أقامت منظمة العمل اليساري الديمقراطي العلماني ودار سائر المشرق ندوة حول كتاب الأمين العام الراحل لمنظمة العمل الشيوعي في لبنان محسن ابراهيم: ” مراجعات نقدية حول الاشتراكية وأزمة الرأسمالية”، تحدث فيها كل من: الباحث وليد نويهض، د. بول طبر وادارها الدكتور أمين الياس بعد ظهر أمس الاربعاء في 14 الجاري في قاعة سي سايد ايرينا ( بيال سابقا)، في اطار الأنشطة الثقافية المواكبة لمعرض الكتاب العربي الدولي. حضر الندوة كل من: السيدة سلوى السنيورة بعاصيري رئيسة الهيئة الادارية للنادي الثقافي العربي، الدكتور كامل مهنا رئيس الهيئة الادارية لمؤسسة عامل، الدكتور عبدالله رزق أمين عام المجلس الثقافي للبنان الحنوبي، والدكاترة محمد علي مقلد، سعيد عيسى، غسان صليبي، مروان الأيوبي، زينب نصار، النقابي أكرم العربي، محمود أبو شقرا، غانم ابو غانم، وسيم غندور، أمين سر منبر العمل البدي لمدينة بيروت جمال حلواني، رئيس المكتب التنفيذي لمنظمة العمل زكي طه، ونائب الرئيس حاتم الخشن وأمين السر الدكتور زهير هواري، وحشد من المثقفين والمهتمين.
الدكتور امين الياس قدم للمتحدثينْ بالقول: لماذا من المهمّ استذكار محسن إبراهيم وقراءاته النقديَّة اليوم؟ في هذه اللحظة المصيريَّة من تاريخ لبنان والمنطقة، لحظة إمَّا نكون فيها على قدر متطلباتها، فنستحق مشروع الدولة الوطنيَّة الدستوريَّة التعدديَّة الديمقراطيَّة العلمانيَّة، وإمَّا نفعل كما فعل بعض الجيل السابق، ننجرّ إلى الأيديولوجيات المغلقة والسلفيات القروسطويَّة، فنجتر نماذج بائدة مضى عليها الزمن، ونلعن العالم المستكبر الإمبريالي الاستعماري لأنّه سبب كلّ مصائبنا وهزائمنا.
وأضاف: أظنّ أنه هنا تكمن جرأة منظمة العمل اليساري الديمقراطي العلماني، الجرأة في أنّها، ابتداءً من العام 1993، عندما تمّ نشر كتاب في الاشتراكية، مع محسن إبراهيم، قررت انطلاقًا من نقد تجربتها، اتخاذ قرار التجدُّد. وقد مَظْهَرت هذه الإرادة من خلال أدائها وخطابها، وأيضًا من خلال كتابين، أوراق يسارية (حيث المراجعة العميقة لقرار اليسار تحميل لبنان أكثر مما يحتمل، ودخول مغامرة الحرب الأهلية بهدف تغيير النظام)، وكتاب المؤتمر العام الرابع حيث كان القرار بالانتقال إلى النضال العلماني سبيلًا لبناء الدولة المرتجاة. واليوم تستكمل المنظمة خطواتها الجريئة، النقدية، من خلال نشر هذا الكتاب، مراجعات نقدية حول الاشتراكية وأزمة الرأسمالية للرفيق محسن ابراهيم، في مرحلة تُعدّ، من دون تردّد، أحد أخطر مراحل تاريخ لبنان المعاصر.
وختم بالقول: التحدي الأكبر اليوم، هو كيفيَّة بناء يسار ديمقراطي علماني تعدّدي يعتبر من أخطائه، من أجل بناء الدولة المرتجاة هذه. وأظن أنَّه هنا تكمن كلّ قضية اليسار اللبناني اليوم. يسار متحرّر من أيديولوجيات الأمس، ومن تحالفات غريبة عجيبة، يسار عابر حقًا للمناطق والطوائف، يسار يعرف كيفيَّة التمييز بين مصالح الوطن، من جهة، وتيارات وقضايا عابرة للحدود، من جهة ثانية.
ثم قدم الدكتور بول طبر، الأستاذ الجامعي في لبنان واستراليا في علم الاجتماع وله مؤلفات بالعربية والانكليزية، والمهتم بشكل خاص بالدراسات حول الهجرة، والاجتماع السياسي، والنظريات السياسية والاجتماعية.
مداخلة بول طبر
انطلق طبر من أن الكتاب رفض التعاطي مع أي نظرية وضمنها الماركسية بصفتها الكلمة الفصل والنهائية في تحليلنا وفهمنا للمجتمع. وعلى هذا الأساس يدعونا محسن ابراهيم إلى قراءة الماركسية والاشتراكية على ضوء ما آلت إليه التجارب من نتائج. وما أفرزته المجتمعات من وقائع، فمنها ما أثبت خطأ بعض جوانب النظرية ومنها ما ثبتت صحته. وبموجب هذه المقاربة المنهجية يجري ابراهيم قراءته النقدية أولا لمفهوم الحتمية التاريخية في نظرية ماركس حول تطور المجتمع، والنزعة القدرية الملازمة لها. ورأى طبر أن ابراهيم أعاد القصور في النظرية الماركسية إلى مفهوم الجدلية لدى هيغل. وهي وظيفة لم تتبدل على يد ماركس. إضافة إلى ذلك ينتقد ابراهيم الطابع التبسيطي للجدل الماركسي، كونه يختزل التركيب المعقد لبنية المجتمع بأبعاده الاقتصادية والسياسية والاجتماعية والثقافية إلى حصره بالبعد الاقتصادي، وتحديدا إلى المسار المتناقض لتطور قوى الإنتاج وعلاقات الإنتاج. وعرض لما تطرق له الكاتب كقراءة نقدية لتجربة المعسكر الاشتراكي والصين والقوى التي انضوت في الأممية الأولى والثانية والثالثة وظاهرة اليسار الجديد، مبينا أنها كانت تجارب فاشلة، إذ لم تتمكن من تجاوز النظام الرأسمالي، وما ميزها عنه كان الدولة الاستبدادية التي بناها قبل انهياره. وفي ختام النص يستنتج ابراهيم ضرورة التخلي عن التزام الشيوعية على ضوء النتائج التي توصل إليها، والمسوغات الفكرية التي قدمها لتلك النتائج. والتي أثبت التاريخ أنها لم تنجح بل حكم عليها بالفشل.
وتناول طبر القسم الثاني من الكتاب الذي اندرج تحت عنوان ” أزمة الرأسمالية “، وهنا يقوم الكاتب بتشريح أزمة النظام الراسمالي لغاية بداية التسعينيات، مستندا إلى مفاهيم ماركسية أساسية كنمط الإنتاج الرأسمالي الذي يقوم على التناقض “بين الطبيعة الاجتماعية لقوى الإنتاج وبين الطابع الفردي الاستغلالي الضيق القاصر للعلاقات الاجتماعية”. وهو القسم الذي استكمله الدكتور سعيد عيسى وصولا إلى الزمن الراهن، ليبرهن أن الأسئلة والمشكلة التي تناولها محسن ابراهيم وصولا للنصف الأول من تسعينيات القرن الماضي، لا تزال مفيدة لفهم الطور الراهن لأزمة الرأسمالية في العالم.
واقتبس طبر من نص عيسى ما أورده ردا على السؤال الماركسي: “هل من حدود تاريخية اقتصادية لنمط الإنتاج الرأسمالي يقف عندها؟”. و نفى طبر وجود حدود اقتصادية ميكانيكية تؤدي إلى انهيار تلقائي. الرأسمالية أثبتت قدرة هائلة على “التبدل” وتجاوز أزماتها عبر إعادة اختراع نفسها من الاحتكارات إلى دولة الرفاه، ومن النيوليبرالية إلى اقتصاد المنصات .. ولكن هناك حدود اجتماعية وبيئية وسياسية أصبحت أكثر وضوحا والحاحا في 2026، فالحد الاجتماعي يكشف عن تفاوت صارخ يقوض شرعية النظام، فجيل كامل في الغرب لا يستطيع تحمل تكاليف السكن، أو تكوين أسر. وملايين العمال “الخوارزميين” دون ضمانات وأزمة المناخ باتت واقعا يوميا وتعبر عن اضطراب فادح في كوكب الأرض المحدود. أما الحد السياسي فالديمقراطية الليبرالية والأحزاب التقليدية فقدت مصداقيتها والمؤسسات الدولية عاجزة. وهناك فراغ سياسي يملأه اليمين الشعبوي والأنظمة السلطوية.
أكد طبر ختاما أن “الجواب لا يأتي من نص مقدس ولا من قائد ملهم ، بل من ضحايا هذا النظام، والمثقفين الملتزمين الذين يقع على عاتقهم أن يبنوا مجتمعا ينتفي فيه الاستغلال، وينتهي فيه التحكم بمصير وحرية الغالبية الساحقة من البشرية”.
مداخلة وليد نويهض
قدم الياس الباحث وليد نويهض، باعتباره كاتب وباحث، ولديه العديد من الكتب في موضوعات عديدة من مثل: السيرة الخلدونية، ومنهاج كتابة التاريخ عند المسلمين، وأسس الوعي التاريخي عند المسلمين، والعنف الأصولي، ونقد الفكرة اللبنانية وغيرهم .
استهل نويهض مداخلته باعتبار الكتاب ثمرة قراءات ومطارحات امتدت من العام 1988 إلى العام 1994، وتنبع أهميتها من صدورها عن قائد شيوعي وصاحب تجربة امتدت على مدى أكثر من نصف قرن، وهو عمل يتسم بالجرأة والشجاعة في نقد التجربة. والكتاب يتحدث عن أزمتين أو شيخوختين: الاشتراكية والرأسمالية، وواحدتهما تختلف عن الأخرى، فالاشتراكية تعاني من ضعف آليات تفكير ايديولو جية، والراسمالية تعاني من نمو تراكمي في آليات إنتاج التقنيات الاقتصادية. وبدأ من أزمة الاشتراكية التي رأى أن مشكلتها تنبع من الماركسية كنص أصلي. فما توصل إليه ماركس وإن كان فيه الكثير من العلم، إلا أن فيه الكثير من الايديولوجيا أيضا. هذا الخلط يعود في رأي محسن ابراهيم إلى تأثير هيغل على التكوين النظري لماركس ما قاده إلى انتاج مادية اقتصادوية. وتوصل ابراهيم إلى أن الأزمة تفاقمت حين جرى اسقاط الأحكام المرسومة على الواقع المتحرك ما قاد إلى الانفصام بين “المثالي” و “الممكن”. وعرض لرؤية ابراهيم لمفهوم ماركس للأممية والقومية، ما انعكس على أحزاب الأممية التي تبعثرت تيارات ثورية واصلاحية واصولية وتحريفية. وأشار نويهض إلى أن ماركسية لينين كما شخصها ابراهيم هي الماركسية في زمن التحقق، وتعكس الخصوصية الروسية بنظارات ماركسية. كما أن مفهوم الحزب اللينيني لصيق جدا بالواقع الروسي.. وبسبب الخلط بين النظرية والواقع تحول الحزب البلشفي إلى ديكتاتورية تمارس تسلطها السياسي على الطبقة العاملة. وعليه فقد جزم ابراهيم أن الثورة البلشفية ليست اشتراكية، بل هي ثورة من نمط رأسمالية الدولة. هذا النمط السوفياتي قام أساسا على تنظيم مركزي للروافع الاقتصادية، أثمرت مركزية أنتجت الستالينية وظلت قائمة حتى الثمانينيات، ثم جاءت الإخفاقات المنقولة عن الحقبتين الستالينية والخروتشوفية. ويعتبر محسن ابراهيم أن ما يصح على النظام السوفياتي ينطبق على الصين التي تجمع بين الليبرالية الاقتصادية والاستبداد السياسي. هذا التعايش يعود بجذوره إلى الخلافات التي شهدتها الأمميات التي تبلورت لاحقا في الماوية واليسار الجديد، الذي مثل حسب توصيف ابراهيم أكبر عملية هروب فكري إلى الأمام. وبالانتقال إلى أزمة الرأسمالية يستند ابراهيم إلى “مجلدات رأس المال” لجهة تكوين رأس المال ومعدل الربح ومعضلة التراكم الموسع والبعدين الاقتصادي والطبقي … وصولا إلى الرأسمالية المتوحشة كقوة تدمير. ونظرا لأن النظام الرأسمالي له قدرة على التجدد لذلك فأزمته مفتوحة بسبب تناقضاته الداخلية، وألأزمات الدورية التي يتعرض لها. فالرأسمالية كما يرى ابراهيم نمت بالتبدل وليس بالتحايل… فالعصر الذهبي للرأسمالية جرى بين الحرب العالمية الثانية ومطالع السبعينيات، وخلالها نجحت الرأسمالية في تحقيق توازنات وتسويات اجتماعية، ما ساعدها على الصمود والتبدل بعدها. وتوقف عند ما أشار إليه ابراهيم حول الأزمة بين الرأسمالية ونمط التكنولوجيا التي ولدت أزمة في تننظيم قوة العمل… ما يؤدي إلى صعود فئات اجتماعية جديدة وهو ما يسهم في إعدة تعريف دور الدولة، وبالتالي نهوض توازنات متغايرة. فالرأسمالية المعاصرة تشهد الآن “تدويلا للإنتاج وليس فقط تدويلا لرأس المال”، وهو ما ولّد تناقضا بين أممية رأس المال وقومية الدولة ما يدفع إلى البحث عن مصطلح جديد للعالم الثالث.
وأشاد نويهض بالجهد الذي بذله د. سعيد عيسى في تشريح أزمة الرأسمالية من 1993 إلى 2026 في ضوء قراءة محسن ابراهيم التي تتعلق بأزمة التعبير السياسي والتجاوز الداخلي للرأسمالةية والتدويل النوعيلرأس المال.
وختاما وبعد أسئلة ومداخلات لعدد من الحضور رد المحاضران بتوضيحات وشروحات إضافية.
بيروت 14 تشرين الاو 2026
