صحف وآراء مجتمع

عين على فلسطين: الحالَةُ الفِلَسْطِينِيَّةُ.. عَرَبُ الداخِلِ

 هشام دبسي*

جَدَّتِي

وُلِدَتْ جَدَّتِي عائِشَةُ فِي العَقْدِ الأَخِيرِ مِنَ القَرْنِ التاسِعَ عَشَرَ، فِي وَقْتِ وِلادَةِ الحَرَكَةِ الصَّهْيُونِيَّةِ العالَمِيَّةِ.

وأَنْجَبَتْ جَدَّتِي ابنَها الأَوَّلَ والثانِيَ قَبْلَ الحَرْبِ العالَمِيَّةِ الأُولى وخِلالَها، وبَعْدَها أَنْجَبَتْ ابنَتُها وآخِرَ ذُكُورِها.

قَبْلَ نَكْسَةِ حَرْبِ حُزَيْرانَ بِسَنَةٍ واحِدَةٍ، كانَتْ مَشْغُولَةً فِي “سَرايا صَيْدا” طَيلَةَ الوَقْتِ، وهِيَ سَعِيدَةٌ لأَنَّها حَصَلَتْ عَلَى تَصْرِيحٍ مِنَ الصَّلِيبِ الأَحْمَرِ الدَوْلِيِّ يَسْمَحُ لَها بِرُؤْيَةِ ابنِها البِكْرِ تَوْفِيق، الإِسْرائِيلِيِّ الَّذِي لَمْ يُغادِرْ مَدِينَتَهُ عَكّا.

كانَ تَصْرِيحُ الصَّلِيبِ الأَحْمَرِ لا يَكْفِي لإِنْجازِ هٰذا الحَدَثِ الاسْتِثْنائِيِّ فِي حَياتِها. لَوْلا حُصُولُها عَلَى طَلَبِ زِيارَتِهِ مِن ابنَتِها مَرْيَمَ الأُرْدُنِيَّةِ المُقِيمَةِ فِي نابُلُسَ فِي الضِّفَّةِ الغَرْبِيَّةِ لِلمَمْلَكَةِ الأُرْدُنِيَّةِ الهاشِمِيَّةِ. وهٰذا التَّصريحُ أَي (طَلَبُ الزِيارَةِ العائِلِيَّةِ) لا يَنْفَعُ عِنْدَ الأَمْنِ العامِّ اللُبْنانِيِّ لِوَحْدِهِ مِن دُونِ إِذْنِ مُرُورٍ خاصٍّ حَصَلَتْ عَلَيْهِ جَدَّتِي مِن ابنِها اللاجِئِ إِلَى دِمَشْقَ حَيْثُ وَجَدَ العَمَلَ والمَأْوَى واسْتَقَرَّ هُناك.

هٰكَذا عِنْدَما اسْتَلَمَتْ جَدَّتِي عائِشَةُ وهِيَ فِي عِقْدِها السابِعِ آخِرَ تَصْرِيحٍ، قالَتْ: “لا بُدَّ مِنَ الاحتِفالِ”.

وحَزَمَتْ أَغْراضَها فِي شَنْطَتِها الصَّغيرَةِ لِهٰذِهِ الرِّحْلَةِ مِن صَيْدا إِلَى دِمَشْقَ وعَمّانَ ونابُلُسَ لِلوُصولِ قَبْلَ مَوْعِدِ المُقابَلَةِ.

فِي مَوْعِدِ المُقابَلَةِ، ذَهَبَتْ جَدَّتِي وابنَتُها مَرْيَمُ ومَن اسْتَطاعَ مِنَ العائِلَةِ فِي سَفَرٍ لَيْسَ طَوِيلاً ومِن دُونِ تَصْرِيحٍ هٰذِهِ المَرَّةَ مِن نابُلُسَ إِلَى القُدْسِ الشَرْقِيَّةِ، لِتُصَلِّيَ أَوَّلاً فِي المَسْجِدِ الأَقْصَى، وتَذْهَبَ مَعَ العائِلَةِ إِلَى الشَّرِيطِ الشائِكِ فِي غَرْبِ المَدِينَةِ حَتَّى تَلْتَقِيَ ابنَها وعائِلَتَهُ مِنَ الصَّباحِ إِلَى الظَّهِيرَةِ لٰكِنْ مِن دُونِ تَجاوُزِ الحاجِزِ الفاصِلِ.

وفِي نِهايَةِ يَوْمِ المُقابَلَةِ سَتَعُودُ جَدَّتِي مِن غَيْرِ عَجَلَةٍ إِلَى نابُلُسَ، وكَذٰلِكَ لا بُدَّ لَها أَن تَقْضِيَ يَوْمَيْنِ فِي عَمّانَ مَعَ أَبْناءِ عَمَّتِي لِتَرَى أَحْفادَها، وتَقْضِيَ أَيَّاماً أُخْرَى فِي دِمَشْقَ حَيْثُ يَسْتَقِرُّ هُناكَ أَكْثَرِيَّةُ أَفْرادِ عائِلَتِها قَبْلَ أَن تَعُودَ إِلَى صَيْدا، مُسْتَقَرِّ ابنِها الصَّغِيرِ الَّذِي يَعْمَلُ فِي بَيْرُوتَ فِي مَصْنَعٍ لِلوَرَقِ فِي كُورْنيشِ النَّهْرِ الَّذِي صارَ بَيْرُوتَ الشَّرْقِيَّةَ، حَيْثُ ماتَ عِنْدَما سَقَطَتْ قَذِيفَةٌ عَلَى المَصْنَعِ واحْتَرَقَ الوَرَقُ وغادَرَ الحَياةَ. لٰكِنَّ جَدَّتِي لَمْ تَحْزَنْ عَلَيْهِ، لأَنَّها سَبَقَتْهُ فِي وَداعِ رِحْلَةِ الشَّقاءِ وهِيَ عَلَى فِراشِها، مِن دُونِ حَرْبٍ أَهْلِيَّةٍ.

عَرَبُ الدَّاخِلِ

اسْمٌ يُطْلَقُ عَلَى الفِلَسْطِينِيِّينَ الَّذِينَ لَمْ يَخْرُجُوا لأَسْبابٍ مُتَعَدِّدَةٍ مِن مُدُنِهِم وقُراهُم، وقَدْ أَصْبَحَتْ إِسْرائِيلِيَّةً لَحْظَةَ إِعْلانِ الاسْتِقْلالِ فِي 15/5/1948، وهِيَ اللَّحْظَةُ الَّتِي نُسَمِّيها “النَّكْبَةُ”. أَمَّا الخَطُّ الفاصِلُ الَّذِي ذَهَبَتْ إِلَيْهِ جَدَّتِي فيُسَمَّى الخَطَّ الأَخْضَرَ، ولا أَدْرِي لِماذا سُمِّيَ بِالأَخْضَرِ. لِذا يُطْلَقُ عَلَى أَمْثالِ عَمِّي تَوْفِيقٍ عَرَبُ الداخِلِ، أَوِ العَرَبُ خَلْفَ الخَطِّ الأَخْضَرِ، بَيْنَما حُكُومَةُ دافيد بِنْ غُورْيون سَمَّتْهُم “عَرَبُ إِسْرائِيلَ” فِي الوَقْتِ الَّذِي نادَتْهُم إِذاعَةُ “صَوْتِ العَرَبِ” وإِذاعَةُ “دِمَشْقَ” “عَرَبُ الأَرْضِ المُحْتَلَّةِ”.

ثُمَّ أَعادَتْ تَسْمِيَتَهُم حُكُوماتُ إِسْرائِيلَ وِفْقَ هُوِيَّاتِهِم الدِّينِيَّةِ أَو العِرْقِيَّةِ، أَي “دُرُوزُ إِسْرائِيلَ”، “بَدْوُ إِسْرائِيلَ”، “مُسْلِمُونَ”، “مَسِيحِيُّو إِسْرائِيلَ”، “شَرَاكِسَةُ إِسْرائِيلَ”؛ أَو “الأَقَلِّيَّاتُ فِي إِسْرائِيلَ”.

ثَمَّةَ مُشْتَرَكٌ واحِدٌ بَيْنَ التَّسْمِياتِ جَمِيعِها، هُوَ تَغْيِيبُ ونَفْيُ هُوِيَّتِهِم الفِلَسْطِينِيَّةِ. إِنَّهُمُ الشَّعْبُ الأَصْلانِيُّ الَّذِي لَمْ يُغادِرْ أَرْضَهُ لَحْظَةً واحِدَةً، بَلْ أَجْبَرَتْهُ حُكُومَةُ بِن غُورْيون عَلَى النُّزُوحِ الداخِلِيِّ عِنْدَما حَطَّتْ رِحالَها حَرْبُ فِلَسْطِينَ واسْتَقَرَّ حالُ إِسْرائِيلَ بَعْدَ تَوْقِيعِ اتِّفاقاتِ الهُدْنَةِ مَعَ “دُوَلِ الطَّوْقِ”.

عِنْدَها اكْتَشَفَتِ الحُكُومَةُ الإِسْرائِيلِيَّةُ أَنَّ فِي دَوْلَتِها الحَدِيثَةِ والدِيمُقْراطِيَّةِ نَحْوَ 156 أَلْفَ إِنْسانٍ مِن سُكَّانِ البِلادِ الأَصْلِيِّينَ. كانَ الجَيْشُ الإِسْرائِيلِيُّ عِنْدَما يَحْتَلُّ المُدُنَ الكُبْرَى يُهَجِّرُ قاطِنِيها بِالقُوَّةِ النارِيَّةِ، مِثْلَ مَدِينَةِ يافا حَيْثُ غادَرَها نَحْوُ 71 أَلْفَ نَسَمَةٍ، وبَعْدَ ذٰلِكَ تَمَّ تَجْمِيعُ ما يُقارِبُ 400 شَخْصٍ فِي حَيِّ العَجَمِيِّ. أَمَّا فِي حَيْفا فَجَرَى تَهْجِيرُ 75 أَلْفٍ بَرَّاً وبَحْراً.

وتَمَّ تَجْمِيعُ نَحْوِ 3200 مِنَ الباقِينَ فِي “حَيِّ وادِي النِّسْناسِ”. هٰكَذا دَوالَيْكَ فِي المُدُنِ والبَلَداتِ والقُرَى.

الأَمْرُ الَّذِي جَعَلَ رَئِيسَ الوُزَراءِ يُصْدِرُ تَعْلِيماتِهِ القاضِيَةَ باعتِبارِ الباقِينَ مِنَ الفِلَسْطِينِيِّينَ طابُوراً خامِساً يُشَكِّلُ خَطَراً أَمْنِيَّاً عَلَى الدَّوْلَةِ الناشِئَةِ، وقُنْبُلَةً دِيمُغْرافِيَّةً يَجِبُ السَّيْطَرَةُ عَلَيْها. لِذا أَمَرَتِ الحُكُومَةُ بِوَضْعِ كُلِّ هَؤُلاءِ تَحْتَ الحُكْمِ العَسْكَرِيِّ بِتَصَرُّفِ جَيْشِ الدِّفاعِ بِمُوجِبِ قَوانِينِ الطَّوارِئِ البِرِيطانِيَّةِ لِسَنَةِ 1946.

وفِي هٰذا المَجالِ، يُطْلِعُنا الدُّكتورُ يِئِير بُويمِل بِمُحاضَرَةٍ بِعُنْوانِ “دَوافِعُ فَرْضِ سِياسَةِ الحُكْمِ العَسْكَرِيِّ وقِسْرِيَّاتُها” أَنَّ السُّلُطاتِ الإِسْرائِيلِيَّةَ [انْتَهَجَتْ فِي العَقْدِ الأَوَّلِ مِنَ الحُكْمِ العَسْكَرِيِّ سِياسَةَ الترانسفير لِلمُواطِنِينَ العَرَبِ، والَّتِي بَلَغَتْ أَوْجَها فِي مَذْبَحَةِ كَفْرِ قاسِم فِي 29/10/1956… أَمَّا فِي العَقْدِ الثانِي فَقَد تَغَيَّرَتْ سِياسَةُ الدَّوْلَةِ العِبْرِيَّةِ بَعْدَما اتَّضَحَ أَنَّ الترانسفير لَمْ يَعُدْ أَمْراً واقِعِيَّاً ومُمْكِناً… حَيْثُ بُوشِرَ فِي مُحاصَرَةِ المُواطِنِينَ العَرَبِ وإِقْصائِهِم… باعتِبارِهِم خَطَراً عَلَى أَمْنِ الدَّوْلَةِ] 1.

وتابَعَ يَقولُ إِنَّ رَئِيسَ الوُزَراءِ الإِسْرائِيلِيَّ الأَوَّلَ [أَمَرَ بِكِتابَةِ التَّقْوِيمِ العِبْرِيِّ فِي بِطاقاتِ المُواطِنِينَ اليَهُودِ فَقَطْ مِن أَجْلِ تَشْخِيصِ المُواطِنِينَ العَرَبِ…] 2

[كَما حَصَلَ إِخْراجُ العَرَبِ مِن دائِرَةِ التَّخْطِيطِ لِلمَشارِيعِ المُخْتَلِفَةِ لِشُؤُونِ حَياتِهِم وضَمانُ عَدَمِ تَطَوُّرِ رَأْسِ مالٍ عَرَبِيٍّ.] 3 ومَنَعَ مُحاوَلَةَ رَئِيسِ مَجْلِسِ كَفْرِ ياسِيف “يَنِي يَنِي” لإِقامَةِ [رابِطَةٍ لِرُؤَساءِ السُّلُطاتِ المَحَلِّيَّةِ العَرَبِيَّةِ فِي بِدايَةِ السِّتِّينِيَّاتِ] 4

تَجْنِيدُ الدُّرُوزِ

عانَتِ الطائِفَةُ الدُّرْزِيَّةُ فِي فِلَسْطِينَ وَضْعاً اقتِصادِيَّاً سَيِّئاً وسادَ الفَقْرُ الشَّدِيدُ بَعْدَ إِعْلانِ دَوْلَةِ إِسْرائِيلَ، ومارَسَتِ الحُكُومَةُ الإِسْرائِيلِيَّةُ ضَغْطاً مُتَواصِلاً مِن أَجْلِ إِجْبارِ الطائِفَةِ عَلَى التَّعامُلِ مَعَها، كَبَوَّابَةٍ لِلتَّعامُلِ مَعَ إِخْوانِهِمُ الدُّرُوزِ فِي سُورْيا ولُبْنانَ.

ومِن أَجْلِ كَشْفِ سِياساتِ الحُكُومَةِ الإِسْرائِيلِيَّةِ عَمِلَ البروفسور قَيْسُ فِرَّو عَلَى أَوراقِ الأَرْشِيفِ الإِسْرائِيلِيِّ وأَنتَجَ أَوراقاً بَحثِيَّةً نُشِرَتْ أَيْضاً فِي يَوْمِ الدِّراسَةِ والحِوارِ الَّذِي شارَكَ فِيهِ دُكتور يِئِير بُويمِل فِي الناصِرَةِ، وكَتَبَ [أَنَّ وَزِيرَ الدِّفاعِ مُوشِيه دايان اسْتَدْعَى زُعَماءَ الدُّرُوزِ عامَ 1954، فِي بَلَدَةِ نِيشِر ودَعاهُم لِلخِدْمَةِ العَسْكَرِيَّةِ بِوَصْفِها فُرْصَةَ عَمَلٍ لِلخُرُوجِ مِن أَزْمَتِهِمِ الاقتِصادِيَّةِ.] 5

وشَمَلَتِ الدَّعوَةُ أَيْضاً الطائِفَةَ الشَّرْكَسِيَّةَ. ومِن أَجْلِ عَدَمِ اخْتِلاطِهِم بِالجَيْشِ الإِسْرائِيلِيِّ تَمَّ تَشْكِيلُ “وَحْدَةِ الأَقَلِّيَّاتِ”، الَّتِي لَمْ يَتَجاوَزْ عَدَدُها المِئاتِ. ولِلمُفارَقَةِ فإِنَّ “وَحْدَةَ الأَقَلِّيَّاتِ” كانَتْ تَتْبَعُ وِزارَةَ الخارِجِيَّةِ ولَيْسَ وِزارَةَ الدِّفاعِ. وفِي هٰذا السِّياقِ، اعتَبَرَ البروفسور قَيْسُ أَنَّها وَحْدَةٌ لِلأَغراضِ الدُّعائِيَّةِ والسِّياسِيَّةِ مِن أَجْلِ انتِزاعِ الطائِفَةِ مِن حاضِنَتِها وعُرُوبَتِها وهُوِيَّتِها الفِلَسْطِينِيَّةِ، عَبْرَ إِخْضاعِها ومَنْعِها مِنَ العَوْدَةِ إِلَى الوَراءِ.

فِي الوَقْتِ نَفْسِهِ، جَرَتْ مَلاحَقَةُ “حَرَكَةِ الأَرْضِ” وهِيَ حَرَكَةٌ سِياسِيَّةٌ قَوْمِيَّةٌ حَتَّى تَمَّ القَضاءُ عَلَيْها، وكَذٰلِكَ التَّضْيِيقُ عَلَى الطاقاتِ والكَوادِرِ الإِعْلامِيَّةِ والصَّحافِيَّةِ الَّتِي اسْتَمَرَّتْ فِي نَشاطِها الفَرْدِيِّ بَعْدَ النَّكَبَةِ. هٰكَذا تَطَوَّرَتْ سِياساتُ الاحتِواءِ والتَّفْتِيتِ والإِخْضاعِ القَسْرِيِّ.

نِهايَةُ الحُكْمِ العَسْكَرِيِّ

مارَسَتِ الحُكُوماتُ الإِسْرائِيلِيَّةُ سِياسَةَ الإِقْصاءِ الكامِلِ لِلأَقَلِّيَّةِ الفِلَسْطِينِيَّةِ عَن أَجْهِزَةِ الدَّوْلَةِ ومُؤَسَّساتِها، عَلَى الرَّغْمِ مِن مَنْحِهِمُ الجِنْسِيَّةَ الإِسْرائِيلِيَّةَ، إِلَّا أَنَّهُم لَمْ يَسْتَفِيدُوا مِن خَدَماتِ الدَّوْلَةِ، باعتِبارِهِم يَتْبَعُونَ جِهازَيِ الشُّرْطَةِ والمُخابَراتِ. ومِن أَجْلِ مَنْعِ تَشَكُّلِهِم كَجَماعَةٍ قَوْمِيَّةٍ أَصْلانِيَّةٍ لَها حُقُوقٌ، جَرَى شَرْذَمَتُهُم وتَشْتِيتُهُم وتَغْذِيَةُ الهُوِيَّاتِ الفَرْعِيَّةِ وإِثارَةُ النَّعَراتِ بَيْنَ المُكَوِّناتِ الدِّينِيَّةِ والطائِفِيَّةِ والعَشائِرِيَّةِ والعائِلِيَّةِ، مِن أَجْلِ تَحْطِيمِ الثِّقَةِ فِيما بَيْنَهُم. وفُرِضَتْ عَلَيْهِم قُيُودُ التَّنَقُّلِ والمِلْكِيَّةِ، والنُّزُوحُ مِن أَراضِيهِم وبُيُوتِهِم إِلَى أَماكِنَ جَدِيدَةٍ تُحَدِّدُها أَجْهِزَةُ الشُّرْطَةِ والمُخابَراتِ.

اسْتَمَرَّ هٰذا الحالُ حَتَّى حَرْبِ حُزَيْرانَ 1967 حَيْثُ احْتَلَّ الجَيْشُ الإِسْرائِيلِيُّ الضَّفَّةَ الغَرْبِيَّةَ وقِطاعَ غَزَّةَ فَضْلاً عَن صَحْراءِ سِيناءَ وهَضْبَةِ الجَوْلانِ.

هٰذا الانتِشارُ والتَّوَسُّعُ الجَدِيدُ لِلجَيْشِ الإِسْرائِيلِيِّ أَدَّى إِلَى رَفْعِ قَوانِينِ الطَّوارِئِ فِي نِهايَةِ عامِ 1968 وانتَهَى مَعَهُ نِظامُ الحُكْمِ العَسْكَرِيِّ. لِيَنْتَقِلَ حالُ الفِلَسْطِينِيِّينَ هُناكَ إِلَى مَرْحَلَةٍ جَدِيدَةٍ، يَجْرِي التَّعامُلُ مَعَهُم عَلَى أَنَّهُم مُواطِنُونَ، ولَهُم وَضْعٌ قانونيٌّ جَدِيدٌ يَسْمَحُ بِحَقِّ التَّصْوِيتِ والتَّرَشُّحِ لِلانتِخاباتِ وحَقِّ العَمَلِ فِي مُخْتَلِفِ القِطاعاتِ وحَقِّ الحُصُولِ عَلَى خَدَماتِ الدَّوْلَةِ مِن تَعْلِيمٍ وصِحَّةٍ وضَمانٍ اجتِماعِيٍّ.

وبِناءً عَلَى هٰذِهِ الحُقُوقِ القانونِيَّةِ، لَهُمُ الحَقُّ فِي التَّمْثِيلِ فِي الكِنِيسِت عَبْرَ الأَحْزابِ الإِسْرائِيلِيَّةِ أَو الأَحْزابِ العَرَبِيَّةِ الَّتِي تَشَكَّلَتْ لاحِقاً. وفِي المَجالِ الاقتِصادِيِّ والاجتِماعِيِّ شَهِدَتْ حَياتُهُم نَقْلَةً نَوْعِيَّةً بِالقِياسِ إِلَى وَضْعِهِم السابِقِ.

لٰكِنَّهُ حَتَّى الآنَ لَمْ يَجْرِ رَدْمُ الفَجْوَةِ فِي مُتَوَسِّطِ الدَّخْلِ الفَرْدِيِّ بَيْنَ الفِلَسْطِينِيِّينَ واليَهُودِ، كَما أَنَّ البِنْيَةَ التَحْتِيَّةَ فِي المُدُنِ والبَلَداتِ والقُرَى الفِلَسْطِينِيَّةِ تُعانِي مِن تَخَلُّفٍ وضَعْفٍ، فَضْلاً عَنِ القُيُودِ الشَّدِيدَةِ عَلَى التَّوَسُّعِ العُمْرانِيِّ.

بِهٰذا التَّطَوُّرِ نَشَأَتْ عِنْدَ الأَقَلِّيَّةِ الفِلَسْطِينِيَّةِ تَحَدِّياتٌ جَدِيدَةٌ مُرتَبِطَةٌ بِالأَرْضِ والسُّكَّانِ والتَّعْلِيمِ وفُرَصِ العَمَلِ، وتَحَدِّياتٌ فِي تَعْرِيفِ الهُوِيَّةِ والانتِماءِ، حَيْثُ تُفْرَضُ عَلَيْهِمُ الجِنْسِيَّةُ الإِسْرائِيلِيَّةُ وهُم سُكَّانُ البِلادِ الأَصْلانِيُّونَ.

لا شَكَّ أَنَّ قِسْماً مِنهُم حَسَمَ انتِماءَهُ لِلجِنْسِيَّةِ الإِسْرائِيلِيَّةِ، لٰكِنَّ غالِبِيَّتَهُم ما زالَتْ تَعْتَبِرُ نَفْسَها جُزْءاً مِنَ الشَّعْبِ الفِلَسْطِينِيِّ، ولٰكِنَّهُم مُواطِنُونَ أَيْضاً فِي إِسْرائِيلَ الَّتِي تَحْتَلُّ قِسْماً آخَرَ مِن شَعْبِهِم… تَحَدِّياتٌ وإِشْكالِيَّاتٌ أَنتَجَتِ الآنَ نُخَباً تُعَبِّرُ عَن وَعْيٍ عَمِيقٍ وتَفْكِيرٍ حَداثِيٍّ فِي مُخْتَلِفِ المَجالاتِ.

الجَرِيمَةُ المُنَظَّمَةُ

تَنتَشِرُ فِي مُدُنِ اللِّدِّ والرَّمْلَةِ والناصِرَةِ وأُمِّ الفَحْمِ عِصاباتُ جَرِيمَةٍ مُنَظَّمَةٍ ومُسَلَّحَةٍ تُجَنِّدُ الشُّبَّانَ العاطِلِينَ عَنِ العَمَلِ وتَسْتَغِلُّ حالَةَ التَّهْمِيشِ والإِحْباطِ واليَأْسِ.

فِي عامِ 2024 بَلَغَ عَدَدُ ضَحايا العِصاباتِ الإِجرامِيَّةِ 235 قَتِيلاً مُعْظَمُهُم مِنَ الشَّبابِ، وفِي عامِ 2025 ازْدادَ عَدَدُ القَتْلَى ووَصَلَ إِلَى 252. عَلَى الرَّغْمِ مِن ذٰلِكَ لَمْ تَصِلِ التَّحْقِيقاتُ إِلَى كَشْفِ المُجرِمِينَ إِلَّا بِنِسبَةِ 15%، الأَمْرُ الَّذِي جَعَلَ أَجْهِزَةَ الأَمْنِ الإِسْرائِيلِيَّةَ مُتَّهَمَةً إِمَّا بِتَشْجِيعِ هٰذِهِ الظاهِرَةِ وإِمَّا بِالتَّغاضِي عَنْها وعَدَمِ الاكتِراثِ فِي كَشْفِ مُلابَساتِها. حَتَّى وَصَلَ الاحتِقانُ الشَّعبِيُّ فِي الوَسَطِ الفِلَسْطِينِيِّ إِلَى تَنْظِيمِ تَظاهُراتٍ كَبِيرَةٍ فِي المُدُنِ والقُرَى والبَلَداتِ الَّتِي خَسِرَتْ أَبْناءَها، وتَحَوَّلَتِ الحَرَكَةُ الاحتِجاجِيَّةُ فِي السَّنَةِ الماضِيَةِ إِلَى الضَّغْطِ عَلَى القُوَى السِّياسِيَّةِ الفِلَسْطِينِيَّةِ مِن أَجْلِ تَوْحِيدِ مَوْقِفِها فِي جَبْهَةٍ واحِدَةٍ لِانتِخاباتِ الكِنِيسِت الخامِسِ والعِشْرِينَ الحالِيِّ. واسْتَطاعَ الضَّغْطُ الشَّعبِيُّ أَن يَدفَعَ بِالكُتَلِ الانتِخابِيَّةِ إِلَى الاتِّفاقِ عَلَى ما سُمِّيَ “بِالقائِمَةِ المُشْتَرَكَةِ”، وقَد ضَمَّتْ “الحَرَكَةَ العَرَبِيَّةَ لِلتَّغْيِيرِ” بِزِعامَةِ الدُّكتور أَحْمَد الطَّيِّبِي، و”الجَبْهَةَ الدِّيمُقراطِيَّةَ لِلسَّلامِ والمُساواةِ” بِقِيادَةِ أَيْمَن عَوْدَة، و”حِزْبَ التَّجَمُّعِ الوَطَنِيِّ الدِّيمُقراطِيِّ” بِقِيادَةِ سامِي أَبُو شَحَّادَة، و”القائِمَةَ العَرَبِيَّةَ المُوَحَّدَةَ” الإِسْلامِيِّينَ بِرِئاسَةِ مَنصُور عَبَّاس. إِلَّا أَنَّ التَّحالُفَ فَشِلَ ودَخَلَتِ القَوائِمُ المُتَنافِسَةُ مُنفَرِدَةً وحَصَلَتْ عَلَى 10 مَقاعِدَ فَقَطْ بَعْدَ أَن كانَتْ تَفُوزُ بِـ15 مَقْعَداً. وبِهٰذِهِ النَّتِيجَةِ سَجَّلَتِ الأَحزابُ المُتَنافِسَةُ أَكبَرَ خَسارَةٍ فِي الكِنِيسِت، بَيْنَما الجَرِيمَةُ المُنَظَّمَةُ فِي هٰذا العامِ تَصاعَدَتْ حَتَّى بَلَغَ عَدَدُ الضَّحايا فِي الأَشهُرِ الثَّلاثَةِ الماضِيَةِ 66 ضَحِيَّةً بَيْنَهُم أَرْبَعُ نِساءٍ وثَلاثَةُ فِتْيانٍ.

هٰكَذا حَصَدَ الفِلَسْطِينِيُّونَ فِي إِسْرائِيلَ النَّتائِجَ المُرَّةَ لِمَواقِفِ الكُتَلِ السِّياسِيَّةِ، حَيْثُ اختارَتِ الكُتْلَةُ الإِسْلامِيَّةُ بِقِيادَةِ مَنصُورِ عَبَّاسٍ التَّحالُفَ والاندِماجَ مَعَ الأَحْزابِ الصَّهْيُونِيَّةِ والدِّينِيَّةِ والمُشارَكَةَ فِي الحُكُوماتِ، بَيْنَما تَسْتَمِرُّ الكُتْلَةُ اليَسارِيَّةُ الشُّيُوعِيَّةُ فِي نَهْجِها الاعتِراضِيِّ المَطْلَبِيِّ، فِي الوَقْتِ الَّذِي اتَّخَذَتْ فِيهِ كُتْلَةُ التَّجَمُّعِ الدِّيمُقراطِيِّ شِعارَ مُناهَضَةِ “الأَسرَلَةِ”. واسْتَمَرَّتِ الحَرَكَةُ العَرَبِيَّةُ لِلتَّغْيِيرِ فِي سِياساتِها الأَقْرَبِ إِلَى دَعْمِ إِخْوانِهِم فِي الضِّفَّةِ وغَزَّةَ.

لٰكِنَّ حَقِيقَةَ تَفَرُّدِ الكُتْلَةِ الإِسْلامِيَّةِ فِي الالتِحاقِ بِالأَحْزابِ الصَّهْيُونِيَّةِ والدِّينِيَّةِ اليَهُودِيَّةِ لا تُعْفِي الكُتَلَ الثَّلاثَةَ العِلْمانِيَّةَ مِن مَسؤُولِيَّتِها فِي الفَشَلِ وعَدَمِ الاتِّفاقِ عَلَى خَوْضِ الانتِخاباتِ الأَخِيرَةِ مُوَحَّدَةً، الأَمرُ الَّذِي ضاعَفَ الخَسائِرَ فِي عَدَدِ النُّوَّابِ الفِلَسْطِينِيِّينَ فِي الكِنِيسِت. وهٰذا ما يَجعَلُ الأَقَلِّيَّةَ الفِلَسْطِينِيَّةَ فِي إِسْرائِيلَ تُعانِي المَزِيدَ مِنَ المُشكِلاتِ والتَّهمِيشِ لِدَوْرِها السِّياسِيِّ والاجتِماعِيِّ وعَجْزِها عَن مُعالَجَةِ القَضايا الكُبرَى، ولَيْسَ فَقَطْ فَشَلِها فِي التَّصَدِّي لِلجَرِيمَةِ المُنَظَّمَةِ المَرْعِيَّةِ بِشَكْلٍ غَيْرِ مَنْظُورٍ.

* كاتب وباحث

* نشرت بتاريخ 30 آذار 2026 على موقع   Levant Time