أُخليَتْ الضاحية اليوم. المكان فارغ. الزوايا. الأبواب. الشوارع. طبقات من الذاكرة على الجدران. أصوات في الركام. غضبٌ في وجوه السُّكان. كلامٌ كثير في بلد اعتاد الحروب. الصورة مألوفة ولئيمة. الضاحية تغلقُ أبوابها.
الضاحية فارغة. المكان الحميم الذي تعيشُ المدينة عليه خالٍ ولا يلوي على شيء. الشوارع والمحال تنتظر الخامسة عصراً لتلغي الحياة من قاموسها وترتحل. السيَّارات تتحضَّر في الثانية بعد الظهر، تحمل ما أمكن من حياة ناسِها اليومية. الوجوه غاضبة خائفة مذهولة وعاجزة. لا تعرفُ أبداً أين وجهتُها القادمة. أين يقودُها الخوف هذه المرة؟
يقفُ المهجّرُ العاجز باحثاً في ذاكرته عن بيت قريب. عن مأوى مؤقت. لا يعرفُ أنّ في بحثه المضني هذا وهمٌ، هو نفسه وهمُ البحث عن مأساة جديدة. مأساةٌ هي عينُها التي كانت في الماضي القريب! البيوت التي كانوا يظنّون أنها قريبة صارت أبعد ما يكون عن الأيدي.
الضاحية فارغة. الضاحية فارغة وعاجزة. المكان الحميم الذي صنعتهُ الحروب والهجرات ينادي الآن. لا أمان لنا في هذه الأرض. الضاحية وامتحانُ العيش على الأطراف، المدينةُ الكاملة.
حارة حريك، برج البراجنة، الغبيري، الشياح، الأماكن التي صارتْ مدناً وقبائل كانت مساحة من القرى الصغيرة. بساتين ليمون وبرتقال. البشر الذين كانوا يملأون الأزقة. الأطفال الذين امتهنوا الركض بين الأشجار، عرفوا معنى المدينة.
المدينة بدأت تمتلئ في خمسينيات وستينيات القرن الماضي. جنوب لبنان كان يقذف بأهله. الاحتلال الإسرائيلي المتكرر. النازحون وجدوا ضالتهم في الضاحية. المدينة المصنوعة من الهجرة والهجران. أبنيتها ترتفع بلا إنذار. أحياؤها تتوسع بغتة. أسواقها الشعبية تنمو مع أهلها في اجتماع متماسك.
الضاحية أتت من مكانٍ واحد. أتت من كلّ الجهات وغدت مكاناً واحداً. رافدُها الأكبر الجنوب والبقاع. الضاحية الملاذ بحثاً عن عمل وصوت وسقف. ملاذ عائلات سنّية ومسيحية نزحت في سنوات الحرب الأهلية. بيروت آنذاك نفسها تتكسّر إلى مدن صغيرة متقابلة. الضاحية هذه صارت المساحة الرمادية بين مدينة وريف. صارت وجهاً وجد فيهخ الكثيرون ضالّتهم. فيه ركّبوا حياتهم من جديد.
مدينةٌ صنعتها الحروب. الحاجة إلى البقاء. الشارع له حكاية. لكل شارع حكاية جنوبية وبقاعيّة. بصمة من قرية هجرت أو بيت دُمر، من شخص يبحث عن مأوى وفرصة. اليوم، مع التهديدات الجديدة، تبدو الضاحية على حافة موت آخر. المدينة التي استقبلت موجات الهجرة من الجنوب هرباً من الحرب، تجد نفسها مرة أخرى أمام الموت.
لوحات سيارات كثيرة من الجنوب والبقاع والشمال. عائلاتٌ مذعورة نحو بيوت أقارب أو مدارس مؤقتة. أكياس طعام على المقاعد الخلفية. أطفالٌ يمسِكون بأيدي آبائهم. كأن المدينة تعيش لحظة العود الأبدي. حياة كاملة تُترك في الخلف.
المدينة هذه تآخَتْ مع الحروب حتى صارت جلدتها وغربتها. سنوات طويلة من القلق والانتظار. حربٌ أهلية واجتياحات إسرائيلية جعلت الجنوب يقذف بمزيد من العائلات نحوها، وأيام طويلة من القصف والتوترات التي كانت تعلّم سكانها كيف يعيشون على حافة الخطر. الضاحية تعلّمت مع الوقت أن تبني حياتها وهي تعرف أن الحرب قد تعود في أي لحظة.
المدينة الكاملة تتنحّى جانباً فجأة. تنتظر أن يسمح لها التاريخ بالعودة إلى نفسها مرة أخرى. مدينة من حجر وبشر.. وذكريات!
* نشرت بتاريخ 7 آذار 2026 على موقع المدن
