سياسة صحف وآراء

النظام الإيراني على مفترق طرق

* ماجد كيالي

بغضّ النظر عن استمرار الحركات الشعبية في إيران، أو توقّفها، في المدى الزمني الراهن، فإن هذه الدولة دخلت في أزمة داخلية، سياسية واقتصادية، وفي أزمة تتعلق بتضعضع مكانتها الخارجية، وتقويض دورها الإقليمي، وتآكل صورتها عن ذاتها، بمعنى أنها أزمة ذات مفاعيل، وتداعيات، أعمق وأقوى وأشمل من سابقاتها.

ما يميّز الأزمة الحالية أنها تحصل مع انكسار سياسي في الخارج، إلى جانب تزعزع الوضع الداخلي، بين السلطة والشعب، وذلك مع انهيار قوة النظام الخارجية، المتمثلة بأذرعه الميليشيوية الطائفية، التي كانت تشكل فائض قوة له في تعزيز هيمنته في الداخل، أيضاً.

يأتي ضمن ذلك اختفاء ما كان يعرف بمحور “المقاومة والممانعة”، مع تقويض قدرات “حزب الله” في لبنان، وانهيار نظام الأسد، وتقليم أظافر فصائل “الحشد الشعبي” في العراق، و”الحوثيين” في اليمن، أي أن كل الموارد، التي صبّها ذلك النظام في هذا الاستثمار السياسي، على حساب شعب إيران، على مدار عقدين وأكثر، تبددت، أو ذهبت هباء.

الميزة الأخرى، أن ذلك الاستثمار السياسي لم يتكشّف عن خسارة خالصة فقط، إذ أدى، أيضاً، إلى وضع إيران ذاتها في إطار الهدف الأميركي، بحيث بات النظام الإيراني يدافع عن ذاته داخل حدوده، بعدما فقد الفصائل الميليشيوية، التي كانت ممتدة من إيران إلى العراق وسوريا ولبنان، والتي شكلت دريئة له، وأذرعاً ظل يحاول من خلالها تعظيم مكانته، أو فرض إرادته على الأطراف الأخرى، في الشرق الأوسط، طوال العقدين الماضيين على وجه التحديد.

ما يفترض التذكير به، أن النظام الإيراني لم يصعد دوره، كفاعل رئيس في الشرق الأوسط، إلا بعد الغزو الأميركي للعراق (2003)، والذي أتى بمثابة رافعة له، بدءاً من تسليمه العراق، عبر الميليشيات الطائفية المسلحة التابعة له، بناء على وجهة نظر أميركية تقضي الاستثمار بالسياسة الإيرانية في بلدان المشرق والخليج العربيين، لإضعاف الأولى، بتصديع بنى الدولة والمجتمع فيها، وابتزاز الثانية، ووضعها تحت طائلة التهديد، بحيث أن تلك السياسات، التي كانت تتغطى بفلسطين والمقاومة، خدمت إسرائيل أكثر مما أضرت بها.

بيد أن الاستثمار الأميركي في سياسات إيران انتهت مفاعيله، بعدما أتى أكله، بعد كل ما حصل في الشرق الأوسط، إذ انتهى بعد عملية “طوفان الأقصى” (أواخر 2023)، التي حسمت، أميركياً، بإعادة إيران إلى حجمها، وإلى داخل حدودها.

ربما ما يميز تلك الأزمة، أيضاً، وضعها على جدول الأعمال الأميركي ـ الإسرائيلي، إذ إن إدارتي ترامب ونتنياهو لا تزالان تشتغلان على إضعاف إيران، لجهة تقويض ترسانتها الصاروخية، ولجهة القضاء نهائياً على أذرعها الميليشيوية، في تنازع بين خيارين، بين الإبقاء على النظام داخل حدوده، بعد إضعافه داخلياً وخارجياً، أو إنهاء النظام، باستغلال عوامل النخر الداخلي التي باتت تعشّش فيه، نتيجة تدهور مستوى المعيشة والحصار الاقتصادي، ونتيجة الحراكات الشعبية.

بين هذين الخيارين ثمة تسريب لعدد من السيناريوات بدءاً بفرض العقوبات الاقتصادية، ومواصلة الحصار الاقتصادي، وتعزيز عزلة إيران دولياً وإقليمياً، ودعم الحراكات الشعبية في الداخل، وتقديم الدعم السياسي واللوجستي إليها (مثلاً إتاحة الانترنت الفضائي المجاني). أما على الصعيد العسكري، فيشمل ذلك استهداف الترسانة الصاروخية لإيران، وتوجيه ضربات لأهداف عسكرية استراتيجية، وقد يشمل ذلك استهداف مراكز القيادة والإدارة، بما في ذلك طبقة القيادة، السياسية والعسكرية.

إذاً نحن إزاء تجمع ظروف عديدة ليست في صالح النظام الإيراني، فثمة حراكات داخلية تطمح الى التغيير، وأطراف خارجية تدفع الى ذلك، وثمة تجمع أزمات سياسية واقتصادية ومعيشية وأمنية، إضافة إلى تآكل في مكانة النظام ودوره على الصعيدين الداخلي والخارجي.

مشكلة النظام الإيراني أنه لا يريد أن يرى الواقع، وأنه حمّل شعبه أكثر مما يحتمل، وأنه يخسر داخلياً وخارجياً. وفيما هو يدعو العالم، ومن ضمنه الولايات المتحدة، إلى احترام سيادته وعدم التدخل في الشؤون الداخلية واعتماد لغة الحوار والقانون الدولي، يتناسى أنه لم يحترم كل ذلك في تدخلاته الإقليمية في البلدان المجاورة.

أيضاً، فيما يحاول النظام الإيراني طلب التفاوض مع الإدارة الأميركية، وإبداء إمكان تجاوز أي مشكلة، أو التجاوب مع أي حل لإنقاذ نفسه، فإنه يدعي أمام شعبه أن ما يجري مؤامرة أميركية وإسرائيلية عليه، وأنه جاهز لمقاومتها!

أما الكلام عن الاتكاء على محور “بريكس”، وقرب أفول الولايات المتحدة، وقيام عالم متعدد القطب، فبات من الماضي، بواقع أن هذا المحور لم يفعل شيئاً للنظام الإيراني لإخراجه من ورطته، أو من محنته، التي صنعها لنفسه ولشعبه.

يبقى أن نعرف أن إيران هذه، مع غناها بالموارد الطبيعية، ولا سيما منها النفط والغاز، فإن ناتجها الإجمالي السنوي لا يتجاوز الـ475 مليار دولار، مع دخل للفرد يقدر بـ 5 ألف دولار سنوياً، بينما يبلغ في تركيا (مساحتها نصف مساحة إيران) 1,350 ترليون دولار في حين دخل الفرد السنوي فيها 15 ألف دولار.

نشرت بتاريخ 23 كانون الثاني 2026  في جريدة النهار