صحف وآراء مجتمع

مواقع التواصل الاجتماعي وتأثيرها على الأجيال والعلاقات الإنسانية

ليلى مروة

بعلبك 23 تشرين الثاني 2025 ـ بيروت الحرية

لا ينكر احد منّا أهمية استخدام مواقع التواصل الاجتماعي على اختلافها في أيامنا هذه، بعد أن فرضت الحاجات علينا استخدامها لتسهيل التواصل بيننا كأفراد في المجتمعات التي نعيش ضمنها. وكم قلّصت المسافات بين ناس قد لا يرون بعضهم بعضا بحكم السفر والبعد وانشغالات الحياة. كذلك فرضت أيضا علاقات افتراضية مع أشخاص لم نلتقِ بهم ولم نرهم يوما، لكننا صِغنا معهم علاقات تواصلية تفاعلية بشكل يومي واسبوعي وعلى مدار السنة. علاقات لا أعرف انا شخصيا إن كانت إنسانية بالمعنى الحقيقي للإنسانية أم لا؟ خصوصا أن بعض هؤلاء الأشخاص ليسوا جزءا من واقعنا المعيوش، ولا أعرف أصلا إن كانوا حقيقيين أم لا!

طبعا أنا لا أحكم في هذا الموضوع سلبا على مواقع التواصل، لأن النظرة المتوازنة تتطلب النظر إيجابا وسلبا معا، لكنني سأسلّط الضوء على الناحية السلبية، لأنني ومن خلال مراقبتي لجيل أبنائي وأحفادي وكل محيطي، لاحظْت الاستخدام المفرط الذي يصل عند البعض حدّ الإدمان للمواقع هذه (فايس بوك، تيك توك، انستجرام، واتس آب وغيرها). جيل يكاد يقلّص كل نشاطات حياته اليومية لصالح استخدام هذه المواقع كتبادل الزيارات، صلة الأرحام، حضور حفلات، واجبات تهنئة او تعزية، علاقات صداقة وعلاقات حب. حتى أن بعض علاقات الزواج صارت تتأثر بما أتاحته مواقع التواصل والكون الإفتراضي من سهولة لخلق علاقات جديدة بين الرجال والنساء، وفتحت باب المقارنات، وتمني الوصول إلى كل ما هو أجمل وأمثل، فضربت أركان العلاقات الإنسانية، حتى صار “الإلتزام” قيمة فائتة أو غير واردة بين الكثير من الثنائيات في علاقاتهم الإنسانية…

هذه المواقع كرّست “الفتور” في العلاقات الودية، وقتلت “الودّ” الحقيقي بين الناس، إذ إننا جميعا صرنا نعبر بمشاعر مصطنعة عن الفرح والحب والضحك والغضب والامتنان، وكذلك نشاطاتنا كالطبخ أو الرقص او الرياضة أو الدراسة وغيرها وغيرها، من خلال رموزٍ و”إيموجيز” متنوعة، تلخص لغة حياتية كاملة لا روح فيها، فتغيب العاطفة بين المتلقي والمرسل مع غياب الحضور الجسدي.

تعالوا ننظر في بعض الأمثلة الحياتية، كل منا يمسك هاتفه ونحن في غفلة عمّا يدور فعليا حولنا. ونحن في غفلة عن الوجوه التي تُجالسنا، وكأننا نهرب من شيء ما في واقعنا الى واقع كاذب، لا حوار داخل العائلات. لا نقاش. هوّة تتوسع بين الأهل والابناء. هوة تتوسع بين الأزواج. هوّة اجتماعية بين الأفراد. إذ صارت عبارة ” باركت لفلان وعزيت فلانا، وهنأت فلانا، وحكيت فلانا وأحببت وكرهت و تركت واختلفت و.. ” على الهواتف. ومن خلال هذه البرامج والرموز صار الحب والحًرَد افتراضيَيْن، تنمو علاقات بـ “لايك” وتنتهي بـ “بلوك”. ولا اعرف إن كان حقا هذا الأمر يترافق مع الشعور العاطفي الحقيقي النابع من الوجدان بعيش قصة حب مثلا أو إنهاء صداقة!!!

اي وقتٍ ننافس فيه الوقت الحقيقي، المفروض ان نمضيه في الحضور الجسدي والذهني والعاطفي بين بعضنا؟! ناهيكم عن الخصوصية المستباحة جدا على هذه المواقع، إذ إن الكثير من الناس لا يضبطون أمورهم الشخصية ولا ينظمونها. وهذا ما يتيح باب المقارنات بين الناس، مما يساهم بعدم الإهتمام بالأسس الصحيحة للعلاقات الإنسانية، وينتهي الأمر بتفكك العلاقات في الأسر أو الصداقات أو الزيجات.

جيل جديد بات ضائعا، خمولا، ثملا خلف الشاشات، جيل فقد الرغبة كليا في بذل جهد للتواصل الحقيقي مع أهله، تحول الكثير من فتيان وفتيات هذه الألفية إلى سجناء مواقع التواصل، وهذا ما يزيد من غربتهم الاجتماعية ويضعف مهارات التواصل الحقيقية عندهم، فيخلق لديهم هذا النقص آفات نفسية تطفو بشكل واضح، إذ إن الدراسات الحديثة في مجال علم النفس تشير إلى أن هذا الجيل هو الأكثر عرضة للاكتئاب والأمراض النفسية والعنف، بسبب إدمان استخدام الهواتف والتطبيقات والبرامج هذه…

ولا شك أن ضياع الهوية الشخصية لكل شخص، صار واضحا بسبب التقليد والتمثل الأعمى بشخصيات تسمي نفسها “مؤثرة”. وهذه الشخصيات بنظري تنشر سموما فكرية عند فئة المراهقين والصغار، ولا ضابط قانوني أو اخلاقي لها…

ولا يسعني إلا أن اتحدث أيضا عن تأثير هذه المواقع في سلوكيات وقيم الأُسرة العربية، إذ نلحظ وانطلاقا من بيوتنا أن كل فرد فينا من أصغرنا لأكبرنا بات له عالمه الافتراضي الخاص الذي يغرق فيه. فقد غابت عن البيوت العربية شعور “الإنتماء” للأسرة، وغاب كذلك إنتاج الحب وإنتاج العواطف وإنتاج الكلام المجدي وإنتاج حل المشاكل. ضاع من الأسرة “الدفء”، وفُقدت مشاعر الألفة بسبب انشغال الأفراد العقلي والنفسي بما يرونه، وبما يريدون أن يصوروه ويوثقوه على هذه المواقع، حتى أن عنصر “عيش التجربة الانسانية” في أبسط التفاصيل مثل حضور فيلم سينمائي أو عيش متعة السفر، أو التلذذ بوجبة صحية أو خروج مع الأصحاب، لم يعد يعني لأحد الشعور بهذه اللحظات، بقدر ما صار يعني لهم نقلها إلى العالم الافتراضي من خلال الصور والفيديوهات.

لقد بسط هذا التطور التقني سلطته على الآباء، الذين لا يستطيعون أيضا فهم كل القيم الرقمية، وكذلك اللغة الرقمية التي تبناها الأبناء. وهذا ما يزيد من حدة التوتر و الصراعات أيضا داخل البيت الواحد، مما يدفع بعض الآباء إلى “الفضفضة” مع مجهولين بلا حواجز، والشعور بعدم الاكتفاء العاطفي من عائلاتهم، وهذه الظاهرة خطيرة جدا .

ضغطة زر واحدة كافية لأن تهدم علاقة زوجية، إذ إن الأمر يبدأ بـ”لايك” على صورة، فحديث على الماسنجر لتبادل ارقام الهاتف، فتأتي الخيانة الزوجية بسهولة. وهذا ما اشارت إليه احدى المجلات. طبعا انا لا يمكنني أن اتناول هذا الموضوع بتفاصيله هنا، إذ يحتاج لدراسة كاملة، ولكن ألا ترون اتساع ظاهرة الخيانات وحالات الطلاق الحاصلة بسبب انتشار برامج التعارف هذه ايضا !؟

إن موضوع تأثير مواقع التواصل الاجتماعي شائك، ولا ينكر أحدنا ايجابياته في تسهيل الوصول إلى المعارف، وتسهيل الاطلاع على ما يجري في هذا العالم من النواحي السياسية، العمليه، الاقتصادية، العلمية، التربوية، الطبية وغيرها. وكذلك وفرت هذه المواقع وظائف رقمية عبر الصفحات، الا أننا في مجتمعاتنا العربية قد نحتاج ضبطا وتنظيما في استخدامها، إذ إن هناك الكثير من التنمر الإلكتروني والجرائم الإلكترونية والإبتزاز الممارس على فئات كثيرة تعاني اليوم…كما أن هذه المواقع قد تكون خلقت انسجاما بين الأفراد في طرح مواضيع وقراءتها عبر الصفحات، ولكنها أيضا فرضت تباعدا وتنافرا بينهم في علاقاتهم، وساهمت في اغتيال الوقت الحقيقي لنا، وتكاد تقتل لغتنا الحقيقية التي استحالت رموزا وجملا قصيرة…

هذا الغزو التقني الجديد الذي نتفاعل معه ونستهلكه بشكل أعمى عن طريق استخدامنا له إلى أين يأخذ بالإنسانية؟ وأي هوية ثقافية سيحملها الجيل الجديد؟ ومن منهم سينجح في بناء شبكة علاقات حقيقية وفعلية؟ والأهم إلى أين سيذهب “الانتماء، العادات، الأسرة وتاريخ مجتمعاتنا الأصيل؟؟

أسئلة كثيرة قد يجد بعضها إجابات عند السيد AI (الذكاء الاصطناعي)، لكنها تحتاج للنزول إلى الميدان والدراسة المعمقة داخل البيوت وبين الناس، لترشيد وتوعية الاجيال على خطورة إدمان هذه المواقع دون التنازل عن ايجابياتها.