محمد قدوح
الجنوب 15 تشرين الثاني 2025 ـ بيروت الحرية
كان الحضور السياسي للطائفة الشيعية ضمن التركيبة اللبنانية قبل انطلاقة مسيرة الامام موسى الصدر وتأسيس المجلس الإسلامي الشيعي باهتا وضعيفا. ومنذ ذلك الوقت بدأت هذه الطائفة تتلمس حضورها السياسي بين الطوائف الأخرى. وقد تعزز هذا الحضور مع انطلاقة حركة أمل ولاحقا نشوء حزب الله. واستمر هذا الحضور بالتصاعد إلى أن أصبح متوازنا مع الطوائف الأخرى بعد اتفاق الطائف الذي عزَّز موقع رئاسة مجلس النواب (انتخاب رئيس المجلس لمدة 4 سنوات بدلا من سنة واحدة). وقد تواصل صعوده وتضخمه ضمن ظروف إقليمية مؤاتية (سوريا وايران خصوصا) على حساب باقي الطوائف، لا سيما بعد العام 2005 ولغاية حرب الإسناد في العام 2024، حيث فرضت الطائفة الشيعية نفسها خلال هذه المرحلة كقوة مهيمنة وممسكة بقرار السلطة السياسية.
لقد استطاع الثنائي الشيعي، حركة أمل وحزب الله استقطاب غالبية أبناء الطائفة الشيعية، وتحول قائدا هذا الثنائي إلى رمزين لها، وأحيطا بهالة شبه مقدسة، لا يجوز المس بها أو التطاول عليها، باعتبارهما رمزا لقوتها، الذي يوفر الحماية لها من الأخطار الخارجية والداخلية. فما يقوله هذان الرمزان هو بمثابة الحقيقة المطلقة بالنسبة لمناصريهما. لكن نتائج حرب العام 2024 وتواصل الاعتداءات الإسرائيلية على لبنان، من دون أن يستطيع حزب الله الرد عليها أظهرت الطائفة في موقف العاجز والضعيف، الأمر الذي وجدت فيه الطوائف الأخرى الفرصة المناسبة لتصفية الحساب معها، والسعي إلى تحجيم دورها والمجاهرة برغبتها بإعادة حجم هذا الدور إلى ما كان عليه قبل اتفاق الطائف، وربما إلى ما قبل انطلاقة مسيرة الإمام موسى الصدر. وبذلك أصبحت الطائفة عالقة بين سندان الطوائف ومطرقة العدو الصهيوني، في صورة نقيضة عما كانت تقدم نفسها عليه كقوة اقليمية قادرة على التأثير في ميزان القوى على صعيد المنطقة والحفاظ على ما هي عليه في لبنان.
الانغلاق على الذات
لا تستطيع الطائفة الشيعية الإقرار بالهزيمة، والظهور بمظهر الطرف العاجز عن درء الأخطار التي تتهددها في الداخل والخارج. كي لا يتضاءل حضورها السياسي ضمن التركيبة السياسية اللبنانية، لذلك لم يكن أمامها سوى الانغلاق على الذات، شأنها شأن الجماعات الأخرى التي تواجه تهديدا مماثلا، فينقسم العالم بالنسبة لها إلى عالمين هما: الداخل والخارج.
الخارج هو العدو ومصدر الخطر والعلاقة معه عدائية والموقف منه انسحابي تجنبي، أو تهجمي تدميري تبعا للظروف. أما الداخل بما هو الطائفة بمكوناتها، فهو مصدر الخير كله، ومصدر الأمن والشعور بالإنتماء والهوية الذاتية التي تتضخم تباعا بشكل مفرط تغطية لحال العجز والهوان التي تشعر بها وتنكرها. ومعه تصبح العلاقة بين الجماعة وافرادها علاقة اندماجية قد تصل إلى الذوبان الكلي مع ارتفاع وتيرة الخطر. ففي هذه الحالة لا مجال للاستقلالية الفردية. وبالتالي لأي رأي على هامش رأي الجماعة، ولا مجال أيضا للصراعات والتناقضات الداخلية. لذلك لا يمكن التساهل مع الخارجين عن رأيها. وهو أمر يعتبر بمثابة خيانة لها ويتوجب معاقبة المرتكبين بشتى أنواع العقاب. أما علاقتها بالطوائف الأخرى فيقتصر على التواصل ضمن الحد الأدنى الضروري لتأمين مصالحها.
تجميل الحاضر والاطمئنان للمستقبل
لا يمكن للطائفة أو الجماعة أن تتقبل الخسارة أمام الداخل والخارج كما أسلفنا. وعليه، لا بد لها من حل ما، يستوعب حالة العجز التي تمكنها من التحكم الفعلي بالواقع على مستوى ما، أو توهم أن ما حل بها ليس سوى أمر عابر، وهي قادرة على استعادة زمام المبادرة، وإعادة بناء قوتها كما كانت عليه قبل الهزيمة. لذلك فهي تحاول منذ ما بعد اتفاق وقف اطلاق النار من ترصيد ما تبقى لديها من عناصر قوة على المستويين العسكري والشعبي. لذلك فإنها تعمل من جهة أولى على ترميم بنيتها العسكرية وترسانة الأسلحة التي لا تزال تملكها. وتعمل من جهة ثانية على شد عصب الطائفة والحفاظ على تماسكها ووحدتها. في هذا السياق أعلن حزب الله عن إعادة تشكيل بنيته العسكرية وتجديدها، وتكرار التأكيد على امتلاكه السلاح اللازم لمواجهة الخطر الإسرائيلي. كما يعمل بشكل مواز على استنهاض الموروث الديني بكل تفاصيله وإسناده إلى مرجعياته الإلهية كالآيات القرآنية والأحاديث النبوية والأقوال المنقولة عن ألسنة الأئمة المعصومين. ويلاحظ في هذا الاطار زيادة وتيرة عدد المناسبات والاحتفالات الدينية التي لم يكن يجري الاحتفال بها سابقا، مثل ولادة الأئمة ووفاتهم، وزيارة الأماكن المقدسة والأولياء الصالحين وإقامة مجالس العزاء والأدعية. وفي هذا السياق يمكن إدراج التحشيد الشعبي للمشاركة في مراسم دفن الشهيدين حسن نصر الله هاشم صفي الدين وتحويل قبريهما إلى مرقد على غرار مراقد الأئمة في النجف وكربلاء وقم وغيرهم. ويندرج ضمن هذا السياق العرض الكشفي اللاحق للمناسبة والذي أقيم في المدينة الرياضية، وكلاهما يهدفان لإظهار التفاف الطائفة الشيعية بمن فيها أبناؤها الصغار حول قيادتها. وهذه بمثابة رسائل موجهة للداخل اللبناني، للطائفة نفسها أكثر مما هي موجهة للخارج. والغاية منها تجميل الحاضر واشاعة وهم الإطمئنان للمستقبل. أما مقاومة إسرائيل فتبقى رهن توافر الظروف المناسبة كما أعلن ذلك أمين عام الحزب الشيخ نعيم قاسم منذ أيام.
