محمد قدوح
بيروت 31 أيار 2026 ـ بيروت الحرية
تلتقي مجموعة من النازحين من بلدات وقرى جنوبية متجاورة صباح كل يوم في مقهى شعبي، لإستقصاء حصيلة أحداث الليلة الماضية، وللإطمئنان على سلامة الذين ما زالوا موجودين فيها، وعلى منازلهم وأرزاقهم. في بداية النزوح كان إهتمامهم بعد الإطمئنان على البشر والحجر، يتركز حول تأمين إقامة أسرهم و إحتياجاتهم، وكان أملهم بالعودة إلى ديارهم كبيرا، وكانوا يرونها مؤكدة و قريبة.
لكن بعد مرور حوالي ثلاثة أشهر على بداية الحرب، لم يعد مهما بالنسبة لهم السكن في منزل أو في غرفة في مدرسة، أو حتى في خيمة على جانب الطريق، كما لم يعد مهما بالنسبة لهم إن تناولوا ثلاث وجبات يوميا أو وجبتين أو وجبة واحدة. كما لم يعد مهما بالنسبة لهم أيضا إذا كانت منازلهم قد سويت بالارض رغم الحسرة و الألم الذي يولدها. لقد بات المهم والأهم بالنسبة لهم هو، العودة إلى بلداتهم وقراهم، لدفن الأحبة في الارض التي إرتوت بدمائهم، وإعادة غرس جذورهم فيها قبل أن تجف .
بالنسبة لهم، لم يعد الفرق كبيرا بين الصمود في أرضهم و النزوح إلى المناطق الأمنة، لأن الخيارين أصبحا يؤديان إلى النتيجة نفسها وهى الموت، وبالتالي أصبح الخيار الوحيد أمامهم ،هو الإختيار بين الموت السريع تحت ركام منازلهم، أو الموت البطيء نتيجة المعاناة والقهر والعوز ووجع فقد الأحبة والأرض. هذه المعادلة دفعت أعدادا كبيرة من النازحين من مناطق صور، النبطية والزهراني، للعودة إلى منازلهم، وقد أستشهد الكثرين منهم.
يعبر هذا السلوك عن إرتفاع مستوى الاحباط والقلق لدى النازحين عموما، ولاسيما في ظل تصاعد عمليات القتل والتدمير التي يمارسها العدو الإسرائيلي من جهة، وعدم وجود مؤشرات جدية لنهاية هذه المقتلة من جهة ثانية، معطوفا على حال الغربة التي باتوا يشعرون بها بين أبناء الوطن من جهة ثالثة .
لقد طال زمن النزوح، وأهالي الجنوب مشلوحين في زوايا الوطن وعلى طرقاته، الكثيرين منهم خسروا كل شيء، ويفقدون كل يوم المزيد من أرواح أبنائهم، إنهم لا يعيشون مأساة فحسب، إنما يعيشون نكبة فعلية تستهدف ماضيهم وحاضرهم ومستقبلهم، لأن ما يقوم به العدو لجهة تدمير المدن والبلدات والقرى الجنوبية، ليس مجرد عمل عسكري، ما يحدث هو عمل منظم لضرب ما هو أثمن من الحجر، إن سياساته التدميرية تعمل على إزالة التجمعات السكانية الشاهدة على وجود البشر، وهو مايمثل إعتداء على الحياة نفسها.
ما يحصل هو إقتلاع البشر وإقتلاع الأمكنة من ذاكرتهم، مما يعني أن ما يحصل هو محاولة لمحو السيرة الجماعية لأجيال، وتاريخ تشكل عبر قرون من الزمن. الخسارة في هذه الحالة، لا تقاس بالإسمنت، بل بما يختزنه من تاريخ وإنتماء وهوية، وهو ما يرعب الجنوبيين كل الجنوبيين، أي المقيمين والنازحين والمغتربين.
في العودة إلى مجموعة النازحين، كان ملفتا قول أحدهم: “إذا قدر لنا العودة ألى أرضنا يجب أن نقول لحزب الله بصراحة ووضوح كاملين، سلاحك لحماية أهل الجنوب من العدو الإسرائيلي وليس لخوض حروب الإسناد لأطراف خارجية كائنا من كانت هذه الأطراف”. لم يعلق باقي أعضاء المجموعة على مثل هذا القول، لكن تعابير وجوههم أشارت إلى موافقة ضمنية على رأيه، وأضاف أخر: “لقد دفعنا أثمانا كبيرة بالأرواح والممتلكات ولم يعد لدينا ما نقدمه للغير، أما السلاح فهو ما زال ضروريا بالنسبة لنا، كى لا نكون فريسة سهلة للعدو الذي لا يمكن الوثوق به، طالما لم تبنَ بعد، الدولة القادرة على حمايتنا منه ومن خصوم الداخل .
يمكن فهم هذا الموقف من خلال ما قله إميل دوركهايم:
“إن كل مجتمع ينتج منظومة من القيم و المعتقدات المشتركة التي تعرف بالعقل الجمعي، تمارس هذه المنضومة قوة ضغط أخلاقية على الأفراد لدفعهم إلى الإنغلاق والبحث عن رموز القوة القادرة على تنظيم الخوف الجماعي وتحويله إلى شعور بالتماسك، وتظهر في مثل هذه الحالة تنظيمات عقائدية تقدم نفسها بوصفها حاملة هوية الجماعة، لا مجرد فاعل سياسي. لقد نجح حزب الله في تقديم نفسه كحزب سياسي ـ عسكري، يجسد هوية وكرامة مهددة، وأصبح مع الوقت كجزء من العقل الجمعي، وبات الإعتراض عليه بمثابة الإعتراض على الجماعة نفسها، وليس مجرد نقد لقرار سياسي، وهو ما يفسر صمت مجموعة النازحين على ما قاله زميلهم. أما فيما يتعلق بموضوع التمسك بالسلاح، فإن التمسك به أصبح ليس فقط أداة للحماية، بل بوصفه أيضا جزءا من الهوية الجمعية. ما يعني أن هذا التوجه يعبر عما هو قبل قيام الدولة بمنظوماتها المجتمعية والفكرية ومؤسسساتها الأمنية وادوارها الخارجية في الحماية والداخلية في ضبط الأمن.
لا شك في أن موقف هذا النازح من “حروب الإسناد” قد يتبلور ويتصاعد داخل البيئة الجنوبية والشيعية على وجه الخصوص، صحيح أن هذا الموقف جاء متأخرا، إلا أنه بالغ الأهمية لجهة التأسيس لموقف شيعي من ضد إرتباطات حزب الله بالخارج وإخضاع سياسساته لمصالح وتوجهات هذه القوى ولو على حساب الوطن أهله وأأأوأهله، وإلى حين حصول هذا الأمر، يبقى مصير الجنوبين معلقا بين الوحشية الصهيونية ومعاناة النزوح، وهو ما قد يدفع حال القلق على المصير خطوات إلى الأمام، بما فيه إعتماد خيار العودة إلى بلداتهم و قراهم مهما كان مصيرهم فيها ومهما كان وضعها بالعلاقة مع العدوان المتواصل.
