* شهيد نكد
في إحدى جلسات المقاهي، التي تشكّل جزءًا من يوميّاتي، أخبرني صديق عن حديث دار بينه وبين أحد النواب الذين وصلوا إلى الندوة البرلمانية كممثّلين لـ17 تشرين، حينها رافق الناس النائب ورفاقه ورفيقاته التشرينيين إلى المجلس النيابي كتعبير عن حالة ربيعيّة في السياسة اللبنانية. في الحديث قال النائب لصديقي “17 تشرين انتهت، وهذا يفرض عليّ السير بخيارات وتحالفات سياسية جديدة”. والجهة “الجديدة” التي كان يتكلّم عنها النائب ليست جديدة بشيء؛ هي من القوى التي تحرّكت 17 تشرين ضدّها.
طبعًا كلّ خيار سياسي قابل للنقاش، لكن المثير للاهتمام هنا هو ماذا يعني القول إنّ 17 تشرين انتهت؟
التسمية والمعنى
للإجابة عن هذا السؤال يجب العودة إلى الخلاف حول تسميتها والذي وُلد معها؛ البعض رآها ثورة والبعض الآخر انتفاضة أو حراكًا. شارك الناس من مواقع مختلفة محمّلة بتوقّعات مختلفة، فـَ 17 تشرين لا تحمل المعنى نفسه لدى جميع الذين شاركوا فيها.
فمن أراد منها إصلاحات محدّدة، يستطيع النظر إليها اليوم باعتبارها تجربة انتهت؛ ومن دخلها باحثًا عن تغيير عميق في قواعد إنتاج السلطة وممارستها والتمثيل والعلاقة بين المواطن والدولة وارتباط المواطنة بالفضاء العام، له مفهوم مختلف، كذلك حكمه على بدايتها ونهايتها.
الإصلاح يحصل داخل النظام القائم محاولًا تحسين الأداء أو تعديل بعض القوانين والمؤسسات. أمّا الثورة فتسأل أسئلة أكثر عمقًا، تسأل عمّا إذا كانت المشكلة هي في النظام نفسه أم في المنطق الذي يقوم عليه أساسًا. هل نريد تحسين القائم، أم إحداث تحوّل في الذهنية والطريقة اللتين تُنتجان القائم؟
مرّت سبع سنوات منذ ذلك الحين، تبدّلت وجوه ومواقع سياسية، لكن تغيير الوجوه لم يؤدِّ إلى أي تغيير في قواعد إنتاج السياسة. ولا تتجسّد المشكلة فقط في “السياسة العالية” وتحالفاتها وصراعاتها؛ فعلى صعيد الأفكار والتنظير بقيت الطروحات متواضعة، والنقاشات السياسية القادرة على طرح أسئلة جديدة نادرة.
الثورة أنثى
ومن هنا يُصبح أحد أشهر شعارات 17 تشرين أكثر أهمية اليوم مما كان عليه يوم رُفع في الساحات: “الثورة أنثى”.
حين رُفع الشعار في الساحات قُرئ كتحيّة لحضور النساء في الثورة، غير أنّه يحتمل قراءة أكثر عمقًا مرتبطة بطبيعة السياسة التي تريدها الثورة. فالسياسة اللبنانية، كأي سياسة تقليدية، تقوم على منطق ذكوري بالمعنى الثقافي للكلمة: منطق التنافس والربح والإنجاز السريع والحصّة والانتصار. تُختصر السياسة هنا بالحسم والوصول يصير هو الغاية. في هذه السياسة يحتلّ الزعيم- الأب المشهد. وكلّ من يعلن نهاية 17 تشرين، عن وعي أو غير وعي، ينتمي إلى هذا المنطق.
في المقابل، يطرح الشعار منطقًا آخر ارتبط ثقافيًا بالأنوثة: بناء المسار، والتراكم، والرعاية، والصّبر على ما ينمو ببطء. هنا، تُقاس السياسة بما تَلِدُه وما هو قابل للاستمرار؛ من شبكة أو فكرة أو مؤسّسة أو ممارسة جديدة في الفضاء العام.
طبعًا هذا التمييز لا يعني أنّ أيّاً من النساء أو الرجال يحمل هذا المنطق بشكل طبيعي، فالثورة على النظام الأبوي هي ثورة على المنطق الذي يُنتجه. والفرق يشبه الفرق بين الصيد والزراعة: الصيّاد يربح أو يخسر، أمّا المزارع فيغرس ما لا يحصده اليوم. سياستنا هي سياسة صيّادين، أمّا الثورة فهي زراعة لا تنتهي الّا حين نتوقّف عن الزّرع.
لو أُخذ شعار “الثورة أنثى” بعمق وجديّة لكان السؤال بعد سبع سنوات: ماذا أنجبت 17 تشرين، وما هي الأفكار التي أصبحت مُمكنة من بعدها، وأي مساحات فتحت، وما الذي بدأ في الساحات واستطاع أن يعيش بعد أن فَرغت؟
تنتهي الساحات ولا تنتهي الاسئلة
وهنا يجب التمييز بين الثورة وأشكال التعبير عنها؛ فنزول الناس إلى الشارع وإنشاء المجموعات وخوض الانتخابات، لا تُشكّل غايات بحدّ ذاتها. هذه وسائل وليدة لحظة معيّنة، يُمكن أن تتغيّر أو تنتهي. لكن الجوهر يبقى في السبب الذي دفع الناس للخروج من مواقعها المعتادة، وتشكيكها بالمسلّمات. فهل انتهاء المظاهرة يُنهي الاعتراض على الزبائنية؟ وهل تفكّك المجموعات يعني انتهاء التململ من الأحزاب التقليدية والزعامات؟
والثورة الفرنسية التي اندلعت سنة 1789 هي أوضح مثال على ذلك حيث يُمكن تحديد تواريخ لبداية أحداث ثورية ونهايتها، لكن من الصعب جدًّا تحديد تواريخ لانتهاء الأسئلة التي ولّدتها. فشعار الثورة “حرية، مساواة، أخوّة” لم يصبح مبدأً دستوريًا حتى سنة 1848، أي بعد نحو ستة عقود، فيما كان مسار العلمانية أطول حيث وُضع قانون فصل الدين عن الدولة سنة 1905.
لا يعني ذلك أن الثورة الفرنسية ما زالت مستمرّة كحدث، بل إنّها أنتجت أفكارًا ما زال يُعاد تفسيرها وتوسيعها وتحويلها إلى مؤسسات عبر أجيال. بهذا المعنى، تُوَلّد الثورة أسئلة من الصعب على المجتمع العودة إلى الزّمن الذي سبق طرحها.
وفي زمننا الحالي، ما زالت الثورة الفرنسية مرجعًا حيًّا في النقاش السياسي، لا بوصفها حدثًا تاريخيًا، بل كمصدر لأسئلة عن الحرية والمساواة والمواطنة وحق الاعتراض. ويكفي مراجعة خطاب وكتابات دومينيك دو فيلبان للتثبّت من أن أفكار الثورة ما زالت تتحرّك داخل السياسة المعاصرة.
بالعودة إلى 17 تشرين، السؤال ليس ماذا حقّقت، بل ما هي الأسئلة التي فتحتها وما إذا كانت قد أُغلِقت.
قد يكون النائب محقًّا، فـَ 17 تشرين التي عرفها هو انتهت: لحظة اعتراض أو سُلّمًا إلى الندوة البرلمانية أو فرصة لتعديل بموازين القوى. أمّا بالنسبة لمن رأى فيها ثورة فالأمر مختلف: الثورة تبدأ قبل الشارع ولا تنتهي بعده، تبدأ في الذّات أوّلًا حيث يُصبح مرفوضًا ما كان مقبولًا، وموضع سؤال ما كان مسلّمة. السنوات التي تلت 17 تشرين 2019، لم تُلغِ الأسئلة التي طرحتها، بل أصبحت أكثر الحاحًا بعد أن تبيّن أن تغيير الوجوه لا يُغيّر في أصل العلّة.
في تشرين تتساقط الأوراق، لكن هذا لا يعني موت الشّجرة، فإذا كانت 17 تشرين بالنسبة إليك ثورة بدأت في نظرتك إلى السياسة وإلى نفسِك داخلها، فلا يستطيع أحد، ولا خلوّ الساحات، ولا مرور السنين أن يُعلن نهايتها.
* تم النشر بتاريخ 17 تشرين الاول 2026 على موقع المدن
