زكـي طـه
بيروت 9 أيلول 2025 ـ بيروت الحرية
في الاحتفال الذي نظمته القوات اللبنانية في معراب، تكريما لشهدائها، ألقى قائدها الدكتور سمير جعجع خطابًا سياسيًا حاول فيه رسم صورة متكاملة عن مسيرة حزبه ودوره في الحياة الوطنية اللبنانية، وعن موقعه في مواجهة الاحتلالات والوصايات التي وقعت على البلد، ومحاولة تقديم القوات اللبنانية بوصفها الحارس الأمين على مشروع الدولة والشرعية. تضمنت الكلمة الكثير من الاستدعاءات التاريخية والشعارات الوجدانية، التي وردت في سردية “الصمود والانتصار”. لكن التدقيق في معطياتها يكشف ما انطوت عليه من تناقضات بنيوية، ومن فجوات واسعة بين ما يُقال على المنابر وما عايشه اللبنانيون خلال العقود الماضية.
دعاوى الانتصار
أهم ما يلفت الانتباه في الخطاب هو لهجة المنتصر، لأن صاحبه يُصر على أنّ القوات اللبنانية “حققت الانتصار”، وأن أحلام خمسين عامًا تحققت دفعة واحدة. لكن الواقع يشي بعكس ذلك تمامًا، لأن لبنان يرزح تحت السيطرة العسكرية والامنية الاسرائيلية. وبالتزامن مع ذلك لا تزال معضلة سلاح حزب الله تأسر الوضع الراهن جرّاء اصرار الحزب على رفض تسليمه إلى الدولة اللبنانية، خلافاً لقرار الحكومة، ولما وافق عليه في الاتفاق مع العدو. وهذا ما جعل خطاب النصر أقرب إلى صناعة الوهم السياسي، لتعبئة جمهور حزبي، عبر محاولة تحويل الهزيمة التي وقعت على لبنان إلى نصر فئوي.
إنتقائية في قراءة التاريخ
عاد جعجع إلى “البداية قبل خمسين عامًا”، وتحدث عن مسيرة نضالية للقوات اللبنانية في مواجهة التواجد الفلسطيني المسلح، في الجنوب ولبنان ومخيمات اللاجئين، وعن التصدي للوصاية السورية والاحتلال الإسرائيلي، وكأنّها صفحة واحدة من النضال “الوطني” للقوات. لقد تجاهل تمامًا الدور الكبير الذي لعبته القوات التي ولدت من رحم الطائفية السياسية ـ كما الميليشيات الأخرى ـ في تفجير الحرب الأهلية وتغذيتها. وأغفل مساهمتها في تقويض الدولة ومؤسساتها، وفي إدخال لبنان في مسارات دموية من الاقتتال الداخلي والتهجير الطائفي. وغابت أيضاً عن الخطاب النتائج التدميرية لحرب الجبل في ظل قيادته.
وفي السياق يؤكد جعجع أنّ القوات اللبنانية كانت دائمًا في “خط الدولة والسيادة”، أي دولة؟ وأي سيادة؟. إنه الادعاء الذي يتناقض مع نشأة الحزب وتجربته. فالقوات لم تكن يومًا حزبًا سياسيًا سلميًا بالمعنى المتعارف عليه، وإسمها يؤكد حقيقة نشأتها وموقعها الطائفي الذي تصدر عنه، وهي التي فرضت حضورها بقوة السلاح. وخير دليل على مساهمتها، مع خصومها وشركائها، في تفكيك الدولة، وضرب مؤسساتها، وشرعنة منطق القوة والمحاصصة الطائفية للسلطة والمغانم.
نقد حزب الله من موقع الرديف
خصّ جعجع مساحة واسعة من خطابه لنقد حزب الله، معتبرًا أنّه احتكر قرار الحرب والسلم وادخل لبنان في مغامرات انتحارية. في الجوهر، هذا النقد مشروع، لأن الحزب الذي احتكم للمعادلات السياسية والأمنية ومن موقعه الطائفي وبدعم خارجي، نجح في توظيف سلاحه لتحقيق اهدافه، وقد شكل فعلًا حاجزاً اضافياً مانعاً لبناء الدولة. والمشكلة أنّ جعجع يطرح هذا النقد من موقع الرديف الطائفي وليس النقيض، لأن أولويات حزبه لم تتضمن بناء تلك الدولة. ولذلك لم يكن مفاجئاً اغفال التجربة التاريخية للقوات التي لم تقل خطورة عن تجربة حزب الله سواء في تقويض الدولة، والتسبب بويلات اصابت البلد والطائفة في آن. وهذا الذي يجعل الامر نقد الآخرين فاقداً لأي مصداقية عندما لا ينطوي على مراجعة ذاتية.
إنكار المسؤولية التاريخية
غلب على كلمة “الحكيم” الطابع التعبوي والوجداني، من خلال استدعاء الشهداء والقدر والتضحية. وغايته شدّ العصب الحزبي وتعزيز انتماء جمهور القوات قبل الانتخابات النيابية المقبلة. لكنّه، على الصعيد السياسي، لم يقدّم رؤية واضحة لمستقبل لبنان. مكتفيا بترديد شعارات كبرى عن “الدولة الفعلية” و”لبنان الجديد”و…. ولذلك لم يرد في خطاب جعجع أي إشارة إلى مسؤولية القوات اللبنانية عن مآسي الحرب، بما فيها الحرب العبثية بين المسيحيين أنفسهم، ولم يتطرق إلى ما كان من تهجير قسري ومحاصرة مناطق لبنانية، وجرائم ارتكبت. ومع غياب أي شكل من أشكال النقد الذاتي، بات الخطاب غير مقنع، ولا ينطوي على محاولة لمصالحة تاريخية كما يتوهم البعض، بقدر ما هو إعادة إنتاج لرواية أحادية غايتها طمس صفحات سوداء من تاريخ لبنان.
لا رؤية لبناء الدولة
رفع جعجع شعار “رفض الوصاية والتدخلات الخارجية”، وتجاهل أنّ القوات اللبنانية كانت ولا تزال في قلب منظومة العلاقات الخارجية التي حوّلت لبنان إلى ساحة للصراع الإقليمي والدولي، عبر التحالفات المباشرة، أو من خلال التنسيق مع أنظمة عربية وإقليمية. الامر الذي أبقى الخطاب أقرب إلى الحملة الدعائية الفئوية وليس إعلاناً عن برنامج سياسي وطني. فحين تحدث جعجع عن “الدولة الحديثة” و”اللبنان الجديد”، كان كمن يستحضر حلمًا طوباويًا وخيالياً لا مكان فيه لآليات تحقيقه. وهذا ما يطعن بقدرة القوات في أن تكون جزءًا من مشروع بناء دولة مدنية ديمقراطية علمانية، لأنها كانت ولا تزال حزبًا طائفيًا يعتاش ويتجدد على منطق الزبائنية وعبر صراعات المحاصصة؟ و”اتفاق معراب” مع التيار وغيره دليل صارخ. ولذلك أتى الخطاب خالٍ من أي مضمون سياسي وطني حقيقي، اكتفى صاحبه باطلاق الشعارات العامة ولم يطرح أي رؤية إصلاحية عملية.
خطاب الحسابات
لا يمكن فصل خطاب جعجع عن الحسابات الإقليمية والدولية. لقد قدّم نفسه كقوة مواجهة ضد حزب الله وإيران، وهذا ما يجعله مطيّة للضغوط الخارجية التي لا تستهدف حزب الله بقدر ما تستهدف لبنان الوطن ومشروع إعادة بناء الدولة، وكلاهما الآن أسير المشاريع الطائفية والفئوية، من جهة، والشروط والاستهدافات الاسرائيلية من جهة ثانية، والمصالح التي تظلل ضغوط الجهات الخارجية من جهة ثالثة. وللتغطية استخدم “الحكيم” في خطابه النصر والقدَر لاستنهاض جمهوره الداخلي. وكما شكّل الخطاب أداة تعبئة داخلية، فقد كان أيضاً رسالة للخارج بأنّ القوات هي الطرف القادر على مواجهة حزب الله ومعالجة الخلل في توازنات الداخل. وهذه المزاوجة أكدت أنّ أولوية القوات ورئيسها ليست بناء الدولة بل إعادة التموضع في لعبة التوازنات الداخلية والإقليمية في آن.
لقد استند خطاب جعجع للمعادلات الطائفية المنتجة للنزاعات والحروب الاهلية، وفي سياقها تبادل الخدمات مع خصومه وشركائه. أما سرديته في اطار محاولته صياغة هوية راهنة للقوات اللبنانية من موقع “المنتصر” وكأنها “حارس الدولة”، فإنها تنطوي على الكثير من المغالطات التي تطعن بها حقائق التاريخ والحاضر، لأن القوات كانت شريكاً اساسياً في الحرب الاهلية وفي تفكيك الدولة والبلد. أما مخاطبة الحكيم للبنانيين وكأنه “القيم على البلد” و”الوصي على العهد والحكومة” باعتبارهما نتاج مبادرته وجهده؟!، فقد افتقدت للحكمة، لأن ذاكرة اللبنانيين لم تزل طرية وحيّة عما كان وجرى في اثناء الاستحقاق الرئاسي ومشاورات التكليف وتشكيل الحكومة، عدا أن لبنان اليوم يعيش لحظة تحديات مواجهة الهزيمة والانهيار في آن، لا لحظة انتصار.
الخطاب المفقود
في الختام، وفي ظل الأزمات البنيوية المتعددة الاوجه وامام تحديات مواجهة الاحتلال والشروط الاسرائيلية، وتحديات النهوض من الانهيار واعادة الاعمار، لا يحتاج لبنان إلى إعادة تدوير سرديات قوى الحرب الأهلية ومغامراتها الانتحارية، وما تنطوي عليه من انتصارات وهمية، بل إلى خطاب وطني جامع يتجاوز الانقسام الاهلي الطائفي الموروت والمتجدد. المطلوب خطاب يُقرّ بالماضي ويعترف بالمسؤوليات، مدخلاً لوضع أسس بناء دولة ديمقراطية علمانية عادلة، بديلاً عن استعادة روايات انتقائية وظيفتها إعادة انتاج انقسامات اللبنانيين.
ولذلك، فإن التحدي الأكبر الذي يواجهه اللبنانيين يكمن في قدرتهم على الخروج من أسر الاحزاب والسرديات الطائفية، والتوجّه نحو بناء دولة وطنية جامعة. ومن دون ذلك، سيظل لبنان معلقاً على صليب انتظارات اللبنانيين لما سيقرره لهم الخارج، بالاستناد إلى التوازنات الدولية والاقليمية التي انتجتها الحرب الاسرائيلية المفتوحة على المنطقة بقيادة الولايات المتحدة الاميركية. أما خُطب قادة احزاب الطوائف، مهما تعددت لهجاتها وشعاراتها، فهي مجرد أدوات للتعبئة الحزبية، ولتقديم اوراق الاعتماد لدى الخارج.
