مجتمع

قراءة في البنية الرمزية العميقة لإنتفاضة اللبنانيين في تشرين الأول عام 2019

كتب الدكتور بول طبر

في 17 تشرين الأول عام 2019، تظاهر عشرات الآلاف من اللبنانيين اعتراضاً على المنظومة الحاكمة في لبنان. واستمرت التظاهرات في مناطق مختلفة من لبنان، ولاقت صدى كبيراً في المدن والأرياف، وشاركت فيها معظم الفئات الإجتماعية والطوائف والأجيال (ذكوراً وأناثاً)، لمدة شهرين، لتعود وتتواصل، وإنما بأعداد ومشاركة عددية أقل وبصورة متقطعة.

الملاحظة الأولى حول هذه الإنتفاضة هو حدوثها بتوجه شعبي مستقل عن القوى السياسية المعترضة على النظام كافة، وعن السلطة (وهذه القوى هي أساساً قليلة وضعيفة)، وعن المنظمات غير الحكومية، رغم احتلال هذه المنظمات مساحات العمل السياسي المعارض منذ نهاية الحرب الأهلية (1989)، ولكن كان بتركيز عملها على قضايا منفردة وبطريقة مجتزأة. كذلك انتفض اللبنانيون  في 17 تشرين، بغفلة من اهتمامات المثقفين النقديين في لبنان، وهم قليلو العدد في الأساس، إذْ إن غالبيتهم كانوا من المعتكفين عن العمل السياسي، أو من فئة مثقفي السلطة ومختلف أجنحتها، وليسوا من فئة النقديين.

واللافت أيضاً هو ضخامة عدد المنتفضين واتحادهم وتوحّد شعاراتهم ضد السلطة متجاوزين بذلك الفروقات الأهلية المسيَّسة التي كانت تكبلهم قبل أن ينتفضوا، أعني بذلك التمايزات والهويات العائلية والمناطقية والطائفية. وكان اختراق الهوية المستجدة للمنتفضين قوياً لدرجة أنه طال أحزاب وقوى السلطة نفسها، بحيث غادرها بعض مناصريها وكوادرها والتحقت بصفوف المنتفضين.

وبالمقابل تشير الأحداث والوقائع رغم بعض المكتسبات التي حققها المنتفضون، كاستقالة حكومة الحريري بعد حوالي الأسبوعين من انطلاقة الإنتفاضة، وتنازل السلطة الجزئي عن مطلب تشكيل حكومة سياسية صافية من النادي السياسي الذي ينتمي إليه أطرافها إ. الا إن سقوط قوى ورموز النظام، والإتيان بقوى سياسية جديدة تحقق مطالب المنتفضين، لا يزالان بعيدَي المنال، إن لم نقل مستحيلين. على أن عدم تغيير السلطة بهذا المعنى المباشر ليس دليلاً كافياً على فشل الانتفاضة  وعدم جدوى استمرارها.

إنجازات 17 تشرين العميقة

من الإنجازات المهمة لانتفاضة 17 تشرين نزع الثقة من رموز السلطة وأحزابها جميعاً لدى قطاعات واسعة من الشعب اللبناني. وأهمية هذا الأمر متعددة المستويات: إنه أولاً فعل سياسي معارض نابع من إرادة المنتفضين من دون واسطة سياسية إيديولوجية حزبية منظمة (مع الأقرار بضرورة هذه الواسطة أو الوسائط لاقتحام الدولة وتغيير النظام تدريجياً وبصورة تراكمية). وثانياً، إندفاع نزع الثقة هذه وتأطيرها بمطالب لم يعهدها تاريخ المعارضات منذ نشوء لبنان الكبير عام 1920. فقد ركز المنتفضون على قضايا داخلية بالأساس تتعلق بالنظام وعلاقته بالمواطنين عبر رموزه من القوى الحاكمة. وتماشياً مع ذلك، رفع المنتفضون مطالب محاسبة هذه القوى الحاكمة، ودعوا باطراد إلى ضرورة إعتماد هذا المبدأ إلى جانب مبدأ مراقبة السلطة، وتأمين استقلال السلطة القضائية وتفعيلها. بذلك تكون انتفاضة 17 تشرين قد جعلت النظام السياسي والقوى السياسية التي تجسده، وعلاقة هذا النظام وتلك القوى بالشعب، محوراً أساسيا” لمطالبها ولأول مرة في تاريخ المعارضات السياسية في لبنان الحديث (يلاحظ أن المعارضين في الماضي ركزوا على مطالب طائفية لتحسين شروط المحاصصة، أو على مطالب قومية ووطنية في وجه الغرب الرأسمالي والكيان الصهيوني). ثالثاً وأخيراً، صدور هذه المطالب مباشرة من قطاعات واسعة من الشعب التي شاركت في الإنتفاضة، وعلى قاعدة اختباره المباشر لأداء النظام والأزمات التي ولّدها تباعاً. ومن هنا نجد أن القناعات السياسية التي جسدتها تلك المطالب (وغيرها الكثير) من الصعب، بل شبه المستحيل، أن تتبدد وتخبو قبل أن يتم تحقيقها عاجلاً أم آجلاً. فما تفرزه تجربة الشعب، يصعب على السلطة أن تبدده، مثلما تكون الحال في نزاعها مع الأحزاب التي تقود وتتكلم باسم الشعب المعارض. إن مطالب المنتفضين المشار إليها قد أصبحت جزءاً من الوجدان الشعبي العام.

رفعت إنتفاضة 17 تشرين مطالب عديدة تضمنت مطلب إلغاء النظام الطائفي ومحاربة الفساد في السلطة والإدارة والدعوة إلى استقلال القضاء. ومن بين تلك المطالب، دعا المنتفضون إلى تأمين العمل ومنع هجرة الشباب وتحسين الخدمات العامة وإيقاف مناهبة المال العام (على حد تعبير أحمد بيضون) بين أطراف السلطة، واستعادة أموال المودعين المنهوبة. كما رفع المنتفضون مطالب حماية البيئة (سد بسري) ومطالب نسوية (مثلا،ً حق المرأة بإعطاء الجنسية لأولادها وتكافؤ الفرص في التمثيل السياسي). ودعوا إلى تحسين ودعم التعليم الرسمي. إضافة، رفعت الإنتفاضة شعارات تحرير النقابات من قبضة الأحزاب السياسية، ودعت إلى تشكيلات نقابية جديدة ومستقلة. وإلى محاربة العنصرية ضد اللاجئين الفلسطينيين والسوريين والعمال الأجانب.

مطالب عديدة ومتنوعة لم تكن بالضرورة مقبولة من الجميع، لكن جميع المشاركين لم يجدوا في تلك المطالب ما يمنعهم من المشاركة والإستمرار في الإنتفاضة والإنتساب إليها، الأمر الذي يتطلب بعض التفسير. فما الذي منع المنتفضين من الإنسحاب من فضاء الإنتفاضة وإنهاء حالة الوحدة فيما بينهم بصفتهم ضد السلطة القائمة بكل أطرافها؟ لا بد لهذا الإنتماء المشترك لفضاء وروحية الإنتفاضة أن يكون حصيلة لعوامل لها مفعول توحيدي يتعدى بقوته تأثير التباين والإختلافات في المواقف (نضيف هنا إن الوحدة المشار إليها لم تؤدِ لغاية الآن إلى إفراز جبهة سياسية موحدة للمنتفضين مع برنامج سياسي مشترك يكون بمثابة القاعدة التي ينبغي الإنطلاق منها على مسار إختراق السلطة القائمة).

هذه العوامل التي تشكل العمق الموحد للمشاركين والمؤيدين لانتفاضة 17 تشرين، (بالمناسبة المشاركون لا يمثّلون جميع المنتسبين إلى الإنتفاضة إذْ إن العديد من هؤلاء المنتسبين قد لا يشاركون في جميع التحركات التي تدعو إليها الإنتفاضة، كما ان العديد من المشاركين بالفعل قد يكونون من “أزلام” السلطة)، هي في الأساس عوامل رمزية تقوم على نزع الثقة بالكامل من السلطة بمختلف فئاتها وتبنّي نظرة سياسية بديلة عن الواقع السياسي القائم. تتمحَّور هذه النظرة أو الرؤية السياسية للمنتسبين إلى الإنتفاضة حول اعتماد المواطنة هوية سياسية مشتركة بين الجميع. وتدعو إلى قيام نظام سياسي ديموقراطي علماني يفصل بين السلطات، يمنع الفساد والزبائنية ويؤمن الحياة الكريمة للجميع، ويفرض المساواة فيما بينهم بصفتهم أصحاب حقوق وواجبات متساوية.  هذه المواقف والمطالب التي انبثقت من المنتفضين ووحدت فيما بينهم، تشكل ما يصح أن أطلق عليه “البنية التحتية الرمزية” للمشاركين في الانتفاضة والمؤيدين لها منذ 17 تشرين الأول من عام 2019.

تكوُّن الفضاء الجديد لانتفاضة 17 تشرين

الفضاء العام الذي أنجبتْه إنتفاضة 17 تشرين لم يتجسد فقط بالنزول إلى الساحات ورفع الشعارات في وجه السلطة. لهذا الفضاء ولـ “بنيته التحتية الرمزية” تجليات عديدة ومتنوعة. وأولى تلك التجليات كان استملاك المنتفضين للساحات العامة، وإعادة صياغة الصفة العامة لتلك الساحات بما ينسجم مع مطالبهم التي أعلنوا عنها. “العام” من منظور السلطة لم يكن عاماً. كانت الساحات مصنفة طائفياً وطبقياً وجندرياً، وحتى جيلياً. ومع نزول الناس المنتفضة إلى الساحات تمت عملية استمْلاكها من “عموم” الناس بالمعنى الحرفي للكلمة. فمنذ ولادة الإنتفاضة، تمّ القفز فوق جميع الحواجز التي كانت تفرض نظاماً تراتبياً على الساحات والأماكن “العامة”. فصرنا نجد في تلك الساحات جنباً إلى جنب أفراداً من جميع الفئات الإجتماعية ومن مختلف الطوائف والمناطق. كما أننا شاهدنا أناساً من مختلف الفئات العمرية ومن الذكور والأناث وأصحاب الهويات الجندرية المتنوعة. كان ذلك بمثابة الإعلان الصريح بأن الساحات هي ملك لعامة الناس وتحت تصرفهم بالتساوي. كان ذلك بمثابة إشهار وتأكيد لمبدأ المساواة بين المواطنين/ات مكانياً وفضائياً. حتى الفضاء لم يسلم من مفعول “البنية التحتية الرمزية” للإنتفاضة.

وفي سياق عملية استملاك الساحات وتحويلها لفضاءات عامة فعلية، حدثت أمور عديدة أفضت إلى المزيد من فضح زيف “عمومية” الساحات ما قبل الإنتفاضة. استخدم المنتفضون الساحات أمكنة للتعارف على بعضهم البعض بصفتهم طلاب حرية وكرامة ومواطنة وحكم نزيه وغير طائفي. نصبوا الخيام ونظّموا في داخلها الندوات والنقاشات بين المواطنين حول أعطاب النظام والمنظومة الحاكمة وحول مستقبل لبنان المرتجى. بذلك تحولت الأمكنة العامة إلى فضاءات يتم فيها النقاش الحر والمساءلة والمحاسبة، وفوق كل ذلك، المطالبة بتغيير النظام ووكلائه، بدلاً من أن تكون حاضنة لسردية السلطة حول “إعادة الإعمار” ومصلحة رأسمال التجاري والسياحي، ونابذة لـ “أهل البلد”، كما حال ساحة الشهداء ورياض الصلح في مرحلة ما قبل الإنتفاضة.

أما الشعارات التي أنشد المتظاهرون بعضها ورددوا بعضها الآخر، فقد إحتوت على كم هائل من السخرية والتورية والكناية والتنكيت والشتيمة الموجهة ضد رموز السلطة وسياساتهم. وكثير منها وأكثر، وجد طريقه إلى جدران الأبنية والجسور، وكأن الشوارع والساحات لم تعد كافية للتعبير عن سخط المنتفضين واستنكارهم للسلطة ورموزها. إن اندفاعة المنتفضين لمعارضة السلطة والدعوة إلى تغييرها لم تكتفِ بانتاج خطاب مباشر عن المواطنة والكرامة الإنسانية والعدالة الاجتماعية والمساواة الجندرية والتمسك بتطبيق القانون واستقلال القضاء إلخ.، بل ذهبت لتستخدم شتى أنواع ومستويات اللغة وأدواتها للتعبير عن هذا الخطاب. وساهم العديد من الفنانين في بناء خطاب فني للمطالب المشار إليها، والتعبير عن ذلك بأعمال فنية كالنحت والمجسمات والشعر والرسم الغرافيتي وإنتاج الأغاني على اليوتيوب والرقص التعبيري. وكانت وسائل التواصل الإجتماعي هي المفضلة لنشر تلك الأعمال.  

لم يتردد ثوار 17 تشرين من الغناء والرقص معاً، ومن الإحتفال ببعض المناسبات الخاصة التي أصر من خلالها أصحاب المناسبة (عقد قران زواج واحتفال بمناسبة عيد ميلاد والمشهدية الشعبية المنظمة في عيد الاستقلال ) أن يتشاركوا مع المنتفضين في الإحتفال بها. إن التماهي مع “الإنتفاضة” ضد النظام كاد أن يلغي الحد الفاصل بين “الخاص” و”العام” قيد التشكل.

كل ذلك وأكثر كان يتم أيضاً في ظل العلم اللبناني لا غير. أراد المنتفضون من وراء ذلك، ليس فقط أن ينبذوا رايات الأحزاب التي ترمز إلى السلطة وهويات القوى التي تتألف منها، بل أن يؤكدوا مرة أخرى على رغبتهم في أن يكونوا مواطنين أولاً وأساساً، لا جماعات أهلية متنافرة ومتنازعة ومستتْبعة. تجلى هذا الأمر أيضاً خلال المشاركة في سلسلة بشرية تحت عنوان “إيد بإيد” امتدت من شمال لبنان إلى جنوبه مروراً بالجبل والبقاع وذلك في 27 أكتوبر 2019، بعد مرور 11 يوماً على اندلاع إنتفاضة تشرين. وخلال ذلك الحدث، لم يحمل المشاركون سوى العلم اللبناني. وكذلك لمناسبة الاستقلال في 22 تشرين الثاني 2019، اي بعد ما يقارب الشهر على اندلاع الإنتفاضة، استولى المنتفضون على حق الإحتفال بعيد الإستقلال، وقاموا بتنظيم عرض مدني في ساحة الشهداء، الساحة ذاتها التي تستخدمها عادة السلطة لنفس الغرض. وضم العرض 54 فوجاً وكان كل فوج مؤلفاً من 57 شخصاً. ومثّلت الأفواج مختلف “الأفراد والمناطق والإختصاصات والقطاعات والقضايا الإجتماعية التي تشكل محوراً مهماً في المجتمع اللبناني” (المدن، 20/11/2019). وكان هذا الحدث بمثابة التعبير المادي والحيوي للمرة الثانية عن نجاح المنتفضين في صياغة هوية وطنية فعلية بدلاً من الهوية الأهلية ما دون الوطنية التي تنتسب إليها السلطة. بذلك نجحت الإنتفاضة أيضاً باختراق أحد “الطقوس” الرئيسية التي تعتمدها السلطة، وبإعادة صياغتها بما يتلاءم ومطالبها المذكورة أعلاه.

وفي سياق تقييم درجة تأثير “البنية التحتية الرمزية” للإنتفاضة ورصد تجلياتها، نشير أيضاً إلى ما فعلته تلك البنية في أوساط الدياسبورة اللبنانية. فلم ينتفض العديد من المهاجرين اللبنانيين في عواصم عديدة من العالم (باريس وسيدني مثلاً)، انتصاراً لانتفاضة 17 تشرين ومطالبها وحسب، بل أقدموا على العديد من الخطوات الداعمة لها بالمعنى السياسي- المطلبي (ممارسة الضغط على الدول التي يتواجدون فيها لتأييد  ودعم مطالب الإنتفاضة ومن ضمنها التدقيق الجنائي المالي والتحقيق الجنائي الدولي في انفجار المرفأ واستعادة الأموال المنهوبة)، وأنشأوا الصلات مع بعض المجموعات المشاركة في الإنتفاضة، أكان على المستوى المالي أوالسياسي- التنظيمي. 

بكلام مختصر، صنّع انتفاضيو 17 تشرين “بنية تحتية رمزية” وعميقة تشكِّل مدماكاً أساسياً في المسار المفتوح لتغيير النظام اللبناني ووكلائه الرئيسيين. وقد دخلت هذه البنية الحية والديناميكية وجدان قطاع واسع من اللبنانيين وذاكرتهم في الوطن والمهجر، مما يجيز الكلام عن لبنان ما قبل 17 تشرين الأول 2019 ولبنان ما بعده.                             

Leave a Comment