صحف وآراء مجتمع

  المرأة الجنوبية في لبنان، استنزاف الحياة خارج أي مساءلة

* ليلى مروة

 بعلبك 22 كانون الاول 2025 ـ بيروت الحرية

ليست المرأة الجنوبية في لبنان على هامش الانهيار، بل في صلب بنيته، فهي لا تُصاب بالأزمات عرضًا، بل تُستَخدم كمساحة امتصاص لها، وكحقل تجارب مفتوح لعنف سياسي واقتصادي وعسكري طويل الأمد.

إن ما تعيشه اليوم ليس لحظة استثنائية في تاريخ مضطرب، بل تراكم منظّم لخيارات أُقصيت عنها، وحُملت نتائجها كاملة، من دون اعتراف أو محاسبة.

ومن هذا الموقع تحديدًا، يصبح البيت أكثر من مكان للسكن.

في الجنوب، لم يعد البيت ضمانة أمان، بل احتمال خسارة دائم، فتدميره أو إفراغه القسري ليس حادثًا عارضًا، بل ممارسة متكرّرة تعيد تعريف الاستقرار بوصفه حالة مؤقتة.

وحين تُنتزع المرأة من بيتها، لا تُسلب الجدران فقط، بل تُجَرَّد من أدوات السيطرة على حياتها، وتُدفع إلى هشاشة شاملة تُفرغ الاستقلال من معناه،عندها، لا يكون النزوح مجرّد انتقال جغرافي، بل تفكيكًا للحياة اليومية، للخصوصية، ولإمكانية التخطيط لأي مستقبل.

ومن فقدان المكان، يتكثّف فقدان المعنى في أكثر أشكاله قسوة: فقدان الأولاد. وهذا الفقد، بأشكاله المتعددة، يظلّ الأكثر تجاهلًا في الخطاب العام.

نساء فقدن أبناء تحت القصف، وأخريات يعشن مع أطفال مصابين أو محمّلين بصدمات نفسية طويلة الأمد، فيما تواجه أخريات تفكك الأسرة كأثر مباشر للنزوح والفقر.

ومع ذلك، يُختزل هذا الفقد في إطار شخصي، ويُنزَع عنه طابعه السياسي، وكأن الألم لا علاقة له بحرب مستمرة تُعيد إنتاج الخسارة يومًا بعد يوم.

ومع تكرار الاقتلاع، تتحوّل الحياة نفسها إلى سلسلة من الانقطاعات القسرية، فكل مسار يبدأ ينقطع، وكل محاولة لبناء استقرار تُجهض قبل أن تكتمل.

لا عمل مستقر، ولا تعليم متواصل، ولا علاج منتظم، ولا قدرة على تخيّل المستقبل بوصفه امتدادًا للحاضر، هذا التكرار لا يدمّر الإمكانيات فحسب، بل يراكم صدمات غير معالجة، ويحوّل القلق من حالة طارئة إلى بنية ثابتة في الحياة اليومية.

فلا هدنة حقيقية تُتاح، ولا تعافٍ يُسمح له بأن يبدأ.

وفي ظل هذا اللااستقرار البنيوي، تُلقى على عاتق المرأة مهمة إدارة الانهيار داخل الأسرة والمجتمع الصغير الذي تعيش فيه، تُطالَب بتأمين الغذاء في ظل الفقر، وبحماية الأطفال وسط الخوف، وبالعناية بالمرضى في ظل انهيار شبه كامل للخدمات العامة. ويُقدَّم هذا الجهد القسري غير المدفوع بوصفه (دورًا طبيعيًا)، فيما هو في حقيقته شكل من أشكال الاستنزاف المنهجي للحياة، يُستثمر فيه صبر النساء بدل أن تُصان حقوقهن.

ولأن العنف لا يولد من فراغ، يتوسّع في هذا السياق بأشكاله المختلفة، فالعنف الأسري والاجتماعي يجد في الفقر والنزوح والضغط النفسي بيئة خصبة، فيما تتراجع الحماية وتغيب المساءلة.

تُترك المرأة محاصَرة بين الخوف من الوصم، وانعدام الثقة بالمؤسسات، وندرة الخدمات، ليصبح الصمت خيارًا قسريًا، لا تعبيرًا عن القبول، بل عن انعدام البدائل.

غير أن الأخطر من العنف نفسه هو تطبيعه، فخطاب الصبر والتحمّل، الذي يُقدَّم بوصفه فضيلة، يتحوّل إلى أداة سياسية لإسكات النساء، إنه خطاب لا يكرّم المعاناة، بل يفرغها من بعدها السياسي، ويحوّل الخسارة إلى واجب أخلاقي، ويُسقط المسؤولية عن الجهات التي راكمت هذا الدمار، ويقفل الباب أمام أي مساءلة فعلية.

وعليه، فإن ما يجري في الجنوب ليس معقّدًا ولا ملتبسًا، إنه نتيجة مباشرة لقرارات واضحة، ولغياب سياسات تحمي الناس، وتحديدًا النساء، من التحوّل إلى وقود دائم للأزمات.

ومن هنا، فإن أي حديث عن إنقاذ أو استقرار لا ينطلق من ضمان السكن الآمن، والحماية من العنف، والاستقلال الاقتصادي، ليس سوى إعادة إنتاج للأزمة بلغة جديدة.

لذلك، لا تحتمل المرحلة حلولًا تجميلية أو مؤقتة، المطلوب ضمان سكن مستقر بوصفه حقًا لا منّة، وتأمين حماية فعلية من العنف مقرونة بآليات مساءلة حقيقية، وبناء مسارات اقتصادية طويلة الأمد تتيح الاستقلال، إلى جانب خدمات صحية ونفسية تصل إلى النساء حيث يعشن، لا حيث تسهُل الإدارة.

وفي السياق نفسه، لا يمكن الاستمرار في تحميل المبادرات المحلية مسؤولية سدّ فراغ عام مزمن، فدعمها ضرورة، لكن تحويلها إلى بديل دائم هو شكل آخر من أشكال التنصّل من المسؤولية السياسية.

ختامًا، ليست المرأة الجنوبية حالة إنسانية عابرة، ولا تفصيلاً في سرديات الحرب والانهيار، إنها في قلب المعادلة، تدفع اليوم كلفة عنف طويل وانهيار شامل، فيما يُطلب منها الاستمرار، وكأن الخسارة قدر طبيعي. إعادة وضع حياتها وحقوقها في صلب النقاش العام ليست مطلبًا فئويًا، بل شرطًا تأسيسيًا لأي حديث جدي عن العدالة، أو الاستقرار، أو المستقبل.

*رئيسة الهيئة الادارية في التجمع النسائي الديمقراطي