سياسة صحف وآراء

سلاح الحزب ليس نفسه سلاح التحرير؟

* ابراهيم حيدر

السلاح الذي يتمسك به “حزب الله” اليوم، لا يؤدي الوظيفة نفسها التي كانت قبل العام 2000، أي قبل تحرير الجنوب وانسحاب الجيش الإسرائيلي إلى ما وراء الحدود. في تلك السنوات كانت المقاومة، وإن تصدّرها الحزب بعد تحييد كل الأطراف الأخرى خصوصاً اليسارية التي أطلقتها عام 1982، تحظى بغطاء سياسي لبناني وحتى طائفي، وتتسلح بشرعية استخدام كل الوسائل المتاحة لطرد الاحتلال من الأرض اللبنانية. تحوّل “حزب الله” خلال عقدين إلى بنية داخل الدولة، ما يعني أن وظيفة سلاحه اختلفت عما كانت عليه، حين أسس قواعد عسكرية وترسانة قتالية كجيش نظامي داخل الدولة، استثمره في التحكم في القرار السياسي من خلال تغطية النظام السوري السابق ودعم المرجعية الإيرانية المفتوح، ليتحول الجنوب بعد العام 2000 إلى منزل للحزب وساحة يحركها متى يشاء ويقرر فيها سلماً وحرباً، أحياناً لحسابات إقليمية وأخرى لإثبات سيطرته أو ما كان يرفعه تحت عنوان بناء “توازن الردع”.

سلاح “حزب الله” اليوم لم يعد يشكل حالة رادعة لإسرائيل، خصوصاً بعد الحرب التي دمرت قرى الجنوب وهجّرت أهله وقضت على القيادات التاريخية في الحزب، واستنزفت قوته وخنقت لبنان، قبل التوصل إلى اتفاق وقف النار في 27 تشرين الثاني 2024 المعروفة بنوده، والتي وافق عليها “حزب الله” ولبنان ونصت على بنود من بينها تسليم السلاح وانسحاب مقاتلي الحزب من جنوب الليطاني.
عكس اتفاق وقف النار الاختلال في موازين القوى، مع استمرار إسرائيل في احتلال النقاط الخمس ومواصلة اعتداءاتها، من دون أي رد من الحزب، لكنه مع ذلك يصر على التمسك بسلاحه الذي أخرج من مقاومة إسرائيل، ولم يعد له وظيفة إقليمية بعد إقفال الخط السوري، فإذا به يرتد إلى الداخل ضد قرار الحكومة حصر السلاح بيد الدولة، ويحوله سلاحاً أهلياً فئوياً، لكنه أيضاً يقدم الذرائع للاحتلال من دون أن يكون في مواجهته، ليتبين بوضوح أن السلاح الذي استخدمته المقاومة ضد احتلال الارض اللبنانية بين العام 1982 والألفين يختلف جذرياً في نوعيته ووظيفته، ويظهر أن التمسك به اليوم هو للتوظيف مجدداً أو استخدامه إذا قررت مرجعية الحزب الإيرانية في معركة إسناد أخرى، قد تكون هذه المرة لدعم طهران في حال تعرضها لحرب إسرائيلية جديدة تطل برأسها على وقع التأزم وانسداد الآفاق في التفاوض بين إيران والولايات المتحدة.
صار السلاح مسألة وجودية لـ”حزب الله”، و”عزنا وشرفنا” للطائفة الشيعية، بلا سؤال عن دوره في التحرير حتى لو كان مصيره الصدأ، بل أدخل مجدداً في جدل صياغة استراتيجية دفاعية وطنية أو ثلاثية “جيش وشعب ومقاومة”. وهذا الشعار يدخل لبنان في آتون أزمات متتالية ولا يسهل للدولة أن تستعيد سيادتها ولا يترك للبنانيين أي هامش للتفكير والعمل على ابتداع طرق وأساليب يمكن أن تتبلور لاحقاً لتحرير الأرض ومنع المشاريع الإسرائيلية التي تستهدف المنطقة الحدودية بالتهجير وتحويلها إلى منطقة عازلة.
والسلاح حين تصبح وظيفته داخلية أو لإسناد مشاريع خارجية، يعني أنه يتعارض حكماً مع المصلحة الوطنية اللبنانية وربما يصبح نقيضها؟

 *نشرت في جريدة النهار بتاريخ 4 ايلول 2025