لا يمكن فهم حروب الشرق الأوسط، إلى أين ستصل أو إلى ماذا ستفضي، فلا هي ستؤدي إلى سلام حاسم، ولا ستنتج انتصاراً كاسحاً. صراع يعيد انتاج نفسه وإن تبدلت هويات المحاربين، أو كأن الحروب جزء من نظام المنطقة، أو كأن الأنظمة تولد من الحروب. والانتصارات مجرّد أوهام، لكنها تُمجّد يومياً عند الإسرائيلي وعند بعض العرب والإيرانيين، وكذا أحلام السلام لها من يمجدها. لكن في الواقع، يعيش الناس حياة معلّقة. مرهونون للتصريحات الكونية والحروب. والتجارب تقول إننا بين سلام هش ومخلخل له ثمنه القاسي، وحروب أشد قسوة.
لا أفق للحروب المستعرة، وعمليات السلام لا تبشر بالخير، والجمهور يلهو بتعابير مفاوضات مباشرة أو غير مباشرة. ويبدو بالنسبة للبعض في لبنان أن “لا صوت يعلو فوق صوت التخوين”، مع أن أدوات الردع لم تجلب إلا الدمار المديد والممنهج. والناس لم يعد لديهم إلا الذكريات وما تبقى من صور. أما جنى العمر فذهب بكبسة زر.
المحنة أن لبنان، الحلقة الأكثر تعقيداً في خضم الصراع، مع كثرة طباخي السياسة والولاءات والأفكار، من مضيق هرمز إلى باب المندب، ومن طهران إلى واشنطن وتل أبيب، ومن باريس إلى الرياض، من حارة حريك إلى السراي الحكومة ومن بعبدا إلى عين التينة، إنها لعنة الشرق الأوسط، لعنة بلاد على ضفة المتوسط.
لم ننج يوماً من شبح الحروب، وتجارب السلام كثيراً ما كانت فصلاً تراجيدياً. في مصر بعد اتفاق كامب ديفيد، اغتيل أنور السادات العام 1981، في اليوم الذي اعتبره يوم انتصاره على الجيش الإسرائيلي. كان السادات أول رئيس عربي يعقد سلاماً مع إسرائيل قبل عامين من اغتياله، وهو القرار الذي أثار غضب العديد من المصريين والعرب وأدى إلى تظاهرات عنيفة وكثيرة. سقط السادات من منصّة العرض. معاهدة السلام لم تسقط معه، إنما سقط دور مصر الإقليمي والعربي، وجاء الشاعر أحمد فؤاد نجم ليقول “ربحنا سينا وخسرنا مصر”.
في لبنان البلد المعقّد، الذي تحمّل عبء حروب الشرق الأوسط على مدى عقود، لطالما كان السلام عقدة العقد، ولطالما كان الشعار “لبنان آخِر مَن يوقع”، ولطالما كانت الانتصارات فيه موجهة إلى سياسة الداخل ولعبة الحكم. يوم تجرأ بشير الجميل على الترويج للسلام مع إسرائيل، اغتيل قبل أن يوقّع، كان يدرك أنه أمام محنة صعبة بسبب التداخلات والسياسات الكثيرة والجماعات في البلد الصغير. في 9 أيلول 1982 عُقد اجتماع مناحيم بيغن وبشير الجميل في مدينة نهاريا شمالي إسرائيل، وشاركهم كُلّ من شارون وقائد ميليشيات “الكتائب” فادي أفرام. وبحسب مذكرات شارون، كان الاجتماع عاصفاً بين بيغن والجميل، بسبب اقتراح الأخير تأجيل التوقيع على معاهدة “صلح وسلام” مع إسرائيل، إلى حين توافر المعطيات وفقاً للأوضاع السياسية في لبنان، واقترح بدلاً من ذلك عقد اتفاق “عدم اعتداء”، مما أثار غضب بيغن ودفعه للصراخ في وجه الجميل، ووصلت المشاحنة بينهما إلى حد الإهانة الشخصية، وهي ما سمّاها أمين الجميل أخيراً بـ”الوقاحة”. وبعد أيام قليلة، اغتيل بشير الجميل.
ولم تتوقف الأمور هنا، اتفاق 17 أيار 1983 هو “معاهدة سلام” بين لبنان وإسرائيل، وُقّعت تحت إشراف أميركي لإنهاء احتلال بيروت. سقط الاتفاق فعلياً قبل إلغائه رسمياً في 5 آذار 1984، نتيجة ضغوط سورية أسدية، وحركة 6 شباط (نبيه بري، وليد جنبلاط، سليمان فرنجية الجد، ورهط من الميليشيات)، وحرب الجبل وتهجير المسيحيين، مما أضعف عهد أمين الجميل وجعله يتراجع عن إبرامه بمرسوم رئاسي.
في زمن مفاوضات مدريد في بداية التسعينيات، كان لبنان على وقع مسارين. تحول الجنوب ساحةً في خدمة النظام السوري، فكلما تعثرت المفاوضات، لجأ حافظ الأسد إلى العمليات العسكرية من خلال أدواته. في العملية الدبلوماسية، اتبع لبنان السياسة السورية القائمة على شعار “وحدة المسار والمصير”، وكان الأسد على وقع المهادنة، همّه استمرار سلطته لا تحرير الجولان. في أحسن الأحوال، كان يبحث عن مخارج للهروب من توقيع اتفاق سلام، وإسرائيل في أبسط الأحوال كانت تبحث عن حجة لشن حروب جديدة ضمن منطق “أنا أحارب إذن أنا موجود”. وفي 4 تشرين الثاني 1995، اغتيل إسحاق رابين، برصاص متطرف يهودي خلال مشاركته في تجمع جماهيري مؤيد للسلام. جاء الاغتيال بعد أشهر من توقيع اتفاقيات أوسلو بين إسرائيل ومنظمة التحرير الفلسطينية، التي وافق بموجبها رابين على إعادة أجزاء من الأراضي المحتلة العام 1967 مقابل سلام دائم مع الفلسطينيين. ولم تمض سنوات حتى مات ياسر عرفات بطريقة غامضة.
عداء الطرفين بلغ المغالاة. ثمة قضية معقدة، إلهية في جزء منها، صراع على أرض مقدسة، أو صراع تدخل فيه ذهنيات تؤمن بالمقدس والغيب. تراجع دعاة السلام في إسرائيل مع صعود الصهيوني الأصيل بنيامين نتنياهو، وتراجعت حركة فتح، وصعد نجم الجماعات المسلحة الإسلامية المؤدلجة. دخلنا في متاهة أكثر تعقيداً وحروب لا تنتهي. والد نتنياهو، هو المؤرخ بنزيون نتنياهو الذي كان ينتمي للتيار “التنقيحي” المتطرف بقيادة زئيف جابوتنسكي. هذا التيار لا يؤمن بالتسوية، بل يرى الصراع حرباً أبدية لإقامة “أرض إسرائيل الكبرى” من خلال “الجدار الحديدي”، وهي عقيدة أمنية وسياسية صاغها جابوتنسكي العام 1923، تدعو إلى فرض المشروع الصهيوني بقوة عسكرية ساحقة لا يمكن اختراقها، تجبر الفلسطينيين على اليأس من المقاومة والقبول بالأمر الواقع، كشرط لأي تفاوض مستقبلي.
لا نريد الكلام عن نتنياهو وكيفية صعود، لكن نتنياهو، باختصار، لديه قناعة بأن البقاء يُكتب بالقوة العسكرية فقط، وأن السِّلم لا يورث إلا الفناء. في المقابل، كان خطاب المعادين لإسرائيل على مبدأ لا اعتراف بها، والصراع ضدها صراع وجود. وجد نتنياهو في عملية 7 أكتوبر2023، فرصة تاريخية لتسويق أحلامه وخرائطه وممراته وانتصاراته وحربه على سبع جبهات. وذلك مع إدراكه بأن إسرائيل تخوض حروباً منذ أكثر من سبعين عاماً، ومع ذلك، لم يترسخ أمنها. نتنياهو لا يتوقف عن الحروب والانتصارات، والجماعات التي تواجه إسرائيل لا تتوقف عن الانتصارات. والنتيجة، انتصارات متبادلة، على وقع الدعوات لمفاوضات سلام وتهديدات بالقتل للرؤساء في لبنان، والتخوين الممنهج. انتصارات لا تصنع إلا الدمار المديد والتصدع الاجتماعي والعداء الأبدي.
* نشرت بتاريخ 1 آيار 2026 على موقع المدن
