سياسة

التفاهمات الطائفية الملغومة تحاصر قواها ولا تنقذ البلد وأهله

زكـي طـه

“يكفي أن أشير إلى أننا حريصون جداً على حلفائنا وعلاقاتنا، ونحن متمسكون بالتفاهم وحاضرون لتطويره بما يحقق مصلحة وطنية”. بكلمات قليلة وعرضية، سحب أمين عام حزب الله، شكوى رئيس التيار الحر من سوق التوظيف السياسي والطائفي. خلافاً لرغبة الأخير محاولات الاستثمار فيها لشد عصب قواعد التيار التي يكاد يفقد السيطرة عليها لأكثر من سبب.
وبذلك وخلافاً لتوقعات البعض، نحّى أمين عام الحزب جانباً، تفاصيل الوضع اللبناني وعنعنات رئيس التيار. كما تجاهل دعوة رئيس الجمهورية إلى طاولة حوار تشكل الاستراتيجية الدفاعية بنداً رئيسياً في جدول أعمالها. وذلك كي يستغل مناسبة الكلام ليشن أوسع حملة على أعداء “الأمة” بدءاً من أميركا واسرائيل والأنظمة المرتبطة بهما، وفي طليعتها النظام السعودي، والقوى والجماعات التي تنفذ مؤامراتهم وتراهن عليهم لايقاع الهزيمة بمحور المقاومة والممانعة وقيادته. لأن المواجهة المفتوحة في لبنان مع الحزب ومقاومته ودوره وسلاحه تقع في صميم المعركة الدائرة في الساحة الإقليمية والعربية. بدءاً من العراق وسوريا واليمن، والتي يكتسب الموقع اللبناني ضمنها، أهمية أستثنائية استناداً إلى الدور المتميز للحزب في المنطقة ككل، بدعم ورعاية من النظام الإيراني. والكلام هنا يستهدف شد عصب الأنصار والمؤيدين في موسم التفاوض الدولي ـ الاميركي مع النظام الايراني حول دوره وسياساته الاقليمية في سياق البحث المتعلق بشروط تجديد الاتفاق النووي، بالتزامن مع تصاعد التهديدات الاسرائيلية بضرب المفاعلات النووية الايرانية. كما هو موجه أيضاً للخصوم والأعداء كما للحلفاء، لتأكيد ثبات الحزب على ما هو عليه موقعاً ودوراً وسياسات. ولذلك فإن التعليقات على ما أعلنه بشأن ثوابته، وردود المسؤولين على أقواله، فإنها لن تتعدى الضجيج الاعلامي، والأمثلة على ذلك أكثر من أن تحصى.
وكان رئيس التيار قد افاض في استعراض اسباب الشكوى، في أداء الحزب ومفاعيله السلبية على وضع التيار ودوره وموقعه في السلطة. والأصل فيها “تفاهم مار مخايل”. ولذلك لم يتردد صهر العهد ومرشحه الوحيد لرئاسة الجمهورية، في اتهام الحزب بأنه نفذ الجانب المتعلق بحماية المقاومة ودورها، وتجاهل مصالح التيار الذي التزم، وفق قوله، بكامل واجباته على هذا الصعيد. لكنه مع العهد لم يجنيا سوى الأعباء السلبية التي ترتبت على ذلك. وعليه فقد حمّل الحزب قسطاً وازناً من المسؤولية ليس فقط عن تعطيل الحكومة بل عن افشال السياسات التي تهم العهد والتيار. كما اتهمه بحماية منظومة الفساد، وتغطية دور رئيس المجلس النيابي المعطل لخططهما الاصلاحية ولمشاريع القوانين المتصله بها. بالإضافة إلى عرقلة التحقيق الجنائي ومنع إقالة حاكم المصرف المركزي والتواطوء معه على نهب أموال اللبنانيين. انتهاءً بشل المجلس الدستوي ومنعه من تبني موقف رئيس الجمهورية من التعديلات على قانون الانتخابات النيابية…. وبناءً عليه، كان التلويح بالتخلي عن التفاهم إذا استمر الحزب بتجاهل مصالح العهد والتيار ولم يُعِد النظر بسياسة الاكتفاء بأولوية حماية المقاومة والعلاقة مع حركة أمل ورئيسها.
في المقابل كان واضحاً وعبر سرد مظلوميته، أن رئيس التيار يُضمر حرصاً شديداً على التمسك بالتفاهم، باعتباره الحليف الوحيد المتبقي والذي يمكن توظيف العلاقة معه، لتعويم وضع التيار الانتخابي المتراجع، وعودة رئيسه مرشحاً جدياً إلى سباق الاستحقاق الرئاسي، وتجاوز العزلة الخانقة التي يقيم فيها العهد والتيار معاً. ولذلك لم يكن مستغرباً هذا التكامل بين ما أدلى به، مع ما ورد في رسالة العهد إلى اللبنانيين بمناسبة ما تبقى من أعياد خلال سنوات ولايته المشؤومة.
لم يكن الأمر سوى توزيع أدوار الجهتين باعتبارهما طرفاً واحداً. لأن حيثيات الشكوى كما الغايات منها واحدة، بغض النظر عن الموقع والاسلوب. وكلاهما يتهمان المنظومة بالتآمر عليهما، وتحميلها كامل المسؤولية عن الانهيار. وعن تعطيل وشلل المؤسسات ما أدى إلى “خراب الدولة”. ولذلك يتساءل الرئيس:” هل لا يزال اللبنانيون متفقون على وحدة الدولة، إذا كل واحد يبحث عن مصالحه”. واللبنانيون هنا هم أهل السلطة. أما الدولة التي يتحسر عليها، فهي التي تتوافق مع طموحات تياره الذي ما فتىء يكرر مواصفاتها سواء تعلق الأمر بتعديل اتفاق الطائف واستعادة صلاحيات الرئاسة المطلقة أو اللامركزية الادارية والمالية، وقد حاول فرضهما بقوة الأمر الواقع، على حساب الاطراف الأخرى، التي لم تتردد في المواجهه معه لحماية مكتسباتها والدفاع عن مبررات وجودها. وهي الدولة التي في سبيلها غض النظر عن أداء وممارسات سائر قوى المنظومة التي تستمد قوتها من ضعف الدولة، واستباحة مؤسساتها ومحاصصة إداراتها ونهب وهدر مواردها وتقاسم مغانمها. وكان دور التيار على هذا الصعيد متميزاً بشهادة الجميع بالنظر لحصته الوازنة.
من الواضح أن ما تضمنته رسالة العهد مع بدء مرحلة العد العكسي لانتهاء ولايته، ودعوته للحوار التي ولدت ميتة، لأن طبيعة القضايا المطروحة تتوافق فقط مع مشروعه للدولة التي تضمن مصالح التيار ودوره وتحفظ وجوده. في حين أنها تتعارض مع طموحات ومصالح سائر شركائه في السلطة. باعتبارهم جميعاً ينتسبون إلى منظومة واحدة، خلافاً لإدعاءات أي منهم. وما تجاهل الدعوة إلا تأكيد على استحالة إنقاذ عهد انتهى قبل أن يبدأ جرَّاء فئويته الطائفيه القاتله المرتهنة لمن استقوى به، وقد بات في أيامه الأخيرة موضع شكوى منه.
لقد افتتح رئيس التيار الحر معركتة للانتخابات النيابية والرئاسية، عبر محاولة شد العصب مستخدماً الشكوى والتظلّم وكيل الاتهامات لخصومه، مروراً بطلب النجدة على نحو موارب من الحزب والنظام السوري معاً شرطاً للتضامن معهم ضد المؤامرات التي تحاك ضدهم. انتهاءً بالدعوة لاستنهاض مسيحيي الشرق وتقمص دور البطل المخلص لهم من هيمنة الطوائف الأخرى واصولياتها المستبدة. أما الجدوى من ذلك، ربما نجد الجواب عنها في سخرية اللبنانيين وتندرهم من المقولة الشهيرة التي يكررها ومعه سائر المسؤولين: “ما خلونا”.
وما يعزز ذلك، لا يقتصر على تأكيدات أمين عام حزب الله، في ثباته على مشروعه وسياساته ودوره، في ساحات المنطقة العربية ولبنان منها. بل في ما أدلى بها نائبه وعدد من أركانه، حول رفض تعديل المواقف من اجتماعات الحكومة المعطلة ومن التحقيق العدلي، قبل الاستجابة لطلبات الثنائي الشيعي على نحو واضح، باعتبار الطابة في ملعب الآخرين. وكذلك في الرد الذي لم يتأخر بإسم حركة أمل ورئيسها، والاستخفاف بما ورد من اتهامات لهما، وفي تعداد ما يماثلها لدى التيار. مصحوباً بالمزايدة في قبول تحدي محاكمة الرؤساء الثلاثة على نحو مشترك على قاعدة استقالة الجميع.
أما رئيس الحكومة الذي يغالب طلبات العهد والتيار الملغومة بدعوة الحكومة للاجتماع، والتي يمكن أن تنتهي باستقالتها، وإزاحة عقبة شرعيتها الدستورية وتسهيل تعطيل الانتخابات النيابية والرئاسية. مما يسمح بتحميل رئيس الحكومة والآخرين مسؤولية الاطاحة بهما. وهو الرئيس العاجز عن الاستجابة لشروط الثنائي الشيعي، ومواجهة ضغوط الخارج في آن. ولذلك يتابع الهروب والتنقل بين الإكثار من الوعود واجتماعات اللجان الوزارية، وبين أروقة الاتصالات الخارجية الدولية التي لم تفلح في فتح قنوات التواصل أمامه مع دول الخليج المحكمة الاغلاق، وإبقاء الكرة في ملعب اللبنانيين.
أما سائر اطراف المنظومة المحكومة لأوضاعها المأزومة، فإن مساهماتها في الحفلة التنكرية للانتخابات النيابية المهددة بالتأجيل أو الالغاء. لا تزال موزعة بين القلق الجنبلاطي وارتباك رئيس تيار المستقبل القاتل وطموحات قائد القوات الانتخابية المدمرة وسط رهاناته الخارجية.
على وقع ما ورد ودع اللبنانيون عاماً واستقبلوا آخر. وما ميز مناسبة الأعياد لدى الأكثرية منهم، ليس السخرية والاستهزاء مما سمعوه، وفيه الكثير من الاستخفاف بعقولهم. بل القلق والخوف من مضمونه وغايات أصحابه. وهم الذين اختبروا جيداً التسويات والتفاهمات الفئوية القاتلة بين قوى الطوائف وأحزابها، ومعها اقوال وافعال ومناورات الحكام والمسؤولين. وهم الذين أمعنوا في استباحة كل ما يتعلق بشؤون الدولة وحياة مواطنيها. ولم يتركوا لهم سوى تبادل الامنيات، التي لم ولن تطعم جائعاً أو تشفي مريضأ يبحث عن دواء لا يجده. كما لن تفتح افقاً في نفق مظلم، عدا أنها لم تبنِ وطناً ولن تنقذ أهله من الأخطار التي تحاصرهم في الداخل ومن الخارج. ولذلك لم يبقَ امامهم سوى الامساك بقضيتهم طريقاً وحيداً لخلاصهم وإنقاذ بلدهم.

Leave a Comment