صحف وآراء مجتمع

بلد لا يملك مزاجه

* شهيد نكد

يتغيّر المزاج العام بين جملة وأخرى، يتبدّل الموضوع والاهتمام مع تغيّر مزاج حفنة من الأشخاص الذين يحكمون العالم ويتحكّمون بمصائر ملايين البشر. كنت بصدد إعداد مقال عن الديبلوماسية اللبنانية وعن جذور فشلها وضعفها، وعن صلتها الأعمق بغياب ثقافة الحوار في حياتنا السياسية والاجتماعية. ثمّ جاءت الأخبار من الجنوب والبقاع، ومعها تهديدات بضرب بيروت- وليس مهمّاً إن كان المقصود هو الضاحية الجنوبية. فالضاحية في بيروت، وبيروت هي عاصمة لبنان.

بيروت وما تبقّى من الاجتماع اللبناني

نجحت العصابات التي حكمت لبنان منذ ولادته واستقلاله حتّى اليوم في تحويل معظم المناطق اللبنانية إلى محميّات زعاماتيّة وحزبية وطائفية. لكلّ منطقة ديكها، ولكلّ شارع ذاكرة مُقفلة، ولكلّ جماعة خوفها وسرديّتها. فلم يبقَ لنا سوى بيروت، ومقاهي بيروت التي لا تزال خارج حصر الإرث الذي أتممناه للمناطق الأخرى. وسقوطها يعني سقوط آخر ما تبقّى من فكرة الاجتماع اللبناني.

كنت أكتب عن الديبلوماسية اللبنانية الفاشلة، لا كأخطاء تقنية وبيانات ضعيفة، بل بوصفها نتيجة ثقافة أعمق. ثقافة تقول بأن ربحي أنا كفرد أو طائفة أو جماعة، لا يتحقّق إلّا عبر خسارة الآخر. تعلّمنا وتَقَولبنا في لبنان أن تكون علاقاتنا الداخلية كعلاقات صفريّة: أنا أربح إذا خسرت أنت، وأنا أنتصر إذا انكسرت أنت. لم نصل بعد للفكرة التي تقول إن هناك قضايا لا يمكن لطرف أن ينتصر فيها لوحده؛ إمّا ننتصر معاً، أو نُهزم معاً. من هنا تفشل ديبلوماسيّتنا، لأنّها لا تملك استراتيجية كبرى، ولا تملك ثقافة حوار، ولا تملك القدرة على قراءة التحوّلات الإقليمية من موقع وطني. فتاريخياً كان لبنان انعكاساً لموازين المنطقة، الهدنة فيه هي صدى لهدنة إقليمية، والمواجهة فيه هي امتداد لمواجهة إقليمية. فنحن، وبسبب تبنّينا للمعادلة الصفرية لا نعرف كيف نحوّل الواقع المحيط بنا إلى سياسة وطنيّة. فكلّ توازن أو اختلال خارجي نحوّله إلى تصفية حساب داخليّة، ومناسبة لطرح السؤال التالي: من ربح من اللبنانيين، ومن خسر؟

هكذا قرأنا مذكّرة التفاهم الأميركية- الإيرانية، فريق داخلي منتصر وآخر منهزم. لم نسأل كيف يُمكن للدولة أن تستفيد؟ ماذا تعني للبنان؟ كيف يُمكن حماية البلد والمجتمع؟ كيف يُمكن تحويلها لفرصة؟ ظلّ السؤال اللبناني في المستنقع ذاته: هل انتصرنا عليهم، أم انتصروا علينا؟

ماذا نكتب؟

كنت أكتب عن كلّ ذلك ثمّ عادت (استمرّت) الحرب، ومعها المزيد من الدمار والقتل والنزوح. سألت نفسي عن جدوى الكلام عن الديبلوماسية الآن! لكن، متى نتكلّم عن الديبلوماسية إن لم نتكلّم عنها في وقت الحرب؟ متى نتكلّم عن الحوار إن لم نتكلّم عنه في وقت انقطاعه؟

وفي زمن الحرب نكتب عن الحرب، ونكتب أيضاً عن البلد الذي يُحارب بلا دولة، وعن التفاوض من دون استراتيجية، وينتظر الخارج ليحسم له صراعاته الداخلية. نكتب عن لبنان الذي لا يحتاج فقط إلى وقف النار، بل إلى الخروج من مستنقع الانتصار على الشريك والرهان على الخارج وتحويل جولات الإقليم إلى جولات بين اللبناني واللبناني.

نكتب عن حزب الله أيضاً الذي يعرف تماماً موقعه الإقليمي، لكنّ لا يبدو أنّه يعرف ماذا يُريد من لبنان. يرفض أن يعرف أن أي انتصار عسكري أو إقليمي سيتحوّل إلى هزيمة طالما يُنتج خوفاً عند قسم كبير من اللبنانيين، إلّا إذا كان يعتبر تبديل حقائب وزارية، أو حتّى الحكومة كاملةً، هو كافٍ لترجمة أي شيء.

نكتب عن دولة منكوبة، وشرطي أمن لا يأخذه أحد على محمل الجدّ، وعن قاضٍ غير مُعتبر، وعن مجتمع يدفع ثمن الحرب والسلم.

الديبلوماسية اللبنانية فاشلة داخلياً قبل أن تكون فاشلة خارجياً، فالدولة التي لا تملك حواراً داخلياً لا تستطيع أن تملك سياسة خارجية، والدولة التي لا يستطيع أبناؤها تخيُّل انتصاراً أو خسارة مشتركة ستبقى تنتقل من حرب إلى هدنة، ومن هدنة إلى حرب، من دون أن تعرف كيف تُحوّل أي لحظة إقليمية إلى فرصة وطنيّة.

العجز المكتسب

وربّما كان التخبّط وتغيّر المزاج الذي بدأنا به هو انعكاس لحال الدولة ذاتها. فالدولة في لبنان لم تستقرّ ولم تحسم يوماً معنى السيادة والهويّة، يكفي التخبّط حول ما إذا كان لبنان عربياً، أو ذا وجه عربي! لم تتمكّن الدولة يوماً من بناء بوصلة وطنية مستقلّة؛ انتشَينا بمقولة لبنان هو بوابّة بين الشرق والغرب، فأصبحنا من دون أبواب ونوافذ. دولة، مزاجها دائماً ما كان بمكان ما، وسياستها تُكتب في عاصمة ما. لم يكن لبنان يوماً فاعلاً في تحديد لحظات توتّره وهدوئه، بل كان دائماً ساحة إقليمية، ونحن نكاد لا نملك ساحة عامّة.

اليوم ليس استثناءً، فالتّهديدات التي تطال بيروت، والاتفاقيات التي توقّع بين واشنطن وطهران، والحرب التي تشتعل في الجنوب والبقاع، كلّها تؤكّد أن لبنان لم يخرج من دوّامة تبدّل المزاج. فاللبنانيون ودولتهم يبدون غير عارفين ما العمل خلال الحرب، لأنّهم لم يعرفوا ماذا يريدون من أنفسهم في السّلم. فتخبّطنا ليس ضعفاً، بل هو البنية التي تُمسكنا جميعاً.

ثمّة مفهوم في علم النّفس اسمه “العجز المُكتسب”، وهو يعني توقّف الانسان عن المحاولة والتكيّف مع العجز حتّى لو أصبحت السيطرة ممكنة. وهو نتيجة التعرّض المتكرّر للصدمات حيث لا يتعلّم الانسان سوى توقّع الفشل. في لبنان، نحن نعيش في هذا المفهوم منذ عقود، تَروّضنا أن مزاجنا ليس بيدنا، وأن قرارنا يُتّخذ في مكان آخر، وأن الحرب والسّلم يُقرّران في عاصمة ما. تَكيّفنا مع العجز فأصبح من طبيعتنا، وأصبحنا نرى في انتظار الخارج حكمةً لا استسلاماً. تدجّنا على أن الدولة هي انعكاس لموازين الخارج. والدّولة نفسها تدجّنت.

* نشرت بتاريخ 20 حزيران 2026 على موقع المدن