د. بول طبر
في الآونة الأخيرة، ارتفعت بعض الأصوات تنادي مجدداً بالدولة الفيدرالية في وجه الخلافات والنزاعات بين الأطراف والأحزاب الطائفية السائدة في لبنان. نعالج في هذه المقالة هذا الموضوع ونسعى لتبيان تهافت هذا الطرح وضرورة تجاوز الدولة الطائفية بشكليها “الميثاقي” و”الفيدرالي”.
ينقسم أصحاب المنظور الطائفي في التعاطي مع كيفية إدارة السلطة السياسية والشأن العام في لبنان إلى مجموعتين أساسيتين: الأولى تطالب بدولة “ميثاقية”، يتم بموجبها تأمين التمثيل السياسي لجميع المكونات الطائفية في لبنان، ولو اختلفوا على نسب وحجم التمثيل المعني، وهم على أي حال، على خلاف دائم حول هذا الموضوع. والقسم الآخر يطالب بصيغة فيدرالية تضمن استقلالية كل مكوّن من المكونات الطائفية الأساسية في لبنان وتوفر له القدرة على إدارة شؤون الطائفة بصورة لا تخضع لأي إرادة من خارج هذا المكوَّن.
الطرح الميثاقي أثبت بالتجربة أنه “نظام حروب أهلية”، أي أنه نظام يؤدي إلى نشوب دوري للإقتتال الطائفي الأهلي ما بين اللبنانيين، وذلك بسبب تحديد حقوق وواجبات الفرد اللبناني من منظور الهوية الطائفية التي ينتمي إليها، واعتبار هذه الحقوق والواجبات المحدَّدة مذهبياً، هي المفتاح لحل جميع المشاكل التي تواجه هذا الفرد والجماعة التي ينتمي إليها. على هذا الأساس، تسْتولد دولة الحقوق والواجبات المتفاوتة للطوائف “رأسمالاً سياسياً واجتماعياً يتبارى زعماء الطوائف على تعْيين خصائصه، بما ينسجم مع زيادة نفوذهم وقدرتهم على توفير الخدمات الفردية والأهلية لمن يقدم لهم الولاء والطاعة، وعلى مراكمة هذا الرأسمال وزيادة “سعر الصرف” تجاه الرساميل الطائفية المنافسة له، أي درجة نفوذه كشرط ضروري لتقليص دوائر نفوذ زعماء الطوائف الأخرى والمنافع التي يتمتعون بها، الأمر الذي يولد المناخ الملائم لنشوب حروب أهلية باردة وساخنة بين الطوائف.
أما الطرح الفيدرالي الذي يدعو إلى إعطاء الحق لكل طائفة في أن تدير شؤونها الذاتية بصورة مستقلة عن الطوائف الأخرى، فإن أصحاب هذا الطرح يعتقدون بأن الصيغة الفيدرالية هي الحل الأفضل لحكم وإدارة التنوع المذهبي في لبنان. وعندما ندقق في هذا الطرح تظهر لنا جلياً المشاكل التي تلازم هذه الصيغة في إدارة التنوع المذهبي والصعوبات التي قد تنتج عن تطبيقه.
فهناك أولاً مشكلة الأقليات المذهبية التي لا ترتقي عددياً في أحسن تقدير إلى مستوى يبرر مطالبتها بكيان سياسي مستقل ضمن الصيغة الفيدرالية المقترحة (كالطائفة العلوية وغيرها). وثانياً، يواجه هذا الحل صعوبة التعاطي مع انتشار ابناء بعض الطوائف الكبيرة عددياً (كالموارنة والدروز والسنة والشيعة) على بقع جغرافية منفصلة عن مكان تواجدهم الطاغي عددياُ، ومتداخلة مع أمكنة حيث تتواجد أكثرية عددية من طوائف أخرى.
ومع ذلك، ليس صحيحاً القول إن جميع النزاعات الطائفية تبدأ دائماً لأسباب تتعلق بالصراع ما بين ممثلي الطوائف سياسياً واجتماعياً ومذهبياً. فالنزاع الطائفي يكون أحياناً ذي مصدر لا علاقة له بالعوامل الطائفية البحتة، ولا بديناميكية علاقات الصراع فيما بين الجماعات الطائفية. وإنما الذي يحصل في هذه الحالة هو استدعاء الخلافات الطائفية من قبل المعنيين لتغييب السبب الفعلي الذي يقف وراء النزاع المندلع. فقد تكون المشكلة التي تطال أبناء الطوائف لها علاقة بقصور صادر عن القوى السياسية التي تدعي تمثيل مصالحهم، فتلجأ هذه القوى بالذات إلى استحضار العامل الطائفي والخصومات الطائفية بصفتها سبباً لما يعاني منه أبناء طوائفها من مشاكل وأزمات معيشية وغيرها. ففي الوقت الذي تكون فيه العوامل المسببة لمشكلة أو أزمة ما، هي أسباب تخص سلوك الزعيم أو القائد السياسي في الطائفة التي يدعي تمثيل “مصالحها”، يقوم هذا “الزعيم” أو الحزب، مدفوعاً بدواعي تضليلية، بتنسيب أسباب تلك المشكلة إلى الخصم السياسي-الطائفي المواجه. والأمثلة الشاهدة على ذلك كثيرة ومتنوعة، نذكر منها على سبيل المثال، إرجاع قوى 8 آذار، أسباب مديونية الدولة اللبنانية بالكامل إلى القرارات التي اتخذها رئيس الوزراء السني. وكذلك ادعاء، ميشال عون، رئيس الجمهورية ومؤسس التيار العوني، أن عدم قدرته على تقديم الحلول للعديد من المشاكل التي عانى منها “الشعب” اللبناني خلال سنوات وجوده في سدة الرئاسة (2016-2022) تعود إلى انتقاص صلاحيات رئيس الجمهورية الماروني على يد رئيس الوزراء السني ورئيس مجلس النواب الشيعي.
غير أن الإقرار بوجود هذا النوع من النزاعات لا يلغي النزاعات الطائفية بالذات. فالطائفية بصفتها رأسمال سياسي واجتماعي تشكل حقلاً من علاقات القوة يتموضع فيه أبناء الطائفة، كل بحسب حجم “الرأسمال الطائفي السياسي والإجتماعي” الذي يمتلكه. وبسبب تعدد الرساميل الطائفية وتنازع ممثلي هذه الرساميل لزيادة نفوذهم والمكتسبات المتنوعة المستمدة من تلك النفوذ، يتشكل ما يمكن أى نطلق عليه إسم “حقل السلطة الطائفية” والذي يتم بموجبه إرساء ميزان القوى بين ممثلي الطوائف، متجسداً ومكرَّساً بالنظام السياسي القائم وممثلي السلطة في مرحلة زمنية محددة. وحقل السلطة الطائفية هذا هو حقل نزاع وصراعات “ساخنة وباردة” بحسب درجة سخونة هذه الصراعات وأهمية الرهانات المعقودة من قبل الأطراف المتنازَعة.
في ضؤ هذا التحليل، هل من الممكن أن ينجح نظام فيدرالية الطوائف في منع النزاع بين الطوائف، لا سيما فيما يتعلق بالمساحات المشتركة (المؤسسات والقوانين والسياسيات الفيدرالية العابرة للكيانات الطائفية)؟ أما بالنسبة إلى الحكم الخاص بكل كيان طائفي، فيجب الإقرار بأن صيغة الحكم الذاتي لكل طائفة تستحضر تحديات من نوع آخر لا تقدم بالضرورة الصيغة الفيدرالية للبنان حلولاً لها. وعلى رأس هذه التحديات والنزاعات التي تستولدها هذه الصيغة، الصراع بين أبناء الطائفة على التمثيل السياسي والإجتماعي للطائفة، والإبقاء على اعتماد القيم والمعايير المذهبية في تنظيم وشرْعنة العلاقات والسلوك السياسي والإجتماعي. وأخيراً وليس آخراً، ما هي تداعيات النظام الإقتصادي المعتمد (أو الحقل الإقتصادي) داخل كل “ولاية” طائفية، وما هي الأسس التي يتم بموجبها توزيع الرأسمال الإقتصادي على الفئات الطبقية في وسط كل طائفة؟
أمام المشاكل التي ولدتها ولا تزال الصيغة الميثاقية للدولة، والتحديات التي ستواجه الصيغة الفيدرالية المقترحة، أوليس الأجدى أن نتجاوز النظام الطائفي بالتدرج تجنباً للصراعات والحروب “الأهلية”، ونسعي بدلاً منه لبناء دولة المواطنة والمساواة والعمل على تأمين العدالة الإجتماعية والإقتصاد المنتج؟ سؤال لا يزال مطروحاً منذ نشؤ لبنان الكبير، وقد أصبح أكثر إلحاحأ في العقود الأخيرة من تاريخ لبنان الحديث؟
