محمد قدوح
الجنوب 22 كانون الاول 2025 ـ بيروت الحرية
تتكرر الحروب والخلافات والصراعات بين المجموعات الطائفية، منذ نشأة الكيان اللبناني، بما يؤكد أن هذه المجموعات لاتزال تتمسك بنفس الخيارات التي أدت الى القتل والدمار بعد كل جولة عنف، وهي حاليا تخوض جولة جديدة من الصراع للاستثمار في نتائج الحرب الاسرائيلية على لبنان، حيث يسعى البعض منها لاستعادة ما خسرته في جولات الصراعات السابقة، فيما البعض الأخر يسعى للمحافظة على المكاسب التي حققتها وهي في ذروة قوتها.
الخطاب السياسي لجميع القوى الطائفية، لم يتغير بالرغم من حالة الانهيار الاقتصادي والمالي وتفكك الدولة والمخاطر الفعلية التي تتهدد الكيان اللبناني، منها ما المح الية المبعوث الأميركي توم براك، بشأن جمع سوريا ولينان في دولة واحدة.
لماذا هذا التكرار المدمر؟
السمة المشتركة بين المجموعات الطائفية في لبنان، هي التقوقع والانغلاق والارتباط بالخارج، وهي تتشابة من حيث البنى الاجتماعية، التي تمثل حاصل مزيج من السياسي والدينى والاقتصادي والمالي، وهي بنية تنتج عقلا جماعيا متماسكا يقوم على مجموعة من الرموز والعناصر هي :
1 ـ الزعامة التى تحاط بحسب (كارل يونغ ) بهالة مقدسة تتجاوز البعد الفردي في المجتمعات المغلقة ويمكن اسقاطه، فيصبح الأب الحامي والمخلص للجماعة ، مما يجعل منه رمزا للهوية الجامعة وتجسيدا لقيمها ومشاعرها.
2 ـ الشهادة، وهي امتداد للشهداء الأبطال في مسيرة الجماعة، ومن الأعمدة الأساسية في الخطاب الجمعي، ولا تفهم كخسارة فردية، بل تمنح صاحبها مكانة خاصة داخل الجماعة وتعتبر عنصرا من عناصر الخلود، وهو ما يعزز الانتماء للجماعة وتماسك الهوية الجماعية. هذا التصور يؤدي إلى استدامة الاستعداد للمقاومة ويمنح النضالات السياسية والعسكرية بعدا فوق عادي.
3 – الكرامة تحتل مكانة خاصة في الوعي الجمعي ، فهي ليست مسألة شخصية انما تمثل قيمة عليا تحافظ على مكانة الجماعة وصورتها بمعزل عن المكاسب السياسية والاقتصادية والاجتماعية المباشرة .
4 ـ المرجعية الدينية، تعمل كإطار لربط الحاضر بالمقدس، فتوفر الغطاء للجانب السياسي مما يضفي عليه قيمة دينية، يحرم تجاوزها أو التخلي عنها، ما يساهم في استنفار جمهور الطائفة وحشدة خلف قيادتة السياسية مما يعطي الفعل السياسي والعسكري شرعية دينية وروحية.
هذه الرموز او العناصر كافة في اللاوعي الجماعي، تستدعي في اللحظات الحرجة، وتنتج عقلا جماعيا متماسكا يعيد صياغة الاحداث باستمرار، بما يخدم اهداف الجماعة والحفاظ على هويتها، وهو ما يؤدي عمليا إلي ذوبان الأفراد في الجماعة، حيث يحصل إلغاء الفرد المستقل، وبالتالي فرص النقد والمطالبة بمراجعة الخيارات السياسية والاستراتيجية، وبذلك تبقي الجماعة مغلقة بصعب اختراقها. وهو حال معظم الجماعات الطائفية اللبنانية، ويقول (اريك فروم ): كل ايدولوجيا تغلق على اتباعها باب السؤال وتفتح لهم باب الطاعة، ويتوقف نحو الفرد تكرار التجارب القاتلة والمدمرة في لبنان.
هل يمكن انقاذ ما تبقي من الوطن؟
لقد منح النظام الذي وضعة الانتداب الفرنسي للبنان، المجموعات الطائفية الفرصة لتقاسم السلطة فيما بينها ، ولعب دور الوسيط بين الدولة واللبنانيين، مما ادى عمليا إلى بقائهم رعايا لطوائفهم ومذاهبهم بدلا من أن يصبحوا مواطنين في دولتهم ، مما اتاح لهذه القوى مصادرة حقوقهم في التوظيف في الادارات والمؤسسات العامة وفي الحصول على الخدمات العامة مثل التعليم والصحة وغيرها وتوزيعهم عليهم وفق مقتضيات السيطرة والولاء لها والأمر نفسه حصل في القطاع الخاص، بفعل التزاوج بين القوي السياسية والطائفية والقطاعات الاقتصادية والمالية حيث اصبح التوظيف في هذه القطاعات والحصول على خدماتها رهن ارادة هذه القوى.
ويضاف الى ذلك ما حصل في قطاع التعليم بعد التسبب في انهيار التعليم الرسمي والسيطرة على ما تبقي منه، وانتشار المؤسسات التعليمية الخاصة التابعة للقوى السياسية والمرجعيات
الدينية على المستويات كافة، بحيث باتت تتحكم في تنشئة الفرد منذ دخوله إلى المدرسة حتي تخرجه في الجامعة ودخوله سوق العمل، وبذلك تراجعت مساحات التلاقي بين اللبنانيين واصبح الأخر المختلف مجرد غريب ومصدر خوف.
استنادا الى هذه القاعدة المتينة تمكنت قوى الطوائف من التصدي لمحاولات التأثير على خياراتها السياسية او اضعافها أو تغييرها وقمع واسكات الأصوات المنتقدة لها ولسياساتها المدمرة على كل الصعد، وهي لذلك ما تزال قادرة على تكرار تجاربها الماضية كلما تتطلب الأمر ذلك.
ولكن وبالرغم من هذه الصورة القاتمة، اظهر الشعب اللبناني أكثر من مرة رغبة قوية للخروج من عباءة الطوائف والانخراط في مشروع بناء دولة المواطنة، ونذكر على سبيل المثال، تظاهرة الاتحاد العمالي عام 1987 التي اخترقت خطوط التماس على المتحف لوضع حد للحرب الأهلية، وانتفاضة 17 تشرين 2019 وغيرها .
يبقي الرهان على الأجيال الجديدة في التمسك بالتفكير الحر والنقد والنجاة من الانتحار الجماعي كمنطلق لا بد منه لمنع تكرار التجارب القاتلة وبقاء اللبناني أسير منطق طائفته من المهد إلى اللحد.
