صحف وآراء مجتمع

يوم المرأة العالمي حصاد نضالات شجاعة والمرأة الجنوبية هي أمام تحدٍ يومي للبقاء

* ليلى مروة

بيروت 8 آذار 2026 ـ بيروت الحرية

إنجازات النساء لا تقاس بالمناصب والشهادات بل بالقدرة

يطلّ علينا يوم المرأة العالمي ونحن في قلب الحرب و الأيام الثقيلة السوداء، يوم الثامن من آذار الذي لا يُعتبر مجرد مناسبة تقويمية، او يوما أشبه بالمِنحة او الهبة للنساء ليتحتفلن، وليس مجرد بروتوكول سنوي ومحطة للرفاهية او الراحة، لا انه حصاد نضالاتٍ شجاعة ويوم عالمي تقول فيه النسوة جميعا: نحن نبض المجتمع وعصبه.

الثامن من آذار في لبنان اليوم يتجاوز سياقة الإحتفالي، فقد صار دعوة صارخة للتأمّل في مسيرة مرصوفة بالتحديات التي تواجهها المرأة اللبنانية عموما والجنوبية خصوصا المُلزمة بالجبر والإكراه على حزم حقائب الإضطرار بدموع مخفية لتكون خط دفاع أول عن حياة أبنائها، وأرضها التي سقتها بالفخر وكذلك الوجع.

العالم يحتفل اليوم بإنجازات النساء ،لكن يبقى الإنجاز الذي لا يُقاس لا بالمناصب والجوائز ولا الشهادات، بل بالصبر والقدرة على لم شتات العائلة وسط غبار النزوح والحرب .

الحرب اليوم ليست تفصيلا في نشرة الأخبار او مجرد غارات متفرقة،ا نها واقع يومي يفتك بتفاصيل حياة المرأة الجنوبية خصوصا التي وجدت نفسها في اختبار يفوق قدرتها على التحمل، انها في قلب تحدٍّ يومي للبقاء، فقدت آلاف النساء بيوتهن، والبيت لهن استقرارا وأمانا نفسيا، انه المكان الذي يشعرها بكيانها وارتباطها بخصوصيتها، فالحرب دمرت منازلا وشردت عوائلا ما أحدث خدشاً بالغاً بخصوصية النساء اللواتي يقمن في مراكز الإيواء والمدارس، فالأزمة مركبة تبدأ من فقدان الأمان النفسي، الى فقدان المستلزمات الصحية وتوقف عمل كثيرات منهن، فالحرب دمرت مصادر رزقهن، فكأنها تدفع ضريبة أخرى من أعصابها ..

المرأة اليوم تعيش فقد أحبة وفقد ابناء، وتمارس أمومتها بقلق، امومة تحت النار حرفيا وعليها ان تصمد وتخفي خوفها لتبث الأمان في نفوس أطفالها، ان تتحدث بصوت لا يقبل الانكسار .

ان الأعباء التي تتحملها على مستوى المعيشة الاجتماعية والاقتصادية وكذلك الأعباء العاطفية تجعل منها صخرة تتكسر عليها كل الاوجاع المعنوية.

يا ابنة الجنوب، موطني و مسقط رأسي، أنت لستِ مجرد شاهدة على الحرب بل أنت من تزرعين اليقين بالعودة في نفوس من حولك، تعيشين هذه الأيام هجرة مؤقتة ليبقى نبضك مستمرا، فصمودك اليوم هو الضمان الوحيد لغد أكثر عدلا وكرامة فمعركتك مع نيل الحقوق كاملا مستمرة.

في هذا اليوم أوجه لك تحية ودعوة، دعوة الى الثبات والتماسك رغم ضيق العيش في مراكز النزوح، أدعوك لأن تتذكري أنك تقومين بأعظم جهاد إنساني في ظل ظروف اقتصادية واجتماعية صعبة جدا إذ يكفي أنك تديرين القليل مما لديك لتصنعي منه “كفاية”!

الإحتفاء باليوم العالمي للمرأة هو احتفاء بالمرأة الجنوبية المقهورة، العزيزة والصابرة والجاهزة لترمم ما تفسده الأزمات لاحقا بمبادرات مدنية واجتماعية.

هذا اليوم هو دعوة لتجديد العهد مع الحقوق المؤجلة والتي هي أولويات لا تقبل المساومة في ظل نظام اجتماعي وسياسي وديني واقتصادي معقد، ستظل قضية قوانين الأحوال الشخصية، وحق منح الجنسية، والحماية من العنف هي وجهتنا للتحرك في نيلها وتحقيقها تحقيقا تاما مهما طال الطريق و تعثرنّْ.

هذا اليوم هو للتأكيد ككل يوم بأن المرأة اللبنانية حاضرة دوما ك قائدة ومناضلة في الساحات وشريكة في صنع القرار الوطني وليست واجهة جمالية فقط، هذا اليوم هو دعوة لتشابك ايدي كل الأجيال النسوية من الرائدات اللواتي فتحْن أول الطريق وصولا للشابات اللواتي يحملْن شعلة التغيير في عالم تكنولوجي رقمي متطور ويومتسارع جدا ..

ولا استطيع إلا أن أشدد على ضرورة مشاركة المرأة اللبنانية عموما في مشاركة القرار السياسي الذي لا يعدّ ترفا ديمقراطيا ،فلبنان يتكلب استنفارا لكافة الطاقات البشرية الموجودة فيه ومنها طاقات النساء، هذه المشاركة ضرورة بنيوية لإعادة صياغة العقد الاجتماعي والسياسي في بلد يحتاج الى رؤى جديدة تخرجه من ازماته المستمرة، فالأجندات السياسية في لبنان تعاني من انفصال عن الواقع المعيشي للمواطن، فوجود المراة صار أساسيا لسد ثغراتٍ قانونية كذلك مما يحقق عدالة اجتماعية شاملة ويكسر الجمود السياسي، اذ ان النساء كنّ دوما جسور تواصل بين المناطق والطوائف مختلفة واقصاؤها عن مراكز القرار هو تعطيل متعمّد لنصف طاقة الوطن الفكرية والعلمية، وهو خلل في توازن الهيكل السياسي الللبناني.

هذا اليوم أقف بإجلال أمام ابنة الجنوب لأذكرها بأن القوة ليست فقط في الصمود، بل بصمود يهمس بأن الفجر قريب، فجرُ امرأةٍ لا تخطئ طريق النهوض…

ان تقدير المرأة الجنوبية لا يكون بنجدتها واغاثتها، بل بتقدير عظيم تضحياتها وضمان عودتها الى ارضها وبيتها، فما أظلم من سلب البيوت والأرض والكرامة !

كل عام و انت صامدة

كل عام ووطني بخير .

* رئيسة التجمع النسائي الديمقراطي