صحف وآراء مجتمع

في نقد ثقافة التحيّز والبحث عن عقلٍ سياسي مستقل

*  وسام جبران

كيف يتحوّل السؤال السياسي في المجال العربي من سؤالٍ عن المصلحة الوطنية وبناء مشروع ذاتي إلى سؤالٍ عن الانتماء لمحور، عبر ثنائيات من نمط: “عليك أن تختار بين إسرائيل وإيران”.

أزعم أن هذا الاختزال ليس مجرّد خطأٍ تحليلي، بل هو نتاج تقاطع ثلاثة حقول: الأول: بنية الهيمنة في السياسة الدولية. ثم، الثقافة الأبوية -الذكورية بوصفها نمطًا للسلطة والمعنى. ثم، الديناميات النفسية-الاجتماعية مثل الهوية الجمعية والتحيّزات المعرفية.

أحاول هنا أن أقدّم نقدًا لمبدأ “الانحياز بالكراهية” باعتباره آلية تُنتج التبعية، وتعيد إنتاج الاستلاب، وتُحَوِّل السياسة إلى تعصّبٍ أخلاقي يُعطّل التفكير وحسب.

أكتب بضمير المتكلم لا باعتبار ذلك ترفًا أسلوبيًا، بل لأنني أرى أنّ جزءًا من المشكلة يبدأ حين يُطلَب منا أن نتكلّم بصوتٍ “موضوعي” مُعقّم، بينما تُدار حياتنا العامة بمنطق الاستقطاب والانفعال. فمن حيث أنا ابن هذا الشرق، وأعرف، بالمعاينة اليومية، كيف يُستدرج الناس إلى مواقف جاهزة عبر سؤالٍ يبدو بسيطًا: مع من أنت؟ لكنه في الواقع يلغي السؤال الأصعب والأعمق: ما هو مشروعك أنت؟

في زمننا الراهن، تتكرّر ثنائية “إسرائيل أو إيران” بوصفها اختزالًا ذهنيًّا: إمّا أن ترفض إسرائيل فتُدفع تلقائيًا إلى حظيرة إيران، أو أن ترفض إيران فتُطالَب، تحت عنوان “الواقعية”، بتخفيف موقفك من إسرائيل، وربما تبرير التّطبيع. هذا النوع من التفكير لا يصف الواقع بقدر ما يصنعه: يصنع ذواتٍ سياسية مُسْتَلَبَة، تتغذّى على كراهية طرف لتبرير التبعية لطرف آخر.

منهجيًا، يمكنني اعتماد مقاربةً تركيبية، بحيث أستفيد من تحليل الإمبريالية والهيمنة الثقافية عند إدوارد سعيد (في علاقة القوة بالتمثيل)، ومن مفهوم الهيمنة/القيادة الثقافية عند غرامشي، ومن تحليل بورديو للعنف الرمزي (ولا سيما في الذكورة والهيمنة)، إلى جانب أدوات من علم النفس السياسي: الهوية الاجتماعية (تاجفل/ترنر)، والتحيزات المعرفية (كانمان)، ومفهوم “الهروب من الحرية” عند فْروم بوصفه مدخلًا لفهم الانجذاب إلى السُّلطويات والهويات الصلبة. كما يمكنني فعل ذلك في تماسّ مباشر مع نقد هشام شرابي لـ “الأبوية الجديدة” في المجتمع العربي بوصفها نمطًا للسلطة والقيم. وغير ذلك من الأدبيّات التي يمكن الاستفادة منها منهجيًّا. لكنني أترك ذلك لسياق آخر يحتمل قراءة أكاديمية موسعة للمسألة، دون أن أخفي مراجعي الثقافية والمعرفية هذه، التي أقف عليها عند مقاربتي لمسألةٍ شائكة كهذه، ولكي يستفيد القارئ المعني بالتوسع والحفر المعرفي.

شخصيًّا، أرفض المقارنة الأخلاقية السّطحية التي تساوي كل شيء بكل شيء، لكنني أيضًا أرفض أن تُستخدم الأخلاق لإلغاء التحليل.

يمكن النظر إلى إسرائيل وإيران، كلٌّ بطريقته، بوصفهما مشروعين يعملان عبر منطق “التمدّد خارج الحدود” وإنتاج المجال العربي بوصفه “ساحة نفوذ”. هنا تفيدنا الواقعية الهجومية عند ميرشايمر في فهم كيف تتصرّف القوى وفق سعيٍ دائم لتعظيم الأمن/النفوذ في نظام دولي فوضوي. هذا لا يبرّر سلوك أي طرف، لكنه يساعدني على مقاومة الغواية الأخلاقية التي تحوّل السياسة إلى فعل “تجييش”.

ما أريد مقاربته هو الفكرة التالية: رفض إسرائيل بوصفها مشروعًا استعماريًا-استيطانيًا لا يستلزم تبنّي إيران بوصفها “بديلًا تاريخيًا”، كذلك رفض إيران بوصفها مشروع وصاية لا يستلزم تخفيف الموقف من إسرائيل. إنّ تحويل الموقف من أحدهما إلى بطاقة عضوية للآخر هو بالضبط منطق الاستقطاب الذي يسلبني حقي في تصوّر وبناء مشروعي الوطني المستقل كفلسطيني أو كلبناني إلخ.

إذا كان إدوارد سعيد قد نبّه إلى أن الثقافة ليست بريئة من السُّلطة، وأن التمثيل هو جزء من أدوات الإمبراطورية، فإنّ خطابات المحاور في منطقتنا تُعيد إنتاج هذا المنطق، من حيث هي تمثيلات جاهزة، واستعارات جاهزة (“المقاومة”/”الاعتدال”)، وتصنيفات تلتهم الفروق داخل المجتمع الواحد، ثم تعيد ترتيب الولاءات وفق خرائط الآخرين، لا وفق المصلحة الوطنية.

هنا أصل إلى نقطة أراها جوهرية، وتتمثّل في تقاطع التحيّز مع الثقافة الأبويّة الذكورية الاستعلائية والاستلابية. فأنا لا أفهم “المحور” بوصفه تحالفًا سياسيًّا وحسب، بل بوصفه نموذجًا أبوّيًّا سُلطويًّا: أي أبٌ يحميك (ويطالبك بالطاعة)، أو أبٌ يعرِّفُ لك العدوّ (ويمنعك من التفكير)، أو أبٌ يمنحك هوية و”شرفًا” (“أشرف الناس”/ “شعب الله المختار” إلخ…) فيستلبك استقلالك.

هشام شرابي وصف “الأبوية الجديدة” بوصفها استمرارًا لبنية أبوية تقليدية داخل أشكال حديثة: دولة، حزب، أيديولوجيا، تعليم، وإعلام؛ بلا تحرّر فعلي في علاقة الفرد بالسلطة. وفي هذه البنية، يصبح الخروج عن القطيع لا يُقرأ بوصفه نقدًا عقلانيًّا، بل كـ “خيانة” أو “نقص رجولة” أو “تفكيك للصف”.

وهنا أستدعي بورديو، الذي قال إن السيطرة لا تعمل فقط بالعنف المباشر، بل أيضًا بالعنف الرمزي؛ ذلك العنف “اللطيف” الذي يجعل الخاضع يتبنّى معايير الخضوع بوصفها طبيعية. وفي الهيمنة الذكورية تحديدًا، يشرح بورديو كيف تُؤبَّد علاقات السيطرة عبر تحويل التاريخ إلى طبيعة، والعرف إلى بديهية. هذا ما يحدث حين تتسلل الذكورة السياسية إلى المجال العام، حيث يصير التعقّل مساويًا للجبن، والمراجعة تُساوى بالانكسار، والاعتراف بالخطأ يُساوى بالفضيحة والانهزام، والتسوية تُساوى بالعار.

هكذا تصبح السياسة ساحة استعراض، فمن يصرخ أكثر؟ من يكره أكثر؟ من “يثبت” رجولته الخطابية أكثر؟ … هكذا تتعزّز ثقافة التحيّز عبر معارك الدّيوك، في الأنفاق المُعتمة كما من على منابر الشاشات المُضيئة.

تساعدنا أعمال كونِل عن “الذكورة المهيمنة” في فهم كيف تتحول أنماط ذكورية بعينها إلى معيار اجتماعي يُقاس عليه “الانتماء” و”الشرعية”، حتى لدى من لا يملكون سلطة فعلية. وفي فضاء الاستقطاب، تُستثمر هذه الذكورة المهيمنة لصناعة انحيازات سريعة: أنت “رجل” حين تنحاز بالكامل، وأنت “رمادي” حين ترفض المحورين.

بهذا المعنى، لا يكون التحيّز مجرد خيار سياسي؛ إنه طقس انتماء ذكوري: إعلان ولاء، وإشهار خصومة، وتأكيد هوية، وحُكمٌ “أخلاقيّ” على الآخر الرافض لهذا المنطق. والنتيجة ثقافة عامة تميل إلى الحرب الكلامية بدل علوم السياسة، وإلى النقاء الأيديولوجي بدل المصلحة الوطنية القائمة على ثقافة “الخوارزميّات المُركّبة”، والتفكير النّقدي.

لكن، لماذا يصبح الرفض المزدوج غير محتمل؟

ما يواجهه الموقف المتمثّل برفض المشروعين ليس فقط النقد السياسي، بل المقاومة النفسية-الاجتماعية.

نظرية الهوية الاجتماعية تشرح كيف يميل الأفراد إلى تصنيف العالم إلى “نحن” و”هم”، واكتساب تقدير الذات من عضوية الجماعة، والسعي إلى تمييز إيجابي للجماعة على حساب جماعات أخرى. حين أعلن رفضي للمحورين، فأنا أهدد نظام التصنيف نفسه: أخرج من لعبة “نحن/هم” إلى مساحة تتطلب تعريفًا جديدًا لـ “نحن”، حيث نحن الوطنيين المستقلين، نحن أصحاب المشروع الذاتي.

لكن هذا التعريف الجديد مُكلف: إنه يحتاج إلى مؤسسة، خطاب، لغة مصالح، وحيّز عام قادر على تحمل التعدّد. وحين يغيب كلّ ذلك، يغدو رفض المحوريْن أشبه بوقفة فردٍ أعزل أمام جمهور يسأله: “إذن أين ستذهب؟” وهنا يفسر فْروم هذه الحالة حين يقول، بما معناه، إن الخوف من العزلة يدفع الكثيرين إلى العودة للحظيرة الجمعيّة الآمنة.

أحاول هنا أن أكون حاسمًا: الكراهية ليست سياسة.

قد تكون رد فعل مفهومًا على ظلمٍ حقيقي، لكنها تصبح خطرة حين تتحول إلى معيار وحيد للموقف. لأن معيار الكراهية لا يسأل: ماذا أريد؟ بل يسأل:

من أكره أكثر؟

عندما تصبح الكراهية هي البوصلة، يصبح من السهل قيادتك: يكفي أن يُعاد تعريف العدو لتنتقل تلقائيًا إلى معسكر آخر. وهنا تُستعاد الهيمنة الغرامشية بمعناها الثقافي: السيطرة لا تفرض نفسها فقط بالقوة، بل بخلق “بديهيات” عامة تجعل الناس يرون خياراتهم المحدودة وكأنها قدر محتوم.

في السياق العربي، يفاقم ذلك عامل آخر، وهو الطائفية السياسية بوصفها آلة استقطاب.

يقدّم عزمي بشارة تحليلًا مهمًا للتحوّل من “الطائفة” بوصفها واقعًا اجتماعيًّا إلى “الطائفية” بوصفها أداة سياسية تُنتج “طوائف متخيَّلة” وتعيد تشكيل الولاءات. حين تعمل الطائفية مع منطق المحاور، تصبح الهوية قيدًا مزدوجًا: قيد المحور وقيد الجماعة. وهنا يتضاءل المشروع الوطني لصالح مشاريع فوق-وطنية.

أخيرًا، إذا أردنا أن نستبدل ثنائية “إسرائيل أو إيران” بثنائية أراها أكثر أخلاقية وعقلانية، فسأقول: إما مشروع وطني مستقل، أو تبعية بأقنعة مختلفة.

المشروع الوطني المستقل لا يعني الإنكار العاطفي للقضية الفلسطينية ولا التساهل مع التمدّد الإيراني؛ بل يعني وضعهما داخل معيار واحد: الكرامة والسيادة والمصلحة الوطنية. وهنا يمكنكم الاستئناس بما يقدّمه راشد الخالدي من تشريح لآليات الإخفاق البنيوي تحت الاستعمار والاختراقات، مع التأكيد أن فهم البنية شرطٌ لأي تحرر سياسي. كذلك، يمكنكم الاستفادة من قراءة جيلبير أشقر لشرط الدولة العربية وبنى الاقتصاد والسياسة التي تجعل الانفجارات الشعبية قابلة للاختطاف أو الإجهاض.

ما أطمح إليه من هذه المداخلة، هو ثقافة سياسية عربية قادرة على قول عباراتٍ بسيطة بلا خوف: “أنا مع شعبي أولًا، لا مع محاور الآخرين”، وإن “وطني ليس ساحة”، وإن “مشروعي هو الإنسان بوصفه مشروع حياة كريمة وقِيامة، لا بوصفه ضحيّة أو شهادة، ولا بوصفه “حائط مبكى” أو “كربلاء”…

ثم، والأهم، تحويل هذه العبارات إلى برامج عمل، ومعرفة، وتنظيم، ومؤسسات، وإعلام لا يعتاش على الاستقطاب ودُيوكه.

* نشرت على صفحة الكاتب الخاصة بتاريخ 14 كانون الاول 2025