سياسة مجتمع

مساهمة ثانية في مبادرة: لماذا الحوار؟: في الحاجة لفتح نقاش حول الخيار الثالث

زكي طه

بيروت 21 حزيران 2026 ـ بيروت الحرية

لم يكن الهدف من المبادرة أو الدعوة لفتح النقاش حول “الخيار الثالث”، قبل أيام تقديم مشروع سياسي مكتمل. ولا الإعلان عن ولادة خيار بديل جاهز، بقدر ما كان محاولة متواضعة لفتح باب النقاش حول المأزق اللبناني، والمأزق الأوسع الذي تعيشه المنطقة، بعد أن بدا واضحاً أن الاستقطابات القائمة، على اختلاف مواقعها وشعاراتها، لم تعد قادرة على إنتاج أفق يخرج مجتمعاتنا من دوامة الحروب والانهيارات والانقسامات.

ولعل أول ما يمكن تسجيله بعد نشر المبادرة هو أن النقاش الذي أثارته أكد الحاجة إليها أكثر مما نفى ضرورتها. فقد جاءت التعليقات والقراءات متباينة، بعضها مؤيد، وبعضها متحفظ، وبعضها ناقد بشدة. وهو أمر طبيعي، بل ومطلوب. فالمبادرة لم تُكتب لتكن خاتمة للنقاش، وإنما لتكن بدايته.

ولذلك فإن القيمة الحقيقية لما جرى لا تكمن في الاتفاق أو الاختلاف حول ما ورد في النص الأول، وإنما في أن الحوار كشف أن المشكلة ليست فقط في اختلاف المواقف السياسية، بل في اختلاف طرائق قراءة الواقع نفسه، وفي اختلاف الأدوات الفكرية التي نلجأ إليها لفهم التحولات الكبرى التي يعيشها لبنان والمنطقة.

وهنا تكمن، في تقديري، المسألة الأساسية.

فإذا كان الواقع قد تبدل على نحو عميق خلال العقود الأخيرة، وإذا كانت المنطقة تشهد إعادة تشكيل لموازين القوى، ولطبيعة الدولة، وللعلاقات الإقليمية والدولية، فإن السؤال الذي يصبح مشروعاً هو: هل تكفي أدوات القراءة التي ورثناها، على أهميتها، لفهم هذا الواقع الجديد؟ أم أن الوفاء الحقيقي لتراثنا الفكري يقتضي أن نعيد اختباره باستمرار على ضوء التجربة؟

إن طرح هذا السؤال لا يستهدف التقليل من قيمة التجارب السابقة، ولا الدعوة إلى القطيعة معها. على العكس من ذلك، فإن التجارب التي لا تُراجع تذبل. أما التجارب الحية فهي تلك التي تجعل من النقد الذاتي ومن مراجعة أدواتها أحد شروط استمرارها.

ولذلك فإن المبادرة لم تنطلق من موقف يعتبر أن كل ما سبق قد سقط، كما أنها لا تنطلق من الاعتقاد بأن الماضي يقدم وحده الأجوبة الكافية عن أسئلة الحاضر. إنها تنطلق من قناعة أبسط وأكثر تواضعاً، لكنها ربما أكثر صعوبة، وهي أن الواقع يتغير باستمرار، وأن الفكر الذي يريد أن يبقى حياً لا يستطيع أن يكتفي بإعادة إنتاج أجوبة صيغت في ظروف تاريخية مختلفة، مهما بلغت أهميتها.

ومن هنا أيضاً جاءت الدعوة إلى الحوار.

فالحوار، في هذه الحالة، ليس مجرد وسيلة لتبادل الآراء، ولا محاولة للوصول إلى تسوية بين مواقف متعارضة، بل هو جزء من عملية إنتاج المعرفة السياسية نفسها. ذلك أن الأفكار الكبرى لا تولد مكتملة، كما أن المشاريع التاريخية لا تُستولد بقرار، وإنما تتشكل عبر التراكم، وعبر الاحتكاك بالواقع، وعبر القدرة على التعلم من النجاحات كما من الإخفاقات.

ولعل هذا ما يفسر سوء الفهم الذي رافق المبادرة لدى بعض القراءات. فقد جرى التعامل مع الدعوة إلى التفكير في “الخيار الثالث” كما لو أنها محاولة لإقامة توازن أخلاقي بين مشاريع متعارضة، أو مساواة بين قوى تختلف في طبيعتها ومواقعها وأدوارها. بينما لم يكن المقصود ذلك إطلاقاً.

فليس هناك مساواة بين الاحتلال ومن يقاومه، ولا بين المشروع الصهيوني بوصفه مشروعاً استعمارياً استيطانياً، وبين أي تجربة إقليمية أخرى مهما كانت الملاحظات النقدية عليها. كما أن نقد تجارب المقاومة، أو نقد ارتباطها بمحاور إقليمية، لا يعني أبداً تبني الرواية الأميركية أو الإسرائيلية، ولا التخلي عن حق الشعوب في مقاومة الاحتلال والعدوان.

لكن، في المقابل، فإن الاعتراف بهذه الحقائق لا يعفينا من سؤال آخر لا يقل أهمية: كيف يمكن أن تتحول مقاومة الاحتلال إلى جزء من مشروع وطني جامع، يعزز الدولة والمجتمع والديمقراطية، بدلاً من أن تبقى، بفعل تعقيدات الداخل والخارج، أسيرة توازنات لا يملك المجتمع السيطرة عليها؟

إن هذا السؤال لا ينتقص من شرعية المقاومة، بل يتصل بمستقبلها وبقدرتها على الاندراج في مشروع وطني ديمقراطي طويل الأمد.

وينطبق الأمر نفسه على الدولة.

فحين ندعو إلى دولة ديمقراطية، لا نقصد الدولة بوصفها جهازاً محايداً خارج المجتمع، ولا نتجاهل طبيعتها الطبقية ولا تشوهاتها الطائفية ولا تبعيتها، بل ننطلق من قناعة بأن معركة التغيير لا يمكن أن تنجح من دون إعادة بناء الدولة نفسها على أسس ديمقراطية واجتماعية ووطنية جديدة.

أي إن المطلوب ليس الدفاع عن الدولة القائمة كما هي، بل العمل من أجل تغييرها، بحيث تصبح معبرة عن مصالح المجتمع، لا عن مصالح الفئات المهيمنة عليه.

ولذلك، فإن النقاش حول الخيار الثالث لا يدور بين من يتمسك بالمقاومة ومن يتمسك بالدولة، بل بين رؤيتين لمستقبل لبنان: رؤية ترى أن استمرار الانقسام بين هذين البعدين قدر لا مفر منه، ورؤية أخرى تحاول التفكير في الشروط التي تسمح بجمعهما في مشروع وطني ديمقراطي واحد.

وربما يكون هذا هو المعنى الحقيقي للمبادرة.

فهي لا تدّعي امتلاك البديل، ولا تزعم أن القوى القادرة على حمله أصبحت موجودة أو منظمة أو موحدة، إنما تدعو إلى التفكير في شروط نشوء هذا البديل، وفي الثقافة السياسية التي يمكن أن تساعد على ولادته.

ولعل هذا هو الدور الذي ينبغي أن يضطلع به اليسار الديمقراطي اليوم. ليس باعتباره مالكاً للحقيقة، ولا وصياً على المجتمع، بل باعتباره أحد الأطراف المدعوة إلى إعادة التفكير في تجربته، وفي أدواته، وفي علاقته بالتحولات التي شهدها العالم ولبنان والمنطقة. فاليسار لا يتجدد بإعلان القطيعة مع تاريخه، كما لا يتجدد بالعيش داخل هذا التاريخ.

إنه يتجدد عندما يصبح وفياً لمنهجه النقدي، ولانحيازه الدائم إلى الإنسان، وإلى الحرية، وإلى العدالة الاجتماعية، وإلى التحرر الوطني، وإلى الديمقراطية بوصفها شرطاً لتقدم المجتمع، لا شعاراً يرفع عند الحاجة.

إن المبادرة التي أطلقت لم تكن سوى دعوة إلى فتح هذا النقاش. ولا تزال كذلك. ولذلك فإنها لا تبحث عن مؤيدين بقدر ما تبحث عن شركاء في التفكير. فالحوار، قبل أن يكون وسيلة للوصول إلى اتفاق، هو الشرط الضروري لأي اتفاق يستحق أن يدوم. وإذا كانت هذه المساهمة قد نجحت في شيء، فربما يكون نجاحها المتواضع أنها أعادت طرح السؤال في لحظة باتت فيها اليقينيات أكثر حضوراً من الأسئلة. أما ما سيأتي بعد ذلك، فلا يستطيع أن يصنعه كاتب واحد، ولا تنظيم واحد، ولا تيار واحد. إنه عمل جماعي، طويل النفس، يبدأ بالحوار، ويتقدم بالنقد، وينضج بالتجربة.

ومن هنا، فإن هذا النص ليست خاتمة المبادرة، بل خطوة ثانية في خط مسيرتها، على أمل أن تتبعها خطوات أخرى، وأن تتسع دائرة المشاركين في هذا الحوار، لأن مستقبل لبنان، ومستقبل اليسار الديمقراطي، لن يبنيه أصحاب اليقين المغلق، بل أولئك الذين يمتلكون شجاعة السؤال، وثقة الحوار، وإرادة البحث المشترك عن أفق جديد.