صحف وآراء مجتمع

القلق الوجودي الجنوبي والحفاظ على المكانة بسلاح الطائفة!

محمد قدوح

بيروت 14 أيلول 2025 ـ بيروت الحرية

يعيش الجنوبيون اليوم، حال فقدان السيطرة على مصيرهم. لا يجدون وسيلة لحماية أنفسهم سوى السلاح، الذي يرفع لديهم مستوى الشعور بالأمن ازاء الاعتداءات الاسرائيلية المتصاعدة. قد يتم تضخيم الأخطار، وبنفس القدر تتضخم مشاعر العجز والقلق لديهم. يشعرون بأنهم معرضون بشكل دائم للمفاجآت التى تحمل المصائب أو ربما الخير، لكنهم ليسوا اكيدين من أي ضمانات فعلية، ماعدا تلك التى يؤمنها التمسك بالماورائيات والتقرب من الله والأئمة المعصومين والشهداء المقدسين. عندما تستمع الى الأدعية التي يرددونها، يسهل عليك الملاحظة إلى أي حد هي نوع من محاولة مجابهة القلق على المصير.  تشعر بأن لديهم ميل لأنسنة الطبيعية، فيصورنها على غرار الأم الرحوم المعطاء تارة، وعلى صورة الأب القاسي تارة اخرى. أو على غرار صورة الأم التى تمنع العطاء عن ولدها، وهو اشد اشكال القلق الشبيه بقلق الرضيع الذي تركته أمه. قلق الطفل ازاء قصاص الأب القاسي، إنهم يعيشون بشكل نكوصى كل القلق والمخاوف التي عانوها في طفولتهم من حالات احباط أو اهمال، والتي لا تزال موجودة في لا وعيهم كعقاب لهم على ذنب وهمي اقترفوه.

هذا القلق يثير لديهم كل مشاعر العنف التي تصوروها في طفولتهم، وهو عنف بدائي طفولي من دون حدود. إنهم يشعرون بالقهر امام القوة المفرطة للعدو الإسرائيلي، الذي يكرر دائما التهديد بالقتل والإبادة أو الترحيل، ويذكرهم دائما بنموذج غزة. كما يشعرون أيضا بعدم تعاطف الداخل من الخطر الآتي من البعض، منة على الاحتفاظ بحقوقهم ومكانتهم والسيطرة على مصيرهم.  يرفض الجنوبيون الرضوخ والتبعية والوقوع في الدونية كقدر مفروض عليهم، رغم انهم يشعرون بأنهم يعيشون في عالم بلا رحمة او تكافوء اذا ارادوا المواجهة. أو فكروا بالتمرد. حيث يدركون بـأن الرد سيأتي حاسما لقمع تمردهم وحتى أفكارهم التمردية، لأنهم لا يثقون بوعود العدو والتزامه بالاتفاقات، حتى لو أظهرت له الرغبة بالسلام معه كما يحصل في سوريا، فهو يحرص على تغذية عدوانيته باستمرار، في سياق تأكيد اسطورية تفوقه في الإنتاج والعلم والغنى والحرب. لذلك، وبالرغم من أن قسمأ كبيراً من الجنوبيين لم يعد لدية القناعة بجدوى السلاح، وفي الوقت عينه ليس لديهم القناعة بقدرة الدولة على اعادتهم إلى ارضهم وتأمين الحماية لهم. وببساطة يشعرون أنهم باتوا محاصرين من كل الجهات، وأصبحوا بين خيار الموت قتلا أو قهرآ أو ترحيلآ أو مواجهة.

بالطبع لن يكون خيار الجنوبيين الرحيل من أجل السلامة، لأن علاقتهم بالأرض، علاقة وجودية لم تتغير أو تنقطع رغم الاعتداءات الاسرائيلية المتكررة، وتبقى العودة إليها حلما جماعيا ليس فقط لاستعادة المنازل المهدمة والأرض المحروقة، بل لترميم الهوية، وإعادة وصل ما انقطع من النسيج الاجتماعي، وأذكر ما قاله (أبو علي) يوم هجِّر من قريتة: الأرض ستر وغطاء، اذا خرجت منها بانت عورتك مهما لبست من ثياب، وانكشف حالك مهما كان لديك من مال، ومقيم في العراء ولو كنت في قصر واسع. وجودك أصبح مجرد رقم في مجموع المهجرين عن الأرض. لن يكون لوجودك من معنى ولحياتك أي مبرر.

في هذه الحالة لا يقتنع الجنوبيون بالقول إن المرحلة الراهنة ليست مرحلة مقاومة عسكرية، إذ هي مرحلة صمود، لا يعني بالنسبة لهم الاستسلام والاستكانة، بل بقاء القدرات للخروج من حال الانهيار الذى يحاصرهم من كل صوب، وبعد ذلك تعود للكلام عن محاربة اسرائيل.

الحالة العامة بلغت درجة عالية من التوتر الانفعالي والوجودي للحفاظ على استمرار الشعور بالعزة والكرامة. والاعتبار الذاتي أمام أنفسهم وأمام الآخرين. لقد ترسخ لديهم، في تصاعد عدوانية العدو ولا مبالاة الداخل حيال معاناتهم بضرورة المواجهة، حتى لا يتحولوا الى ضحية دائمة ونهائية، ما يعني أنهم يرفضون العودة إلى بدايات التحاقهم بالكيان اللبناني، وهم يمتلكون ما يكفي من القدرات المتنوعة التى تؤهلهم للمحافظة على مكانتهم وقيمتهم ودورهم.

لذلك يمكن القول إنه حتى اللحظة الراهنة يصعب الرهان على ولادة تيار جنوبي بإمكانه أن يحدث تغييراً في المزاج العام، لأن الغالبية منهم تشعر بأنها امام خيار الموت الفعلي أو الرمزي المتمثل في الاقتلاع من الأرض و المواجهة اليائسة.