سياسة مجتمع

 حين يصبح البرلمان مرآة لأزمة البلد المستعصية

* بيروت الحرية

لم تكن جلسة اليومين في مجلس النواب مجرد مناسبة لمساءلة الحكومة، ولا تكمن أهميتها في النتيجة التي انتهت إليها بتجديد الثقة بها. الأهم أنها قدمت، ربما من دون أن يقصد أصحابها، صورة شديدة الوضوح عن المأزق الذي وصل إليه لبنان: بلد يتعرض للعدوان، وأرض ما زالت تحت الاحتلال، وقرى تدمر، وأهل مهجرون ينتظرون العودة والإعمار، واقتصاد ومؤسسات لم يخرجا من أزمتيهما، فيما تكاد السياسة تختزل بتبادل الاتهامات وتبرئة الذات وتحميل الآخرين المسؤولية.

أكثر من خلاف على الحكومة

ما ظهر في المجلس ليس مجرد انقسام بين مؤيد للحكومة ومعارض لها. الخلاف أعمق من ذلك بكثير. إنه خلاف على معنى الدولة نفسها، وعلى مصدر القرار الوطني، وعلى موقع لبنان في صراعات المنطقة، وعلى مفهوم السيادة، وعلى العلاقة بالخارج، بل وعلى تعريف المصلحة الوطنية اللبنانية.

فريق يرى أن استعادة الدولة تبدأ بحصرية السلاح والقرار، ويحمّل حزب الله مسؤولية جرّ لبنان إلى حروب لم تقررها مؤسساته. وفريق آخر يحمّل الحكومة مسؤولية العجز عن وقف العدوان واستعادة الأرض والأسرى، ويرى في سياساتها ومفاوضاتها تفريطاً بعناصر القوة وخضوعاً للضغوط الخارجية.

وبينهما تتعدد المواقع والاصطفافات، لكن السؤال الذي غاب وسط الضجيج بقي هو الأهم:

كيف يحمي لبنان نفسه ومجتمعه ودولته في هذه اللحظة المصيرية؟

الجميع يتساءل… فمن يتحمل المسؤولية؟

للمجلس النيابي أن يحاسب الحكومة، فهذا من صلب وظيفته. وللحكومة أن تدافع عن أدائها وأن تقر بعجزها حيث عجزت.

لكن المفارقة أن معظم القوى التي تولت مهمة المساءلة ليست قوى وافدة حديثاً إلى الحياة السياسية. إنها، بدرجات متفاوتة، جزء من النظام الذي حكم البلد وأدار مؤسساته وعقد تسوياته ومحصصاته وراكم أزماته.

ومن هنا يصبح مشهد تبادل المسؤوليات كاشفاً لأزمة أكبر: كل طرف يعرف جيداً كيف يحدد مسؤولية الآخر، فيما يصبح الاعتراف بمسؤوليته هو أكثر الأمور ندرة.

حزب الله لا يستطيع مطالبة الدولة وحدها بتحمل نتائج حرب لم تكن الدولة صاحبة قرار خوضها. وفي المقابل، لا تستطيع الحكومة والقوى المؤيدة لها استخدام مسؤولية الحزب عن خياراته ذريعة لتجاهل مسؤوليتها الحالية عن حماية المواطنين ومواجهة العدوان، وتأمين شروط العودة والإعمار والدفاع عن المصالح اللبنانية في المفاوضات.

وكذلك لا تستطيع القوى التي شاركت طوال عقود في إدارة النظام ومحاصصاته أن تقدم نفسها اليوم باعتبارها مجرد مراقب يحاسب الآخرين.

الثقة لا تحل الأزمة

خرجت الحكومة من المجلس بثقة نيابية متجددة. لكن الثقة البرلمانية شيء، والثقة بقدرة الدولة والنظام السياسي على إخراج لبنان من مأزقه شيء آخر.

فالاقتراع لم يوقف العدوان، ولم يُعد المهجرين إلى قراهم، ولم يحسم قضية السلاح، ولم يعالج الأزمة الاقتصادية والاجتماعية، ولم ينتج توافقاً وطنياً حول كيفية حماية لبنان في مرحلة إقليمية شديدة الخطورة، بل إن الجلسة أكدت أن الانقسام السياسي ما زال أعمق من قدرة المؤسسات، بصيغتها الراهنة، على إنتاج سياسة وطنية مشتركة.

والأخطر أن القوى اللبنانية المختلفة ما زالت، بدرجات وصيغ مختلفة، تنظر إلى الخارج بوصفه عنصراً أساسياً في تعديل موازين القوى الداخلية. هنا رهان على الولايات المتحدة والدعم الدولي، وهناك ارتباط بحسابات إيران ومحورها، فيما تتراجع القدرة على إنتاج موقع لبناني مستقل ينطلق من المصلحة الوطنية أولاً.

إسرائيل أمام بلد منقسم

وهنا تكمن المسألة التي ينبغي ألا تضيع وسط السجالات. إسرائيل لا تواجه لبنان كما يتخيله المتخاصمون في خطاباتهم. إنها تواجه بلداً منقسماً على تعريف الخطر، وعلى قرار الحرب والسلم، وعلى السلاح، وعلى التفاوض، وعلى علاقته بالخارج، فيما تواصل اعتداءاتها وتستثمر في ضعف الدولة والانقسام الداخلي.

ولذلك فإن أسوأ ما يمكن أن يفعله اللبنانيون هو تحويل خلافاتهم إلى عناصر قوة مجانية لعدو يملك أصلاً تفوقاً عسكرياً وسياسياً كبيراً.

ولا تعني الوحدة الوطنية إلغاء الاختلاف أو تعطيل المساءلة. على العكس، لا دولة من دون مساءلة، ولا سياسة من دون اختلاف. لكنها تعني وجود حد أدنى مشترك لا يصبح معه الخصم الداخلي عدواً، ولا يصبح الخارج مرجعاً لحسم النزاعات الداخلية.

أزمة سياسة لا أزمة جلسة

لهذا ربما كان الخطأ اختزال ما حدث بالقول إن البرلمان شهد يومين من الصخب والتهريج.

المشهد أخطر من ذلك. ما جرى كشف أزمة سياسة ونظام وتمثيل: مؤسسات تعمل، وحكومة تنال الثقة، وبرلمان يجتمع ويناقش، لكن البلد يفتقد في اللحظة الأكثر خطورة إلى الحد الأدنى من المشروع الوطني المشترك.

وهذا هو المأزق الحقيقي. فلبنان لا يحتاج فقط إلى حكومة أكثر قدرة، ولا إلى معارضة أعلى صوتاً، ولا إلى فريق ينتصر في السجال على فريق آخر. إنه يحتاج إلى استعادة السياسة من منطق الطوائف والمحاور والرهانات الخارجية، وإلى إعادة بناء معنى المصلحة الوطنية بوصفها مرجعية تعلو على مصالح القوى والجماعات.

قد تكون جلسة اليومين قد انتهت بتجديد الثقة بالحكومة، لكنها لم تقدم سبباً كافياً للثقة بأن النظام السياسي، بقواه وآلياته وانقساماته الراهنة، أصبح قادراً على مواجهة الأخطار التي تهدد البلد.

وتلك، ربما، كانت الخلاصة الأكثر قسوة التي خرجت بها الجلسة.

بيروت 18 ايلول 2026