سياسة مجتمع

 أهل الجنوب وأرضه في مواجهة الاحتلال: بين استحالة العودة والعودة المعلقة واستغلال تضحياتهم

زكــي طــه

بيروت 23 آب 2026 ـ بيروت الحرية

ليس الجنوب اليوم منطقة واحدة تعيش المشكلة نفسها. ثمة جنوب تحت الاحتلال لا يستطيع أهله العودة إليه، وجنوب عاد إليه بعضٌ منهم، لكنهم يعيشون وسط الدمار والخراب، وتحت تهديد النزوح المتجدد، ومناطق أبعد تستقبل النازحين، وتتحمل معهم الآثار الاجتماعية والاقتصادية للحرب.

تتدرج المأساة من جنوب الجنوب نحو وسطه وشماله، وتمتد آثارها إلى سائر لبنان. وهذه الحقيقة ضرورية لفهم ما يعيشه الجنوبيون اليوم. فالكلام العام عن عودة الأهالي يخفي تفاوتاً أساسياً بين من يستطيع العودة، ولو بشروط قاسية وغير مستقرة، وبين من لم يبق له بيت يستطيع العودة إليه، ومن لا قرية متاحة له، ولا موعد يعرفه لاستعادة أرضه.

جنوب العودة المتعذرة

من الحدود تبدأ القضية الأكثر خطورة. فهناك قرى وبلدات ومدن واقعة داخل المنطقة التي تحتلها إسرائيل جنوب ما تسميه “الخط الأصفر”، وقد تعرض أكثرها  لتدمير هائل، وأُفرغت من سكانها، فيما تواصل إسرائيل عمليات الهدم والتفجير وفرض الوقائع العسكرية والأمنية داخلها.

وبالنسبة لأهل هذه المناطق، لا نتحدث عن عودة معلقة فحسب، بل عن عودة متعذرة في المدى المنظور. والسؤال الأول لديهم ليس: كيف نعيش بعد العودة؟ بل:  متى نعود أصلاً، وإلى أين؟ أسئلتهم كثيرة حول أوضاعهم ومصير مناطقهم. ماذا يحدث إذا طال الاحتلال؟ ما مصير ملكياتهم  من الأراضي؟ من يعوض المنازل والأرزاق؟ أين تعيش العائلات خلال السنوات المقبلة إذا لم يحصل الانسحاب سريعاً؟ ماذا يعملون وكيف وأين يعلمون أبنائهم؟ ومن يمنع تحول النزوح المؤقت إلى تهجير طويل الأمد، ثم إلى اقتلاع اجتماعي وديموغرافي دائم؟

ولأن المشروع الإسرائيلي يقوم على إقامة منطقة أمنية منزوعة السكان، فإن حق السكان في العودة يصبح جزءاً مباشراً من قضية السيادة ومقاومة الاحتلال، مثلما يصبح تثبيتهم اجتماعياً واقتصادياً خلال فترة النزوح دفاعاً عن حقهم في أرضهم.

جنوب اللاستقرار

إلى الشمال من المنطقة المحتلة تبدأ مأساة مختلفة.  عشرات القرى والبلدات  تعرضت لمستويات متفاوتة من التدمير، وبعضها نسبته مرتفعة جداً. عاد إليها قسم من أهلها رغم خراب المنازل ودمار البنى التحتية، ونقص الخدمات وفرص العمل، وصعوبة استعادة الحياة الاقتصادية والاجتماعية. عاد هؤلاء جغرافياً، لكنهم لم يعودوا إلى حياتهم الطبيعية.

الطائرات المسيّرة فوقهم، والغارات والانفجارات مستمرة، والمنازل والطرقات عرضة للاستهداف، واحتمال النزوح الجديد حاضر مع كل تصعيد. ومع حقيبة الرحيل الجاهزة، يبقى السؤال معلقاً: هل عدنا فعلاً، أم نقيم مؤقتاً بين نزوحين؟

والأشد قسوة أن هؤلاء، ومعهم المهجرين من المناطق المحتلة، هم أنفسهم الذين يُطلب منهم المزيد من الصبر، بعد عقود من التضحيات بأرواحهم ومنازلهم وأرزاقهم. لقد دفعوا ما يكفي وبات من حقهم أن يسألوا لا أن يُطلب منهم المزيد. فالصبر ليس سياسة عامة، ولا خطة لإعادة الإعمار، ولا ضمانة أمنية، ولا مورداً لعائلة فقدت عملها.

حق تقرير هذا المصير

وهنا يصبح السؤال السياسي غير قابل للتأجيل، هل يحق لأي حزب، مهما كان تاريخه ومهما بلغت تضحياته، أن يفترض أن سكان منطقة بكاملها منحوه تفويضاً مفتوحاً ليقرر عنهم الحرب والسلم، أو أن يربط مصير أرضهم وأبنائهم بمشروعه   وبسياسات ومصالح دولة أخرى.

إن استمرار حزب الله في ربط سلاحه ودوره بالاستراتيجية الإيرانية وبمسارات صراعها ومفاوضاتها مع الولايات المتحدة يجعل احتمال تجدد استخدام لبنان ساحة  وفق حسابات خلافاً لمصلحته.

والمسألة هنا لا تتعلق بموقف أيديولوجي من الحزب، بل بحق الناس في حياتهم. فمن فقد ابنه وبيته وأرضه ومصدر رزقه لا يمكن مطالبته بتضحيات اضافية غير محدودة، ولا يمكن اعتبار احتمال تدمير ما تبقى من الجنوب ثمناً عادياً للمحافظة على وظيفة إقليمية للسلاح.

فالناس ليسوا ذخيرة لسياسات الحزب، والجنوب ليس ورقة تفاوض. وهذا لا يلغي حقيقة مقابلة لا تقل وضوحاً: إسرائيل هي عدو ودولة احتلال، وهي التي تقتل وتدمر وترفض الانسحاب وتستثمر في اختلال موازين القوى لفرض مشروعها وشروطها على لبنان. وهي التي تجد  أمامها اليوم بيئة مثالية تتمثل في ثلاثة عناصر، تستفيد من تفاعلها لاستمرار الاحتلال: دولة ضعيفة القدرة على فرض شروطها وحماية مواطنيها؛ سلاح خارجها مرتبط بصراع إقليمي؛ وانقسام أهلي يتسع حول الاثنين. وهكذا تستغل اسرائيل استخدام السلاح لتبرير بقائها واعتداءاتها، فيما يُستخدم الاحتلال لتبرير استمرار سلاح حزب الله. وبين الاثنين تتراجع قدرة الدولة، وينقسم اللبنانيون أكثر، ويبقى أهل الجنوب في قلب الحلقة المغلقة.

والأشد خطراً أن إطالة الاحتلال، بالتزامن مع استمرار تدمير مقومات الحياة، قد تنقل المسألة تدريجياً من احتلال أرض إلى محاولة تغيير العلاقة بين الأرض وسكانها. ولذلك لا يجوز النظر إلى التهجير باعتباره نتيجة جانبية للحرب، فبقاء الأرض بلا سكان خطر وطني قائم بذاته.

 مسؤولية الدولة

إن تحميل حزب الله  قسطه من المسؤولية عن نتائج الحروب التي فرضها على البلد بفعل ارتباطه بسياسات ومصالح ايران،  لا يعفي الدولة من مسؤوليتها،  بل يضاعفها. فالدولة ليست مطالبة فقط بالتفاوض من أجل الانسحاب.  بل أمامها في الواقع مهمتان متلازمتان:

المهمة الأولى سيادية: تتعلق باستعادة كامل الأرض المحتلة، ورفض تكريس أي منطقة أمنية إسرائيلية داخل لبنان، والعمل على وقف الاعتداءات وانتشار الجيش واستعادة القرار الوطني.

والمهمة الثانية اجتماعية وإنسانية: حماية السكان خلال فترة قد تطول قبل أن تصبح العودة ممكنة ومستقرة. وهذا يتطلب الانتقال من الإغاثة المؤقتة إلى خطة وطنية متوسطة الأجل.

فالنازح الذي قد يتعذر عليه الرجوع سنوات لا يمكن أن يعيش سنوات على مساعدات ظرفية، ولا بد من تأمين حاجاته: سكن لائق، وتعليم لأبنائه، ورعاية صحية، وفرصة عمل، وتعويض عن خسائره، وحماية لحقوقه وملكيته في بلدته الأصلية.

أما المناطق التي عاد إليها السكان، فتحتاج إلى برنامج مختلف: إصلاح البنى التحتية، دعم البلديات، إعادة بناء وفتح المدارس والمراكز الصحية، مساعدة المزارعين والمؤسسات الصغيرة، وترميم المنازل وتأمين شروط البقاء.

أي أننا لا نحتاج إلى ملف مساعدات واحد، بل إلى سياسة وطنية تميّز بين أوضاع متفاوتة وتجمعها تحت حق واحد: حق الجنوبيين في الأرض والحياة والعودة الكريمة.

من جنوب الجنوب إلى كل لبنان

المأساة لا تتوقف عند حدود القرى المحتلة أو المدمرة. فكلما اتجهنا شمالاً تتغير أشكالها ولا تختفي: عائلات تستضيف عائلات، بلدات تتحمل أعباء النزوح، سكن ترتفع كلفته باستمرار، فرص عمل تتراجع، مدارس تستقبل أعداداً إضافية، وخدمات عامة عاجزة أصلاً عن تلبية حاجات سكانها.

وهكذا تنتقل تداعيات الحرب من جنوب الجنوب إلى وسطه وشماله، ومنه إلى سائر لبنان. وفي مجتمع يعاني أصلاً انهياراً اقتصادياً وانقساماً طائفياً، يصبح ترك هذه النتائج تتراكم خطراً على السلم الأهلي نفسه.

ولهذا فإن التحريض على الجنوبيين، أو معاملتهم ككتلة مرتبطة بحزب الله، ليس فقط ظلم أخلاقي وسياسي، بل خدمة مجانية للمشروع الإسرائيلي. كما وأن استخدام معاناتهم لإعادة إحكام ارتباطهم بالحزب والطائفة، وتخويفهم من بقية اللبنانيين، يعيد إنتاج الانقسام نفسه. وعليه لا يجوز دفع الجنوبيين إلى الاختيار بين دولة تهملهم وحزب يطلب منهم  الصبر والمزيد من التضحيات.

أهل الجنوب والقضية الوطنية

إن خطورة المشروع الإسرائيلي تستدعي سياسة وطنية تمنع تقديم الذرائع له وتجمع اللبنانيين في مواجهته. ومواجهة العدو لا تعفي سياسات سائر الاطراف اللبنانية من المساءلة. بل العكس، لأن مصالح وحقوق أهل الجنوب يمكن أن تتحول إلى برنامج عمل يشكل المدخل  كي يغادروا  موقع الانتظار لما يقرره الحزب أو الدولة أو المفاوض الأميركي، إلى موقع القوة الاجتماعية الفاعلة.

إن قضية الجنوب اليوم هي أحد أكثر وجوه القضية الوطنية اللبنانية اكتمالاً. فيها الاحتلال والسيادة، والسلاح والدولة، والنزوح والعدالة الاجتماعية، والأرض والاقتصاد، والانقسام الأهلي، ومستقبل العلاقة بين المواطن ومؤسسات بلده.

ومن جنوب الجنوب، حيث العودة متعذرة، إلى القرى المنكوبة التي يعيش أهلها عودة قلقة، وصولاً إلى المناطق التي تحمّلت أعباء النازحين، تتغير درجة الألم، لكن القضية واحدة.

إن تحرير الأرض شرط لا بديل منه، لكنه لن يكون كافياً إذا لم يعد إليها أهلها. وحصر السلاح بيد الدولة ضرورة لبناء السيادة، لكنه لن يقنع المواطنين إذا لم تصبح الدولة نفسها قادرة على حمايتهم ورعاية حياتهم. وإعادة الإعمار ليست حجارة فقط، بل إعادة بناء مجتمع يضع ثقته بوطنه ودولته ومؤسساتها.

لهذا يحتاج الجنوب إلى التحرر من الاحتلال، وإلى التحرر من وظيفة الساحة، وإلى دولة لا تطلب من أهله أن ينتظروا حتى تنتهي صراعات الآخرين، لكي تبدأ هي بتحمل مسؤوليتها.

عندها فقط يصبح ممكناً الحديث عن عودة حقيقية: عودة الذين يستطيعون اليوم البقاء ممن يحتاجون إلى حياة آمنة ومستقرة، وعودة الذين حُرموا حتى الآن من حق العودة إلى أرضهم وقراهم.

المعركة معركة بناء الدولة القادرة على استعادة السيادة، وليس من يسيطر على هذة التلة أو تلك البلدة في جنوب لبنان. المعركة أن يبقى الجنوب لبنانياً بأرضه وأهله، وأن يبقى أهله فيه مواطنين أصحاب حقوق ومستقبل، لا نازحين دائمين، ولا وقوداً لحروب لا يقررونها.