صحف وآراء مجتمع

عن الموت كخيار سينمائي والجسد المستعاد تحت عين المسيّرة

* بلال خبيز   

لم يعد القتل والموت في حروبنا المعاصرة مجرد واقعة فيزيائية تتصل بنهاية الجسد؛ لقد تحولا، بفعل التقنية، إلى صناعة استعراضية مكتملة الشروط، يُشترط فيها الإخراج والكادر والجمهور لكي تكتسب معناها. وإذا عدنا خطوتين إلى الوراء، إلى اللحظة التأسيسية لسينما الدم مع تنظيم “القاعدة” ثم “داعش”، لا بد أن نلاحظ أن مشهد ذبح “نيكولاس بيرغ” على يد الزرقاوي، أو مشهد إحراق “معاذ الكساسبة” داخل قفصه الحديدي، لم يكن ليحدث بتلك القسوة الطقسية لولا أن الكاميرات تُصوّر، ولولا أن الفيديو معد سلفاً للبث والنشر والانتشار.

كان ذلك “قتلاً سينمائياً” بامتياز، يقوم على ثنائية بصرية صارمة: قاتل يرتدي ثوب كلي القدرة، وضحيّة تُجرد من إنسانيتها لتظهر بلا حول ولا قوة. في تلك اللحظة، جرى إقصاء كل متطلبات الحياة ونثريتها من صورة المقاتلين؛ إذ كفّوا عن كونهم كائنات بشرية تواجه شروط الواقع، ليتحولوا إلى “عارضين” في مسرح الرعب المعولم.

حزب الله، ومعه حماس، طورا هذه الفكرة السينمائية ونقلاها من سياق “القاتل كلي القدرة” إلى سياق المقاتل الأسطوري المعصوم من الضعف البشري. المقاتل المحاصر في مبنى مهدوم، والذي تلتهمه النيران ويواصل إطلاق النار على الجنود الإسرائيليين، لا ينبغي له، بحكم الكتالوج الحزبي، أن يظهر بمظهر العاجز أو الخائف. عليه أن يكون قد قرر سلفا أنه مستعد للموت، كفعل إرادي محض يتحدى الجاذبية وموازين القوى. إنها الاستعادة القصوى للثقافة الانتحارية التي تحول إبادة الكيان وضياع الجغرافيا إلى خلفية باهتة للقطة بطل تراجيدي يرفض الامتثال البشري.

لم تغير التقنية طريقة عرض الموت فقط، بل غيّرت طبيعة الموت نفسه بوصفه حدثاً اجتماعياً. فلم يعد الموت حدثاً معاشاً، بل منتجاً يمكن استهلاكه بالمشاهدة والعرض. فمرة يكون البطل في هذا العرض هو القاتل كما في حال الزرقاوي، ومرة أخرى يكون البطل هو أفعال القاتل كما في حالة الكساسبة، ومرة يكون البطل هو الشهيد. لكن الثابت والذي لا يتغير في هذا الموت الذي نراقبه يومياً، هو الكاميرا. الكاميرا التي باتت الأرواح تزهق من أجل تشغيلها.

إلا أن الجسد، في هشاشته وفيزيائه العارية، يملك دائماً رأياً آخر يخالف المخرجين وسردياتهم المنفوخة. ولعل الصورة المعاكسة الشافية لكل هذه الثقافة الاستعراضية، هي ذلك المشهد للمقاتل الجريح في بنت جبيل. المقاتل الذي نزل عنه مخدر الاستعراض، وما إن رأى المسيرة التقنية الباردة تتجه نحوه ببرود مخبري لتقضي عليه، حتى غطى وجهه بيديه في حركة بدائية تائهة. تلك الحركة البسيطة، حركة اليدين المرفوعتين لصد الموت عن الوجه، كانت اللحظة النثرية الوحيدة التي أفلتت من كادر السينما والمخرج. كانت إعلاناً صارخاً عن خوف الكائن، وعن رغبته الفطرية في البقاء، وعن عبثية المقارعة اللفظية والشعرية مع آلة تكنولوجية فائقة لا ترى في الأبطال سوى “بيانات مرصودة” على شاشة التحكم.

في الخلاصة، يسعى حزب الله بكل قوته وجهازه الإعلامي والطقسي إلى جعل الموت خياراً طوعياً وصنيعة إرادة، لا قدراً محتوماً أو نتيجة طبيعية لهزيمة عسكرية على الأرض. هو يحتاج إلى هذه الهندسة الجنائزية لكي يبقي الموت والدم في خانة الفخر والاعتزاز، وتسييل المشروعية، ويمنعه بكل ما أوتي من بلاغة من الانحدار إلى خانة الخوف والتسليم والمساءلة.

ولكن، عندما تنفض الحشود من الجنازات، وتطفأ الكاميرات التي التقطت حركة النعش، يكتشف المتروكون وسط حطام بيوتهم أن هذا الفخر الذي صُنِع في السينما هو عملة مزيفة لا تضمد جرحاً ولا تبني جداراً. وأن نثرية الحياة، وملل صيانة البقاء اليومي، كانا أولى بالرعاية من شعرية الإبادة التي يُصفق لها الجمهور لثوانٍ على شاشات الهواتف، قبل أن يمرروا الإصبع نحو إعلان تجاري آخر.

مع ذلك لا يمكن القول إن هذا التنقل بين مشاهد القتل والإعلانات، أن المشاهد أصبح بلا مشاعر. ما اختلف بين الأمس واليوم، بالغ الخطورة. الموت أمام الكاميرات ينثر حزناً وخوفاً كبيراً، لكنه يبدو خوفاً أو حزناً موزعاً على كمية هائلة من البشر، لا تربطهم بالمقتول علاقة مباشرة. إنه خوف قصير الأمد لكنه واسع الانتشار. ما يربط المشاهدين ببعضهم البعض في هذه الحال، هو انتمائهم إلى الجنس البشري. الجنس الذي يراد له أن يعاين موته كل يوم. ثم يخرج من هذه المعاينة ليستأنف حياته من حيث انقطعت. طالما لم يصبح بعد هو هدف الكاميرا. والأشد قسوة من هذا الانصراف عن الموت لحظة بث وقائعه، واقع أن هذا الجسد المقصوف بالمسيرات، يموت مئات آلاف المرات. فكل معاودة للبث في أي مكان في العالم وعلى أي جهاز للبث هو تكرار للقتل مرة أخرى، واعتداء على الجسم مرة أخرى. اعتداء حتى الموت. ذلك أن الحروب المصورة غيرت معنى الموت والخسارة والنصر والهزيمة، وباتت هذه كلها تحتاج جمهوراً لكي تكتمل.

* نشرت بتاريخ 5 حزيران 2026 على موقع المدن