تبقى عليها منزوعة السكان وليست منزوعة السلاح كما تدعي. ولا شك أن ألوف المواطنين الذين فقدوا بيوتهم ومصادر رزقهم لا يستطيعون الصمود أمام وضع من الواضح أنه سيكون مفروضا إلى أوقات طويلة. وبالطبع فهؤلاء لن يتمكنوا من الحصول على مصادر دخل بعد أن فقدوا ما يمكن وصفه بأنه “المال والرسمال” الذي كانوا يعتمدون عليه في تأمين معاشهم، سواء من أعمال زراعية أو حرفية أو صناعية أو خدماتية. ومما لاشك فيه أنه في مثل هذا الوضع الذي يجتازه لبنان يصبح الهم الرئيسي موجها نحو الحصول على ما هو أساسي من مقومات العيش. يحدث ذلك وسط بطالة تزداد اتساعا، وارتفاع حاد في أسعار المواد الغذائية والاستهلاكية التي يتوجب على المواطنين الحصول عليها يوميا. والتي تمثل الحد الأدنى من مقومات البقاء.

المحروقات والخبز والمهجرين

تأتي في أعلى قائمة الأكلاف المرتفعة والتي يتوجب الحصول عليها المحروقات وسط طقس شتوي يتطلب التدفئة في المناطق الساحلية والجبلية على حد سواء. خصوصا ونحن نتحدث عن مراكز إيواء هي عبارة عن مدارس لا وجود لما يخفف من برودة الطقس فيها ( سجاد وبسط ومكونات منزلية ووسائل تدفئة تخفف من حدة الصقيع). ومن المعروف أن المحروقات تدخل في عمليات الإنتاج الزراعي والصناعي والخدماتي وفي كلفة الانتقال ايضا. بالطبع هناك أسباب عالمية لارتفاع سعر النفط تتعلق بالأوضاع في منطقة الخليج العربي في ضوء الحرب الاميركية – الاسرائيلية على ايران، وما يشهده مضيق هرمز من اقفال نسبي، وتوتر قاد إلى نقص في الامدادات، ما أدى إلى ارتفاع أسعار برميل النفط إلى ما يزيد عن 106 دولارات للبرميل. وطبيعي أن يرفع ذلك سعر صفيحة البنزين والمازوت والغاز. فقد ارتفع سعر صفيحة البنزين من 17 دولارا إلى 26 دولارا. أي أن نسبة ارتفاع سعر الصفيحة سجل حوالي 40 إلى 45 بالمئة عما كان عليه خلال شهر واحد فقط. ومثل هذا الارتفاع ترك بصماته على مختلف الاسعار بدءا من رغيف الخبز وحتى إنتاج ونقل الخضار والفواكه من المناطق نحو أسواق العاصمة. فقد ارتفع سعر ربطة الخبز من الفرن من 60 إلى 70 ألف ليرة بينما ارتفعت حصة الموزع للمستهلك إلى 15 أو 20 ألف ليرة للربطة التي تراجع وزنها عما كانت عليه. ومن المعروف أن الأسرة كبيرة العدد تعتمد في في غذائها اليومي على هذه المادة. ويدخل سعر المازوت في الإنتاج الزراعي والتبريد والنقل وغيرها من متطلبات تدخل في سعر السلعة .

ولأن اللبنانيين مازالوا يعتمدون على المولدات في الإضاءة والعديد من الخدمات الكهربائية اليومية، فقد تضاعفت الأكلاف التي يتوجب دفعها سواء للطاقة الرسمية التي تصلهم بتقنين من كهرباء لبنان، وكذلك ما يحصلون عليه من المولدات المنتشرة في أحياء المدن والقرى. ومن خلال ما ينشره أصحاب المولدات يتبين أن بعض المناطق شهدت تضاعفا في الأسعار مع ارتفاع سعر صفيحة المازوت. وقد طال الارتفاع قارورة الغاز المنزلي، ما انعكس على الأسعار في المطاعم ومحال المناقيش وما شابه.

اللحوم بدورها سجلت ارتفاعات ملموسة عما كانت عليه، وتراجع استهلاكها قرابة 60% ( من 500 طن يوميا إلى  200 طن يوميا)  مما كان عليه قبل الأزمة. وباتت مناطق واسعة أصلا خارج القدرات الاستهلاكية. ففيما كان سعر الكلغ 12 دولارا قبل أشهر ارتفع مؤخرا ليصل إلى 16 و18 دولاراللحم البرازيلي وإلى 26 دولارا للكلغ من اللحم الاوروبي. وقد شمل ارتفاع الأسعار اللحوم البيضاء كالفراريج والسمك وثمار البحر. ووصلت الزيادات إلى أسعار الخضار والفواكه. ومن المقرر أن تشهد الأيام المقبلة ارتفاعات جنونية على ضوء زيادة أسعار الأسمدة التي ارتفعت أسعارها بحدود 40 % . وشمل الارتفاع أسعار المبيدات والكبريت وأكلاف الإنتاج من بذور وصناديق وتغليف ونقل وغيرها.

والملفت أن المواد المنتجة أو المستوردة في مراحل سابقة على الموجة الأخيرة، ارتفع سعرها تحسبا من التجار لما سيلحقها في المقبل من الأيام. فالالبان والأجبان والمعلبات مسواء أكانت من معامل لبنانية أو مستوردة ارتفعت أسعار بعضها بما يتراوح ين 30 و50 بالمئة.

عاملان داخلي وخارجي

لا شك أن عاملين تفاعلا معا ليقودا إلى هذا التصاعد الذي يضغط على الأسر اللبنانية عموما وعلى المهجرين منهم في المقام الأول، وعلى الدولة بطبيعة الحال، باعتبار أنها هي التي تتولى تأمين تزويد مراكز الإيواء بمقومات النزوح (مازوت، فرش، بطانيات، مواد تنظيف وما شابه)، يضاف إليها الوجبات يوميا. وهو ما لا يتعرف عليه حزب الله الذي يعتبر أن الإغاثة والإعمار من مهام الدولة، بينما مهمته هو أن يشعل الحرب بقرار من الحرس الثوري الايراني “كرمى لعيون” ايران ومرشدها الراحل، دون أن يعبأ بمصير مئات الألوف من المواطنين الذين جرى اقتلاعهم من بيوتهم على يد العدوان الصهيوني. إن إخراج الجنوب وأجزاء من البقاع والضاحية من دورة العمل والإنتاج وتحويل أبنائها إلى لاجئين، لا بد وأن يترك بصماته على التوازن الذي كانت تمثله الجغرافيا الاجتماعية والإنتاجية اللبنانية. يسقط مثل هذا الوضع على عوامل مناخية تتمثل بفصل الشتاء حيث يتعذر القيام بأي نشاط زراعي، ناهيك بما تعرضت له الثروة الحيوانية من مداجن وقطعان أبقار وماعز وغنم وما تدره من حليب وما تعطيه من لحوم من خسائر فادحة. ولا ننسى هنا أن صيادي الأسماك في المنطقة الممتدة من جنوبي صيدا وحتى الناقورة لا يستطيعون ممارسة مهنتهم، نظرا لأنه جرى تهجيرهم مع سواهم من السكان، وللمخاطر المحدقة في سواها.

ما إن اندلعت الحرب حتى قامت شركات التأمين برفع بدلات التأمين على البضائع المتجهة نحو الشرق الاوسط. أي أنها وبصرف النظر عن ارتفاع سعر برميل النفط بادرت إلى اعتماد هذا الإجراء كاستكمال لزيادة أسعار الشحن والطاقة. ومن المعروف أن منطقة الشرق الاوسط العربية وغيرها تعتمد في الحصول على حاجتها من المواد الغذائية على الاستيراد من مصادر أوروبية وآسيوية. وقد ارتفع بدل شحن الحاوية من 1000 دولار إلى 1500 دولار، أي بنسبة 33% . وبذلك باتت الكلفة متصاعدة بالتوازي مع ما سبق وجرى تسجيله من زيادات على أسعار وأكلاف النقل والتخزين والتوزيع . ما أنعكس على سلسلة الإمداد. يجب أن نشير هنا إلى أن نسبة الزيادات في السوق المحلي تتجاوز دوما الزيادات التي يشهدها السوق العالمي. إذ المعروف أن التجار اللبنانيين دوما يعمدون إلى مضاعفة الزيادة بفعل ارتفاع منسوب المخاطر الداخلية. ويستفيد هؤلاء من اقبال المواطنين المقتدرين على تخزين كميات اضافية من  مستهلكاتهم اليومية خوفا من توقف الاستيراد من المرفأ أو المطار. وما يزيد من سعر السلعة هو أن الاكلاف في النقل الداخلي سجلت هي الأخرى ارتفاعات في كلفة نقلها بين العاصمة والمناطق، أو بين مناطق الإنتاج والاستهلاك . والملفت أن رئيس نقابة مستوردي المواد الغذئية في لبنان هاني البحصلي يعتبر أن «ارتفاع أسعار الطاقة  التي تجاوزت الـ 40 % لا يعني بالضرورة ارتفاعاً موازياً في أسعار السلع الغذائية، لأن الطاقة تُشكِّل جزءاً صغيراً من التكلفة الإجمالية»، معتبراً أنَّ «أي زيادة تتراوح بين 2 و5 في المائة تُعدُّ منطقية في هذه المرحلة، ولا تبرر القفزات الكبيرة التي يسجِّلها بعض التجار». مضيفاً: «هناك فرق بين ارتفاع مبرَّر تفرضه الظروف، وبين تجاوزات يجب ضبطها». ولكن ماذا عن الـ 40 والـ 50% في العديد من المحال، عدا الاختلافات في سعر السلعة الواحدة بين المحال في الشارع الواحد ؟

بالطبع يفيد التجار من غياب أجهزة الرقابة التي كانت في أيام السلم شبه مشلولة، وباتت الآن معدومة على نحو شبه كامل، ما يتيح لكل تاجر التسعير على هواه في الإفادة من الفرصة المتاحة وتسجيل المزيد من الارباح ولو على حساب اللاجئين من أبناء وطنه.