زهير هواري
بيروت 28 تموز 2026 ـ بيروت الحرية
لم يشعر اللبنانيون بعد بما ينتظرهم في المقبل من الأيام على صعيد الانهيارات الاقتصادية والمالية التي تتجلى في التضخم المتصاعد مقرونا مع فقر مدقع وبطالة، بما يعيد تذكيرهم بما عانوه قبلا، عندما فقدت عملتهم الوطنية أكثر من 90% من قيمتها. وباتت أسعار المواد الغذائية والأدوية وغيرهما من مستلزمات العيش خارج قدرة الكثيرين على تحصيلها. ومن المعروف بناءَ على تقارير أممية أنه اعتبارًا من عام 2024 أصبح يعيش حوالي 44% من السكان تحت خط الفقر، وبعاني أكثر من 70% من الفقر متعدد الأبعاد (بما في ذلك عدم الحصول على الرعاية الصحية والتعليم والسكن)، وهي حالة متصاعدة.
لكن الاقتصاد اللبناني لم يهوِ فجأة أو بين ليلة وضحاها. بل سبقته سنوات من الفساد السياسي والنهب وسوء الإدارة والاقتراض المفرط، ما أدى إلى انهيار مالي تجلى على نحو واضح منذ العام 2019 مع رفض البنوك اللبنانية دفع حسابات المودعين من لبنانيين وأجانب. عندها لم يعد بإمكان هؤلاء سحب مدخراتهم. وهو ما قاد إلى القضاء على الطبقة المتوسطة، ودفع العديد من العائلات إلى الوقوع بين براثن الفقر والعجز عن توفير مستلزماتها الضرورية . وفيما فقدت الحكومات المتعاقبة ثقة الناس، جاء انفجار آب 2020 في المرفأ ومحيطه ليزيد الطين بلة، مع ما رافقه من تدمير البنية التحتية وعشرات الآف المنازل والمدارس الحكومية والخاصة والمؤسسات التجارية والصحية. وما فاقم الأزمة الاقتصادية العامة هو انهيار البقية الباقية من مرافق الخدمات العامة كالتعليم والمواصلات والصحة والمياه والكهرباء والهاتف وما شابه . وضاعف من معضلة الوضع المالي والنقدي استمرار اعتماد لبنان بنسبة تقارب الـ 80 % في تأمين مستورداته الغذائية على الاستيراد
وأرقام التضخّم ليست أكثر من نتيجةٍ متأخّرةٍ لمسارٍ أطول عمره سنوات، تخلله رفض الطبقة السياسية – المالية الممسكة بزمام الأمور معالجة أسباب ومسببات الانهيار. ولهذا السبب تعثر الاصلاح حتى بحدوده الدنيا، وبات اللبناني مضطرا لدفع مترتبات الانهيار المالي المزمن معطوفا على حروب متواصلة منذ ثلاث سنوات مع أكلافها الفادحة على القطاعين العام والخاص. ففي منتصف العام 2025، كان مصرف لبنان يتحدّث عن 11.3 مليار دولار كاحتياطيّات النقد الأجنبي، وعن ذهبٍ تُقدَّر قيمته بـ30.28 مليار دولار، في بلدٍ بدأ انهياره عام 2019 وتخلّف في آذار 2020 عن سداد سنداتٍ دوليّة بقيمة 31 مليار دولار.
وتفيد آخر الإحصاءات بحسب بيانات إدارة الإحصاء المركزي أن مؤشّر أسعار الاستهلاك في لبنان ارتفع سنويًّا 17.26% في آذار 2026، ( هناك احصاءات تتحدث عن أكثر من 19%) إلى 8,464.31 نقطة، مقارنةً بـ7,218.28 نقطة في آذار 2025، وبلغ متوسّط التضخّم السنوي في الأشهر الثلاثة الأولى من 2026 نحو 13.49%. اللافت أنّ هذا الصعود جاء بعد مرحلة تباطؤ نسبيّ في التضخّم، ارتبطت باستقرار سعر الصرف وبالدولرة الواسعة للأسعار منذ 2023.
أخطر ما في تضخّم الحرب أنّه لا يضرب السلع بالتساوي. فالخبز والحبوب والزيوت والخضار والحليب والأدوية هي الأكثر حساسيّة، لأنّ الطلب عليها لا يختفي مع ارتفاع اسعارها. فالأسرة لا تتوقّف عن الأكل، بل تقلّل الكميّة، وتبدّل النوعيّة، وتؤجّل احتياجاتٍ أخرى لا تراها ضرورية.
ولهذا السبب حذّر برنامج الأغذية العالمي في نيسان 2026 من أنّ التصعيد في لبنان يدفع قرابة ربع السكّان نحو انعدام أمنٍ غذائيّ حاد، بفعل تعطّل طرق التجارة، وارتفاع كلفة الوقود والنقل والتأمين، وزيادة أسعار مواد الغذاء المرتبطة بالنزاع الإقليمي والدولي المحتدم.
كما أشار تقدير “التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي”، وفق “رويترز”، إلى أنّ 1.24 مليون شخص في لبنان قد يعجزون عن تلبية احتياجاتهم الغذائيّة الأساسيّة بانتظام. وتضرّر القطاع الزراعي بفعل النزوح وارتفاع كلفة المدخلات وبوار الأراضي وتلف البساتين والمواسم الفصلية، و نزح أكثر من 76% من مزارعي الجنوب وتضرّر 22% من الأراضي الزراعيّة في الجولة الأخيرة من القتال.
إن مثل هذا الوضع أن كان يعني أمرا، فهو يعني أنّ الغلاء لا يأتي من الخارج وحده، بل من ضغطين متوازيين: كلفة استيراد أعلى، وإنتاج محلّي أضعف بفعل الحرب ومضاعفاتها. والنتيجة هي أنّ اللبناني يدفع ثلاث مرّات: بسبب انهيار 2019، وغياب الإصلاح، وأكلاف الحروب المستمرة.
وعلى حد قول رويترز، فالرقم 17.26% ليس بداية القصّة، بل نهايتها الإحصائيّة المؤقّتة. بدأت القصّة قبلها، في سفينةٍ أعادت حساب مسارها، وشركة تأمينٍ رفعت قسطها، ومستوردٍ خاف من الشحنة التالية، ومستودعٍ شغّل مولّداته أطول، وصيدليّةٍ انتظرت دواءً لم يصل، وأسرةٍ أعادت ترتيب سلّتها الغذائيّة.
“علاج” بمزيد من الانهيار!
لا وجود في عرف المسؤولين في السلطتين التشريعية والتنفيذية إلى البحث عن حلول تضع البلاد على سكة التعافي. التعافي الذي يشمل الحلول السياسية والاقتصادية والمالية بطبيعة الحال. بالعكس تماما ما يجري من عجز وقصور يفاقم المعضلة. مؤخرا تم فرض رسوم على البنزين و المستوعبات، و دخلتا حيز التنفيذ سريعا ما أثار الكثير من الأسئلة. خصوصا مع ما يمكن أن يتبعهما من رفع ضريبة القيمة المضافة، وهو الإجراء الذي كانت الحكومة تعوّل عليه لتوفير الجزء الأكبر من تمويل موظفي القطاع العام. ومن المعلوم أن مجلس النواب لم يقر هذه الضريبة بعد، لكن يمكن التكهن من المقدمات أنه على خط اقرارها قريبا. والموضوع برمته وإن كان مرتبط بمطلب محق يتمثل في تحسين أوضاع موظفي القطاع العام عاملين ومتقاعدين من مدنيين وعسكريين، إلا أن التساؤل المطروح يتعلق بمصادر تمويل المبلغ الإجمالي المطلوب والمقدر ب 56.5 تريليون ليرة في موازنة العام 2026 والذي يصل إلى 600 مليون دولار بالأسعار المتداولة للدولار الاميركي بالليرة اللبنانية في السوق، أي ما يوازي 30% من إجمالي ما تدفعه الدولة من رواتب وأجور موظفيها ومتقاعدي مؤسساتها، وبمفعول رجعي يبدأ من الأول من آذار. وقد تجاوز الأمر حدود التساؤل ليصل إلى التخوف من العودة إلى الحلقة الجهنمية التي سرَّعت من انهيار قيمة العملة اللبنانية منذ العام 2017 ما انعكس على جميع اللبنانيين، باستثناء المدولرة رواتبهم وهم من العاملين في هيئات دولية وفي الأمم المتحدة وبعض فروع الشركات الاجنبية .
وكانت جلسة المجلس النيابي التشريعية الأخيرة مناسبة لإقرار قوانين مالية عشوائية، وبالتالي تأمين ما سبق ووعدت به الحكومة من التزامات جديدة على مالية الدولة، لكن المشكلة تمثلت في تأمين الموارد اللازمة. فلا نفقة دون اعتماد. ولذلك كانت الاقتراحات المتلاحقة وأبرزها الضريبة على صفيحة البنزين بما مقداره 300 ألف ليرة لبنانية، التي دفعها المواطنون منذ عدة أشهر. وكذلك طرح الحكومة زيادة رسم المستوعبات، ورفع ضريبة القيمة المضافة من 11% إلى 12%، والأخيرة لم يدرسها مجلس النواب في جلسته الأخيرة بعد، فيما سقط أيضا المقترح القاضي بفرض رسم يراوح بين 1 و3% على السلع المسببة للتلوث. علما أن الحكومة كانت تعول على زيادة ضريبة القيمة المضافة لتأمين تمويل الزيادة، إلى جانب إجراءات لتحسين الجباية. والملفت أن الحكومة تقع دوما في سوء تقديراتها المبالغ بها للمداخيل، ففيما كانت تقدر أن ضريبة البنزين من شأنها أن تكون كافية لتمويل الزيادة، جاءت النتائج معاكسة، بعد أن تبين أن انخفاض استهلاك البنزين بنسبة 25 % جعل من الايرادات السنوية للضريبة المقدرة لا تتجاوز الـ 360 مليون دولار، ما يعني أن المبلغ المطلوب تغطيته يصل إلى 240 مليون دولار. أكثر من ذلك يمكن لأي مراقب أن يتوقع أن تنخفض كميات استهلاك البنزين على وقع ارتفاع سعر برميل النفط العالمي في ضوء ما يشهده مضيق هرمز من صراعات اميركية – ايرانية وانعكاساتها على بورصة الأسعار عالميا ولبنانيا.
وتبعا لأرقام الموازنة للعام 2026 بقي الإنفاق الإضافي الذي يمثل نحو 10.5% ، من دون مصدر تمويل واضح، فيما تبدو الخيارات المتبقية جميعها مرتفعة الكلفة، سواء عبر ضخ مزيد من الليرات في السوق، أو الضغط على احتياطات العملات الأجنبية، أو فرض ضرائب ورسوم جديدة تنعكس مباشرة على المواطنين.
نفقات جديدة من دون رؤية اقتصادية
المشكلة لا تكمن في أحقية تحسين أوضاع الموظفين، بل في إقرار نفقات جديدة من دون رؤية اقتصادية – مالية متكاملة، فالقوانين التي تقر تتعرض لتعديلات كيفية خلال الجلسات، توسع من دائرة المستفيدين من دون معرفة حقيقة الكلفة المقدرة، أو تحديد مصادر التمويل. وغالبا ما تجري مثل هذه التعديلات “غب الطلب” خلال انعقاد الهيئة العامة لمجلس النواب ولحسابات فئوية وطائفية ومناطقية، وتؤدي إلى تغيير جوهري في حجم الإنفاق، من دون أن تمر باللجان المختصة أو تخضع لدراسة من جانب وزارة المال، ما يفاقم الفوضى في التشريع والإنفاق العام ( مؤخرا جرت إضافة 5000 مياوم إلى موظفي الدولة مع كل مستحقاتهم دون احتساب الكلفة الإجمالية لقرار من هذا النوع).
ومثل هذا الوضع أقر به وزير المالية ياسين جابر خلال الجلسات النيابية. وما دام جابر قد أقر بذلك كما نقلت عن لسانه وسائل الاعلام، فلنا أن نتصور مدى الحذر من دقة الوضع في بلد يشكو من تباين التوجهات، والخلاف في التقديرات حول المداخيل والإنفاق على حد سواء ، باعتبار الارقام الدقيقة غير متوافرة. أي أن العشوائية والشعبوية تسيطر على التوجهات دون الأخذ بنظر الاعتبار الحسابات الفعلية ودقة الوضع ومخاطره، هذا اللهم إلا اذا كانت كل من السلطتين التشريعية والتنفيذية تراهنان على مساعدات لا تصل كما هو حال الوضع منذ سنوات سبع عجاف.
والملفت أن الوزير جابر نفسه، يعلن عن صعوبة تحصيل الإيرادات المقدرة في الموازنة، ما يطرح تساؤلات عن قدرة الواردات على تغطية النفقات الإضافية، خصوصا مع اللجوء إلى نقل اعتمادات من الاحتياط، فيما تتراجع الإيرادات الفعلية عن التقديرات التي بنيت عليها الموازنة. ومن المعروف أن أيّ نفقة جديدة يجب أن يقابلها مورد جديد أو فائض في الإيرادات، وهو ما لم يتحقق من قريب أو بعيد . ومثل هذا الوضع يفتح الطريق على تكررا تجربة العام 2017 من خلال التوسع في حجم الإنفاق دون تأمين مداخيل لهذه النفقات. هذا الوضع دفع وزارة المال والمصرف المركزي كما حدث إلى مد أيديهم على “خُرج” المودعين والانفاق منه، ما أوقع النظام برمته في “منهبة ” فوضى لم يشهد لها العالم مثيلا من قبل، خصوصا وأن مافيات كبار السياسيين والمصرفيين والمودعين تواطأوا سويا، وقاموا بإخراج ما لديهم من أموال بالعملات الصعبة إلى خارج البلاد. ما استتبع خروج القطاع المصرفي برمته عمليا من المساهمة في تمويل القطاعات الاقتصادية صناعية وزراعية وخدماتية، واحلال اقتصاد “الكاش” مع ما يرافقه من هيمنة الاقتصاد الموازي على الاقتصاد الشرعي، الذي يفتح الأبواب امام عمليات تبييض الأموال والتهريب والسوق السوداء مع ما يرافق ذلك من عزلة عن حركة الاقتصادات الشرعية.
ما يمكن الخروج به هو أن تأمين حقوق موظفي القطاع العام لا يمكن النقاش بأحقيته، لكن التجربة اللبنانية المريرة خلال السنوات الممتدة من العام 2017 وإلى الآن بينت أن كل زيادة لا تستند إلى موارد مستدامة سرعان ما تفقد قيمتها، ويمكن لها أن تعيد إنتاج التجربة المرة التي استنزفت المالية العامة من جهة، وأنهت المكتسبات المحققة مع ارتفاع الأسعار واتساع العجز وانهيار قيمة النقد وانكماش الاقتصاد.
