مجتمع

المرأة اللبنانية والحرب: تغيير في الدور

*وداد شختورة ـ رئيسة التجمع النسائي الديموقراطي اللبناني

تقديم

*هذا المقال الذي كتبته رئيسة التجمع النسائي الديمقراطي الرفيقة الراحلة وداد شختورة في 10/ 3 / 1992 لمناسبة يوم المرأة العالمي مضى على نشره 33 عاما، مع ذلك فمراجعته اليوم تؤكد صوابية وجهة معالجتها ووعيها للقضية النسوية التي شغلت موقعا في قيادتها وشاركت في تظاهراتها ونضالاتها. لا شك أن شيئا تغير منذ تلك السنوات، لكن هناك ما هو راسخ على صدور اللبنانيين وقلوبهم. بالطبع لا تقف شختورة عند الظلم الاجتماعي الذي تتعرض له المرأة رافضة اعتبار أن موقعها ودورها هو في البيت، ولا في عدم حصولها على الأجر المتساوي للعمل المتساوي مع الرجل، بل تصوِّب على مصدر الداء بما هو النظام الطائفي، وما أفرزه من قوانين الأحوال الشخصية (18 قانونا لـ 18 طائفة) التي تكرس دونية المرأة، وتنزل بها أفدح أشكال الظلم المادي والمعنوي. وترى الرفيقة الراحلة أن النظام الطائفي لم يورث اللبنانيين فقط انقسامات وحروب أهلية، بل تمييزا عنصريا في السلم بين الذكر والأنثى، وهو تمييز سيظل قائما ما دام النظام نفسه “على قيد الحياة” عصيا على الاصلاح. إن ما تنبهنا إليه المناضلة الراحلة وداد شختورة من قبرها مفاده أن أي اصلاح سيظل قاصرا عن استنهاض دور المرأة والمجتمع اللبناني برمته لجهة قدرته على تجاوز انهيارات الحرب الأهلية ومحاصصة مؤسساتها، إذا لم يتصدَ لمصدر العلل التي تفتك به كل بضعة سنوات، ناهيك بما تقود إليه من كوارث ومصائب تتراكم عاما وراء عام.  وعليه تدعو شختورة الحركة النسائية إلى ضرورة رفع مستوى نضالها النسوي من أجل بلوغ هذه الحلقة المركزية التي لن يستقيم الوضع دون كسر قيودها. والمقال هذا الذي نعيد نشره تحية لها على عطائها لمناسبة ذكرى رحيلها، كان قد نشر في جريدة “النهار” تحت العنوان نفسه، ضمن محور عن عيد المرأة العالمي والثامن من آذار والحركة النسائية والتحولات التي طرأت على دور وموقع المرأة خلال سنوات الحرب.

بيروت الحرية

يأتي الثامن من آذار، يوم المرأة العالمي”، هذه السنة، ولبنان الذي بدأ الانتقال إلى حالة السلم الاهلي ما زال يعاني النتائج السلبية الكبيرة الناجمة عن سنوات الحرب، وما ادت إليه من تفكك ودمار اصابا الكيان اللبناني على مختلف الصعد السياسية والاقتصادية والاجتماعية مما كاد يطيح بما تبقى من عناصر وحدته ومقومات قدرته على الاستمرار، بعد انفلات المشاريع الطائفية والمذهبية من عقالها ، وانكفاء قوى التوحيد والديموقراطية، وتراجع موقعها ودورها في القدرة على المساهمة في وضع حد للحرب الأهلية العبثية.

وقد شكلت تسوية الطائف محطة العبور إلى السلم الأهلي الداخلي من خلال إعادة انتاج النظام الطائفي نفسه. وفي موازاة إعادة بناء مؤسسات النظام، برز الخلل فادحاً على صعيد قوى الحركة الشعبية الديموقراطية والنقابية، ومنها النسائية لجهة عدم قدرتها على الاضطلاع بدورها في الدفاع عن مصالحها وحقوقها، في مواجهة نهج تحميلها كلفة اعادة البناء، بالإضافة الى ما اصاب الفئات المكونة لها من تهجير وتشريد وافقار، بفعل حال الدمار والانهيار الاقتصادي والتفكيك الاجتماعي. وعليه، فإن المرأة اللبنانية لم تكن على هامش كل ما جرى وما هو قائم من باهظ الثمن جرَّاء ذلك. فهي عاشت ظروف الحرب ونتائجها في شكل مضاعف، ودفعت كلفة ثمن ذلك.

لقد بات بديهيا اليوم بعد تجربة الحرب المريرة، أنه لا بد من الغاء البنيان الطائفي من اجل دوام السلام، وأنه لا بد من التحرر من الفكر الطائفي كشرط لهذا الإلغاء، الا ان هذا وذاك يبقيان في حدود “الخطاب” الذي يظل اسير اللعبة الطائفية، اذا لم توضح الشروط الاصيلة لفكر وفعل مناقضين للفكر الطائفي، أي شروط توافر الممارسة الديموقراطية في هذا المجتمع، مما يفترض بناء مؤسسات المجتمع المدني نقيض العصبوية، ونقيض مؤسسات المجتمع الطائفي.

ونظرتنا إلى “قضية المرأة ” لا تخرج عن هذا المنظور، بل إننا ندعي أن حل المسألة النسائية، بما يسمح للمرأة بأن تحتل مكانتها الانسانية في المجتمع هو تجسيد للممارسة الديموقراطية.

وفي ظل وقائع عصرنا الراهن حيث بات واقع المرأة يشغل حيزاً من الاهتمام الاجتماعي، على المستويين العالمي والوطني، أصبح من المتعذر نفي وجود قضية نسائية. فللمرأة قضية بصفتها أحد قطاعات المجتمع المنتقصة حقوقها في العيش والحياة، الا أن مضامين نضال المرأة واشكاله، وإن تكن تقوم على مبدأ جامع لنساء العالم، هو الغاء التمييز الاجتماعي، فإنها تنبثق من خصوصية المجتمعات نفسها، اذ ثمة علاقة جدلية بين قضية المرأة والمجتمع بمستوياته المختلفة، وتبعاً لمنطق هذه العلاقة، نؤكد التلازم بين تقدم المرأة وتقدم المجتمع.

وقد شكلت تسوية الطائف محطة العبور إلى السلم الأهلي الداخلي من خلال إعادة انتاج النظام الطائفي نفسه. وفي موازاة إعادة بناء مؤسسات النظام، برز الخلل فادحاً على صعيد قوى الحركة الشعبية الديموقراطية والنقابية، ومنها النسائية لجهة عدم قدرتها على الاضطلاع بدورها في الدفاع عن مصالحها وحقوقها، في مواجهة نهج تحميلها كلفة اعادة البناء، بالإضافة الى ما اصاب الفئات المكونة لها من تهجير وتشريد وافقار، بفعل حال الدمار والانهيار الاقتصادي والتفكيك الاجتماعي. وعليه، فإن المرأة اللبنانية لم تكن على هامش كل ما جرى وما هو قائم من باهظ الثمن جرَّاء ذلك. فهي عاشت ظروف الحرب ونتائجها في شكل مضاعف، ودفعت كلفة وثمن ذلك.

لقد بات بديهيا اليوم بعد تجربة الحرب المريرة، أنه لا بد من الغاء البنيان الطائفي من اجل دوام السلام، وأنه لا بد من التحرر من الفكر الطائفي كشرط لهذا الإلغاء، الا ان هذا وذاك يبقيان في حدود “الخطاب” الذي يظل اسير اللعبة الطائفية، اذا لم توضح الشروط الاصيلة لفكر وفعل مناقضين للفكر الطائفي، أي شروط توافر الممارسة الديموقراطية في هذا المجتمع، مما يفترض بناء مؤسسات المجتمع المدني نقيض العصبوية، ونقيض مؤسسات المجتمع الطائفي.

ونظرتنا إلى “قضية المرأة ” لا تخرج عن هذا المنظور، بل إننا ندعي أن حل المسألة النسائية، بما يسمح للمرأة بأن تحتل مكانتها الانسانية في المجتمع هو تجسيد للممارسة الديموقراطية.

وفي ظل وقائع عصرنا الراهن حيث بات واقع المرأة يشغل حيزاً من الاهتمام الاجتماعي، على المستويين العالمي والوطني، أصبح من المتعذر نفي وجود قضية نسائية. فللمرأة قضية بصفتها أحد قطاعات المجتمع المنتقصة حقوقها في العيش والحياة، الا أن مضامين نضال المرأة واشكاله، وإن تكن تقوم على مبدأ جامع لنساء العالم، هو الغاء التمييز الاجتماعي، فإنها تنبثق من خصوصية المجتمعات نفسها، اذ ثمة علاقة جدلية بين قضية المرأة والمجتمع بمستوياته المختلفة، وتبعاً لمنطق هذه العلاقة، نؤكد التلازم بين تقدم المرأة وتقدم المجتمع.

إن الحركة النسائية اليوم مدعوة إلى تحول نوعي في النضال سواء من حيث الشكل أو من حيث البرنامج . واذا كان هذا التحول تفرضه دروس الماضي ، أي ما شهدناه من انعكاس للانقسام الطائفي داخل الأطر النسائية أثناء الحرب ، فان المتغيرات التي شهدها وضع المرأة تفرض علينا قراءة متأنية لهذه المتغيرات تدفع في اتجاه تحديد البرنامج المطلبي ، وايجاد الأطر المناسبة والموحدة ، أي السعي إلى تحديد المضامين والأشكال والمطالب والأهداف البعيدة والقريبة انطلاقا من منحى تطور الواقع الاجتماعي في لبنان.

وهذا لا يتم الا بعد دراسة هذا الواقع في كل مستوياته ، وبما يمكن عملية التوةعية والتنظيم ، وهي الأكثر الحاحا في عمل الهيئات النسائية ، من أن تؤدي إلى تحقيق الغاية المرجوة منها، من حيث الفاعلية في الوسط الاجتماعي والاستقطاب ضمن صفوف النساء . وفي ضوء المعلومات المتوافرة نورد بعض التغيرات التي طرأت على وضع المرأة في لبنان .

إن مساهمة المرأة في النضال الوطني وسقوط الكثير من الشهيدات وهن يقاومن الاحتلال الاسرائيلي ، واستمرار العشرات من المناضلات يقبعن في السجون والمعتقلات الاسرائيلية ويتعرضن لأبشع أنواع التعذيب جنبا إلى جنب مع رفاقهم المعتقلين ، أبرز صورة مختلفة للمرأة تتناقض والصورة التقليدية عن دورها الهامشي في المجتمع.

لقد اضطرت المرأة بحكم الدور الذي تقوم به في المجتمع، إلى تحمل مسؤوليات مادية، ومهمات معنوية، كتنظيم أمور المنزل وتلبية الحاجات الضرورية للأسرة في مواجهة تردي الخدمات والتدهور الكبير للمستوي المعيشي، والضيق المادي. وبات هذا الدور أساسيا لتأمين استمرار حياة الاسرة، خصوصا في فترات التوتر الأمني خلال اعوام الحرب الأهلية. واضطرار العائلة إلى ملازمة البيت. وقد اكسب ذلك شخصية المرأة ابعاداً جديدة ساعدتها على الارتقاء والتطور.

واذا كان انهيار التعليم الرسمي في مختلف مراحلة، والارتفاع الباهظ لكلفة الدراسة في القطاع الخاص، قد أديا إلى تدني المستوى التعليمي العام، وتفشي الجهل وازدياد نسبة الأمية في اوساط الفئات الشعبية بين الفتيان والفتيات على حد سواء، الا أن الاحصاءات المتوافرة تفيد أن الحرب لم توقف تقدم التحصيل العلمي في أوساط النساء، لا بل ادت إلى ارتفاع ملحوظ في نسبة الطالبات بالنسبة إلى المجموع، وذلك في اطار التراجع العام لنسبة المتعلمين، كما تظهر الاحصاءات تحولا في الاختصاصات التي تتوجه اليها الطالبات من العلوم النظرية إلى العلوم التطبيقية، مما يؤثر على استعداد المرأة لتأهيل نفسها سعيا إلى مزاولة العمل بمختلف انواعه، حتى تكون عنصراً منتجاً في المجتمع متكافئاً مع الرجل في فرص العمل والترقي.

إن التحولات التي أصابت الوضع الاقتصادي والمعيشي في لبنان خلال الحرب ادت إلى زيادة حجم القوى العاملة النسائية في سوق العمل، واصبحت بعض الفروع المهنية فروع عمل انثوية، أو ذات غالبية نسائية كالتعليم والتمريض والخياطة، والعمل في المتاجر وفي قطاع النسيج.  وازدادت نسبة العاملات في القطاع الزراعي، واقتحمت المرأة ميادين عمل جديدة كالطب والجراحة والصيدلة وطب الاسنان والتجارة والاعلام الخ.

ونجد فئة كبيرة من النساء يقمن، فضلا عن مساهمتهن في الزراعة العائلية في الريف، بأعمال حرفية في البيت، الا أن هذا الانتاج غير مقوّم اجتماعياً، على رغم كونه جزءا من مصادر دخل العائلة. وتشير دراسة تقديرية للدكتور زهير حطب إلى أن مساهمة المرأة في الدخل العائلي بلغت نسبة واحد إلى ثلاثة.

ولكن العمل الذي يستقطب اكثرية النساء هو العمل المأجور، وتلاحظ الدراسة على هذا الصعيد انخفاضاً في أجر المرأة، قياساً مع زميلها في العمل نفسه، وذلك سواء في المعامل والمشاغل أو في القطاع الزراعي. وعلى رغم زيادة وزن القوى العاملة النسائية في مختلف ميادين العمل، تعتبر الافكار السائدة في المجتمع عمل المرأة طارئا، بحجة أن دورها الطبيعي هو في البيت، مما يجعلها عرضة للاستغلال المضاعف. لكن المرأة التي اضطرت إلى العمل خارج المنزل اخذت تشعر بالتناقض بين واقعها والقوانين والعادات والتقاليد، فاندماجها في عملية الانتاج يدفعها إلى المشاركة في النضالات المطلبية والمعيشية، كما يدفعها إلى النضال من اجل انتزاع الاعتراف بدورها وحقوقها.

هذه المعطيات تنبىء بتحولات نوعية في المجتمع اللبناني تفرض على قيادة الحركة النسائية النضال في سبيل تقدم المرأة، ذلك أن بقاء المرأة بعيداً عن المطالب النسائية يبقى تلك القيادة في عزلة تامة عن الكتلة النسائية، فضلا عن أنه يبقي العمل سجيناً لمعايير الفكر التقليدي، أي الفكر الطائفي تحديدا.

اذا، لا حركة نسائية مناضلة فاعلة من دون قوى نسائية يفرزها المعطى الاقتصادي والاجتماعي، واستطراداً لا حركة نسائية فاعلة من دون برنامج يضع أولويات المطالب راهنة وبعيدة.

ونحن في الحركة النسائية، نعترف بأننا ما زلنا اسيرات “سلة مطالب” نرفعها في مذكرات وفي لحظة سياسية ما، بما يطبع المطالبة بطابع استجدائي آن الأوان لوضع حد له.

ولا بد من التمييز بين المطالب المتصلة بالعمل والعلم والقوانين المدنية والمطالب التي يعني تحقيقها توجيه ضربة قاصمة إلى البنيان الطائفي (اي قوانين الاحوال الشخصية ومرادفاتها) .

واذا كان تحقيق الشق الأول من المطالب يتطلب نضالا نسائيا ذي علاقة بمختلف القوى النقابية والديموقراطية، فإن تحقيق المطالب الجذرية يتطلب نهوضا ديموقراطياً يشمل جميع القوى المتضررة من البنيان الطائفي. واذا كان وفي هذا التمييز ضروريا لإنجاح مسارنا النضالي، كان هذا لا يلقي الترابط الجناي بين المطالب الذي يتلازم مع ارتقاء الديموقراطية في لبنان.