صحف وآراء مجتمع

الصدمات النفسية الناتجة عن الحرب تضاعف معاناة وعذابات الجنوبيين

محمد قدوح

الجنوب 17 كانون الاول 2025 ـ بيروت الحرية

تسببت الحرب الاسرائيلية المتواصلة على لبنان بمستويات مختلفة منذ 8 تشرين الأول 2023، باستشهاد وجرح الأف المواطنين من الجنوب، البقاع، والضاحية الجنوبية لبيروت، وبتدمير وتضرر ما يزيد عن مئة الف منزل وآلاف المؤسسات الصناعية والتجارية، وحرق واقتلاع عشرات الألاف من اشجار الزيتون والأشجار المثمرة، اضافة الى نزوح حوالي مليون شخص لمدة تزيد عن شهرين فيما لايزال غالبية سكان بلدات وقرى الحافة الامامية مهجرين منذ بدء الأعمال الحربية، يواجهون مصيرهم لوحدهم دون مساعدة تذكر .

لا شك في أن هذه الحرب القاتلة والمدمرة قد ادت الى تعرض أعداد كبيرة من الذين تعرضوا لها الى صدمات نفسية كثيرة ومتنوعة كفقدان الأحبة والمنازل ومصدر الرزق والنجاة من الموت بأعجوبة. وقد زاد استمرار الحرب وازيز المسيرات من معاناة الجنوبيين وقدراتهم على التحمل رغم صلابتهم، التي اكتسبوها من التجارب المماثلة السابقة. وتبعا لذلك أخذت تظهر عليهم عوارض الصدمة النفسية كالقلق، وهو اضطراب نفسي شائع يظهر على شكل مخاوف مستمرة، والشعور بالعصبية والتوتر والافراط في التفكير، وتعود أسبابها إلى تعرض الفرد لأحداث صادمة خلال الحروب والكوارث الطبيعية والأحداث العنيفة المفاجئة، وهو ما يوثر على الجانب الوجداني والمعرفي والادراكي.  حيث يعاني الفرد من سيطرة المشاعر غير السارة والخوف دون اسباب مؤكدة وواضحة غالبية الأحيان، أو نتيجة استعادة الأحداث المؤلمة بشكل متكرر .

ويؤدي القلق إلى زيادة افراز هرمون (الكوتيزول) الذي تفرزه الغدة الكظرية. وهو هرمون يلعب دورا مهما في تنظيم السكر بالدم وضغط الدم، مما يؤثر سلبا على المصابين بهذين المرضين. وفي هذا الاطار كشف تقرير صادر عن الصحة العقلية عام 2001 أن وجود القلق يزيد خطر الإصابة بالحالات الصحية المزمنة بما في ذلك التهاب المفاصل وأمراض القلب والسكتة الدماغية وارتفاع ضغط الدم والسكر وقرحة المعدة .

هذا الواقع دفعني بحكم معرفتي وخبرتي المتواضعة عن القلق ومفاعيله على الصحة النفسية والجسدية، وبالتالي استكشاف عوارض القلق وكيفية التعامل معه.

وقد توصلت إلى النتائج التالية:

اولا: تعاني 5 سيدات اعمارهن تتراوح بين 50 و60 سنة من عوارض منها ما هو مشترك بين الجميع ، ومنها عوارض مختلفة تبعا للوضع الصحي لكل منهن .

أ-العوارض المشتركة .

  • فقدان الأمان .
  • اضطراب في النوم.

3-عدم القدرة على التركيز والنسيان.

4- التفكير المفرط فيما قد يحدث.

5 – استعادة ذكريات مؤلمة مصحوبة بزيادة التوتر.

6 -الهلع عند سماع اصوات فورية بشكل مفاجئ مثل اغلاق الباب بقوة.

7 – زيادة التوتر لدى سماع ازيز المسيرات الاسرائيلية التى تواصل تحليقها ليلا نهارأ.

ب- العوارض المختلفة .

  • – ارتفاع السكر بالدم.

2 -تلاعب ضغط الدم صعودا وهبوطا.

3 -تجنب الانتقال قدر الامكان لتفادى ضربات المسيرات.

4 -تناول المهدئات.

ثانيا- 3 سيدات  بدت عليهن العوارض التالية.

  • – هدوء زائد لا يشبه طبيعتهن العادية قبل الحرب.
  • -قلة الكلام وحديث مختصر.

3 – تعابير وجوهن باهتة لا تعكس مشاعرهن الايجابية أو السلبية.

4 – لا يشكين من الآم جسدية وقلة النوم والتوتر.

5 – يتناولن ادوية مهدئة.

6 -لا يكترثن لما يحصل حولهن ويكتفين بالقول لقد سلمنا امرنا لله لأنه لا

يصيبكم الا ما كتب الله لكم.

لكن هذه العوارض أو المظاهر لا تعني أن هؤلاء النسوة بخير، قد تلعب الأدوية المهدئة والتسليم بقضاء الله، دورا في تثبيت الهدوء الظاهر، لكن تواصل الحرب بأشكالها المختلفة، قد يؤدي الى طغيان المشاعر السلبية وظهور اعراض مرضية.

ثالثا: الرجال.

يعبر الرجال بالقول إن اولادهم يعطون معني لحياتهم، ومن أجلهم فقط يتمسكون بها من اجل حمايتهم وتأمين احتياجاتهم، ومساعدتهم لتلمس طريق المستقبل بسلام وأفضل الممكن. لا تبدو عليهم مظاهر التوتر، ولا يعانون من آلام جسدية ولا من أية عوارض أخري، قد يكون انغماسهم في الأعمال اليومية ومعظمهم من المزارعين، يساعدهم على النسيان المؤقت لواقعهم المؤلم، ويساعدهم ايضا الجهد الجسدي الذي يبذلونه على تفريغ شحنات التوتر والانفعال.

لكن المقلق فيما يتعلق بهم، هو ما عبروا عنه بشأن معنى حياتهم وربطه بأولادهم وهو ما يشير إلى قلق من نوع آخر، قلق وجودي يظهر خلال الفترات الانتقالية مثل المرحلة التى يعيشونها حاليا، وهو قلق خطير قد يتطور الى ما يعرف بالاكتئاب الوجودي، وتشمل اعراضه الشعور المستمر باليأس وصعوبة ايجاد معنى للحياة، الانشغال الدائم بأسئلة لا اجابات واضحة لها تتعلق بالموت وهدف الحياة.

إن علاج القلق طويل ويمتد إلى حوالي 6 أشهر وربما أكثر في بعض الحالات، لكنه مكلف ماديا وغير مستحب اجتماعيا، لذلك نادرا ما تلجأ له السيدات، لكهن اخترن اسلوبا غير مباشر للعلاج ويتمثل بأندية يمارسن فيها التمارين الرياضية واليوغا، ويلاحظ انتشار هذه الاندية حديثا في مناطق الجنوب. هذه الأنشطة تساعدهن على تفريغ التوتر والسيطرة على انفعالاتهن.

في الخلاصة إن وقف الحرب الاسرائيلية المتواصلة بمختلف اشكالها هو الأمل الوحيد لكل المصابين بالصدمات النفسية نحو استعادة عافيتهم وحياتهم الطبيعية بما لديهم من خبرات سابقة على هذا الصعيد، ومن خلال اصرارهم على البحث عن اساليب تلائم الواقع الاجتماعي سعيا لاستعادة صحتهم النفسية والجسدية.