مجتمع

تفاعل الحراك الطالبي في القطاعين ضمانة تحقيق نجاحه

كتبت جويل عبد العال

رغم حال التعبئة العامة التي لفت البلاد في الأسبوعين الماضيين، الا أن الجامعات الخاصّة في لبنان شهدت قبلاً تحرّكات طالبية إن على صعيد الانتخابات والحملات الانتخابية التي يقوم بها الطلاب في سعيهم لممارسة الديمقراطية وتمثيل المستقلين/ات في المجالس والهيئات الطالبية، أو عبر التحرّكات المطلبية الاخيرة رفضًا لـ “دولرة الأقساط”، وهو ما كانت دعت إليه شبكة “مدى” الشبابية، والتي تضم أربع أندية علمانية في الجامعات الخاصة في لبنان، بالإضافة إلى النوادي العلمانية، ومجموعات مستقلّة من مختلف الجامعات في لبنان، وتكتل طلاب الجامعة اللبنانية، وقد أتت لافتاتهم المطلبية لتؤكّد أنّ “التعليم حق وليس سلعة وليس امتيازاً”، رافضين دفع فرق سعر الصرف على سعر 3900 ليرة لبنانية لكل دولار أميركي، معتبرين أنّ “الأقساط يجب أن تُسعَّر بالليرة اللبنانية”، داعين إلى “تعزيز دور الجامعة اللبنانية واستقلاليتها”. وقد شهدت شوارع العاصمة بيروت خلال هذه التحركات اشتباكات عنيفة بين مجموعات طلاب/ات لبنان، والعناصر الامنية والعسكرية، تعرض خلالها الطلاب/ات إلى ضرب بالهراوات وإلقاء القنابل المسيّلة للدموع عليهم ، لدى محاولتهم اقتحام باب الجامعة الاميركية في بيروت. وعليه، فقد تحوّلت مداخل الجامعة الاميركية إلى ما يشبه الثكنة العسكريّة بعدما تمّ استقدامها من قبل رئيس الجامعة فضلو خوري وكافّة المتوافقين ضد المطالب الطالبيّة المحقّة. ما ذكرَّ الكثيرين بمشهد التحركات المطلبية التي نفّذتها الحركة الطلابية في سنوات السبعينيات.

وفي حين يحاول طلاب الجامعات الخاصّة خوض معركتهم ضد سياسة أقل ما يقال فيها أنها تدفع بأعداد كبيرة منهم إلى العجز عن دفع الأقساط، وبالتالي إكمال دراساتهم.  يبقى السؤال المطروح في ظلّ كل هذه الازمات التي يمرّ فيها البلد وتنعكس على القطاع التعليمي، أين الجامعة اللبنانية من كلّ هذه المعاناة؟ أو ليس لطلابها وطالباتها أيضاً صوت يعبّر عن الواقع الذي تعيشه الجامعة اللبنانية، وهي الجامعة الوطنيّة التي يجب الحرص على دورها وصمودها واستمراريّتها؟

أيّ تحرّكات طالبية مطلبية لا يكون طلاب الجامعة اللبنانية في مقدّمتها لا يعوّل كثيراً عليها بالتغيير. فاستثناء اهمية الجامعة اللبنانية لن يكون الا خدمة للسلطة الطوائفية الحاكمة، التي لطالما أمعنت بأحزابها الطائفية مجتمعة في تهميش دور الجامعة اللبنانية، وذلك خدمةً لاستثماراتهم في قطاع التعليم الخاص وفي دكاكينهم وبوتيكاتهم الطائفية. والمؤكد أن محاولة اختزال الأزمة الاقتصادية ومرحلة التعليم العالي في القطاع الخاص  بمثابة تزوير فاضح، فالحقيقة أنّ لا حلّ لهذه الأزمة الّا من خلال تعزيز التعليم العالي الرسمي، خصوصاً في ظلّ استمرار الجامعات الخاصّة في تسليع التعليم. وهو تسليع ليس بجديد، بل هو سياسة تاريخيّة معتمدة لدى الجامعات الخاصّة، ومثل هذا الأمر عمّق الأزمة في الجامعة اللبنانية أكثر مع الوقت، لاسيما بعد أن أنشأت كل واحدة من طوائف لبنان جامعة وأكثر، واعتبرت في الوقت نفسه أن لها حصة كسواها في تعيينات الجامعة اللبنانية، يجب أن تحصل عليها بصرف النظر عن الحاجة والكفاءة والضرورة.

إنّ العمل الطلابي النضالي اليوم يجب ألا ينحصر في الجامعات الخاصّة فقط، أو في الجامعة اللبنانية وحدها، فمن أجل الوصول إلى تعليم يحقق تكافوء الفرص أمام  كل الطبقات والشرائح المجتمعية، لا بد من  العمل على ايجاد حلول متساوية عادلة ومتوازية فيما بينها، والعمل على القطاعين من دون التركيز على قطاع دون الآخر. وهو ما يتطلب في المقام الأول البدء بسياسة علمية مدروسة تعتمد وضع ضوابط أكاديمية واقتصادية صارمة على التعليم العالي الخاص. ولا بد أن تبدأ هذه من وضع الضوابط اللازمة بما يحد ويقلص من أعداد الجامعات الخاصّة التي بات الكثير منها مجرد مزارع تعليمية توزع الشهادات على نحو عشوائي، بحيث تسحب التراخيص من بعضها التي لا تستوفي الشروط المطلوبة، وهي كثيرة تبدأ من الأستاذ الجامعي الكفوء وتمر على التجهيزات التقنية والمكتبات وتصل إلى البحث العلمي، بدل نسخ وتصوير المقررات التي يضعها أساتذة الجامعات الأجنبية والعربية والوطنية العريقة، بالاضافة إلى مراقبة وضبط الاقساط المفروضة على الطلاب، بدل أن تترك الحبل على غاربه لمضاعفته متى تشاء.

 إلى ذلك وكي تستقيم الأمور لا بد من النضال والمطالبة بتعزيز دور الجامعة اللبنانية من خلال تعزيز ميزانيتها، وإعادة النظر في توزيع هذه الميزاينة وترتيب الانفاق بحسب أولويّات تتوجه أولاً نحو مصلحة الطلاب/ات وتعمل على تأمين حاجاتهم. وبديهي القول إن ذلك يشمل بناء المجمعات الجامعية في المحافظات بدل سياسة التفريع العشوائي إرضاءً للمرجعيات الطائفية – السياسية. ومن الأساسي أيضاً تعزيز أوضاع الأساتذة المتعاقدين بالساعة وإدخال المستحقين منهم إلى ملاكات الجامعة بعيداً عن المحاصصات التي تتم “هندستها ” وحساباتها في المكاتب التربوية للاحزاب – الطوائف. وكذلك منح الحقوق المستحقة للجهاز الإداري بما يقتضي إدخالهم إلى الملاك الوظيفي وتأمين حقوقهم بالترقيات وغيرها من مطالب باتت معروفة للقاصي والداني من أهل الجامعة.

  إذًا، فإنّ للجامعة اللبنانية اليوم دور كبير مطلوب القيام به والنهوض بأعبائه في مناخ التحرّكات المطلبيّة يترتّب على فئاتها وأهلها، وقد بادر الأساتذة المستقلون المتفرغون وفي الملاك إلى إثبات حضورهم من خلال انتخابات مجلس مندوبي الأساتذة المتفرغين بعد أن كانت عملية  توزيع المقاعد حكراً بتفاهمات بين أحزاب السلطة. إن انتقال هذا الحضور إلى الصعيد الطالبي من شأنه أن يطرح مهمة  تعزيز التعليم في القطاع العام توازياً مع التعليم في القطاع الخاص والتعليم في الخارج، حيث “يقاتل” الأهالي من أجل ضمان تحويل الدولارات الطالبية لأبنائهم، بينما تمتنع المصارف عن تنفيذ القانون الذي جرى إقراره وتوقيعه بعد جهد ومعاناة كبيرين. إن قيام الجامعة اللبنانية بدورها في المجتمع اللبناني هو ضمانة منع بقاء التعليم العالي الجيد حكراً على فئة ميسورة من الطلاب دون غيرهم، وذلك لا يتحقّق إلّا من خلال حركة طالبية مطلبيّة موحدة يكون فيها طلاب وطالبات الجامعة اللبنانية جزءاً أساسيّاً منها يرفعون فيها شعاراتهم ويطرحون مطالبهم الخاصّة حول قضيّة الجامعة الوطنية. وفي الوقت نفسه يطرح زملاؤهم في التعليم الخاص مطالبهم التي يتحركون من أجلها، ما يشكل مدخلاً لتوحيد الحراك الطالبي في مجرى نضالي موحد يصب في المحصلة باستعادة التعليم العالي ولبنان دوره المميز في داخله ومحيطه.

Leave a Comment