زهير هواري
لا يختلف الوضع في لبنان عما هو عليه في قطاع غزة، لجهة يومية الاعتداءات الإسرائيلية وسقوط الضحايا، وتتالي التهديدات بعمليات أكثر اتساعا مما هي عليه راهنا. ما يعني أن اتفاقية وقف الاعتداءات مع لبنان، وخطة ترامب لقطاع غزة تترنحان، وتوشكا في الأيام أو الأسابيع المقبلة في أبعد الاحتمالات، ان تسقطا وتخليا الطريق نحو العودة إلى الحرب كما سبق وعرفته في كلا الجبهتين,
ولنبدأ من لبنان. آخر محاولة لتلافي انفجار الوضع الذي حددت المعطيات موعده مع عودة البابا لاوون إلى الفاتيكان بعد نهاية زيارته له، أو نهاية شهر كانون الأول أو بداية العام الجديد، كانت تلك التي بذلها وزير الخارجية المصري الذي اجتمع إلى كل من رئيس الجمهورية ورئيس المجلس النيابي ورئيس الحكومة محذرا من المخاطر المحدقة بالبلاد. وقد سبقت اللقاءات هذه حركة دبلوماسية مصرية تمحورت على الخطوط الأميركية والسعودية والفرنسية، إلى جانب إسرائيل. اذن شملت اتصالات الوزير عبد العاطي إسرائيل التي بعثت برسائل بالغة السلبية ضد لبنان، مفادها أن حدود التصعيد على الجبهة الشمالية مفتوح، وقد يتجاوز ما هو راهن من عمليات اغتيال وغارات متفرقة بين الجنوب والبقاع والعاصمة. وقد جاء اغتيال رئيس أركان حزب الله هيثم طبطبائي كحلقة تصعيدية في هذا الاطار. والشروط الإسرائيلية باتت معروفة وواضحة ومفادها أن قرار الحرب جاهز إذا لم يلتزم لبنان مهلة آخر السنة لإنهاء مسألة نزع سلاح حزب الله على كامل الأراضي اللبنانية. وقد جرى تأخير موعد الانفجار هذا مرات عدة سابقة بناء على تدخلات أميركية وعربية ولكن دون جدوى، باعتبار أن المماطلة اللبنانية هي الأسلوب المعتمد منذ توقيع اتفاق وقف الاعمال العدائية قبل أكثر من عام. أكثر من ذلك، لم يسمع الوزير المصري كلاماً مشجعاً من الجانب الايراني حول الدور الذي يمكن أن يلعبه في إخراج لبنان من “تصعيد حتمي وخطير.” ما يعني أن الوزير جاء ومعه مفاتيح أسرار واحتمالات الوضع في المقبل من الأيام. خصوصا وأن مصر اطلعت على رؤية هذه الدول للوضع في لبنان، وما يمكن أن تقود إليه حالة المراوحة التي يمر بها لبنان على صعيدي حصرية السلاح في يد الجيش اللبناني، وبالتالي سحب سلاح حزب الله ليس في جنوب الليطاني فقط، بل في عموم البلاد.
الماء والهواء الإيراني
وقبل أن يصل الوزير المصري أشيع أنه يحمل معه موقفا إيرانيا مرناً، وهو ما تبين عكسه، بدليل المواقف التي صدرت، وأكدت مدى أهمية بقاء سلاح الحزب للسياسة الإيرانية في المنطقة. فقد أعلن مستشارٌ المرشد الأعلى في إيران علي أكبر ولايتي أنّ “وجود حزب الله بات بالنّسبة إلى لبنان أهمّ من الخبز اليوميّ” وأنّ “حزب الله كان منقذًا للشّعب اللّبنانيّ!، وإنّ إيران ستواصل دعمه”، مضيفًا أنّ “اعتداءات إسرائيل تظهر النّتائج الكارثيّة لنزع سلاحه بالنّسبة إلى لبنان”. وهو ما سبقه تصريحات قريبة من هذا المعنى من وزير الخارجية الإيراني وحتى من الرئيس الإيراني نفسه. وبدا واضحا من جملة المواقف الايرانية أن سياساتها في المنطقة وحول مسائل المفاوضات بشأن المفاعلات النووية والصواريخ البالستية والتمدد الإقليمي تمر بحالة عسر شديد، رغم خط الاتصالات الأميركية الإيرانية التي أشار ترمب إلى احتِمال وصولها إلى نتيجة إيجابية.
في المقابل ترى إسرائيل أن المراهنة على إيجابية ما في الموقف الإيراني ومن تأثيره إيجابا على الموقف اللبناني لا محل له. وعليه تتلاحق التصريحات الإسرائيلية من القيادات السياسية والعسكرية محذرة من الشروع في موجة قتال جديدة ضد لبنان أشد عنفا مما سبق ونفذته. وعليه فالمطلوب بالنسبة لها هو اعلان لبناني واضح ولا لبس فيه حول الاستعداد لتسليم السلاح. وهو ما دفع الرئيس نبيه بري إلى ايفاد معاونه السياسي إلى مصر قبل وصول الوزير عبد العاطي إلى لبنان لاستكشاف خطورة الوضع على حقيقته.
وبعيدا عن الردود التي جوبه بها الموقف الإيراني لبنانيا، يمكن القول إن الأهم هو الموقف الأميركي فواشنطن تريد حلاً وتسوية واستقراراً في لبنان يحقق ضمانا لأمن إسرائيل عموما ومستوطناتها الشمالية خصوصا. هذا الاستقرار مدخله الذي لا مدخل سواه هو إنهاء مسألة سلاح حزب الله واستعادة الدولة سلطتها على نحو جلي وواضح. وهو ما لا تهاون فيه ابدا، بدليل إلغائها زيارة قائد الجيش اللبناني إلى واشنطن.
هذا الانسداد رافقه حديث متصاعد عن عملية عسكرية واسعة ضد لبنان، وصلت في بعض المعلومات إلى الحديث عن هجوم بري جوي يهدف إلى فصل البقاع عن الجنوب ودك عشرات الأهداف المدنية بالصواريخ في سائر المناطق اللبنانية بما فيها القصر الجمهوري. ولعل هذا ما قصده وزير الأمن الإسرائيلي الذي شمل بالأهداف الحدود البحرية، طالما أن هناك تهديد يطال مستوطنات الشمال، وبالتالي فاغتيال طبطبائي، ليس حدثا منفصلا عن هذا السياق الهجومي الذي جرى التمهيد له بالمناورات المتكررة وعمليات الجرف للقرى الحدودية اللبنانية المحاذية، وتعزيز التحصينات الإضافية التي تجاوزت المواقع الخمسة المحتلة في جنوب لبنان. وتعتمد خطة إسرائيل الهجومية على عدم الوقوع في “فخ” الترويج من أن المسؤولين اللبنانيين يعملون تفكيك سلاح الحزب، بينما الحزب يعمل على إعادة تجميع تفوق ما خسره من سلاح، ونقله مركز ثقله العملاني من الجنوب إلى البقاع.
نموذج لبنان في قطاع غزة
لا يختلف الوضع في قطاع غزة عما هو عليه في جنوب لبنان لجهة الاعتداءات اليومية. فمنذ الإعلان عما يسمى خطة ترمب التي جرى حشد عشرات الدول لتأييدها، تتواصل عمليات المطاردة والاغتيال التي تنفذها اسرائيل لما تبقى من قيادات حركة حماس الميدانيين. وهم الذين يعملون على متابعة فرض سلطاتهم على أقل من نصف القطاع المدمر، وضمن حدود الخط الأصفر الذي يقسم غزة إلى قسمين، شرقية – خضراء يسيطر عليها الاحتلال وتتجاوز مساحتها حوالي 52 % وغربية – حمراء تسيطر عليها حماس وفق المسميات الجديدة وتبلغ مساحة الأخيرة قرابة 47 % علما أن الجيش الإسرائيلي يعمد وعلى نحو شبه يومي على نقل العلامات الصفراء لتحقيق مزيد من التوسع على حساب المنطقة الحمراء، كما أشارت صحيفتا “وول ستريت جورنال” و”هآرتس”. وأهمية ما يحدث أنه يضع علامة استفهام وشك حول إمكانية تحقيق المرحلة الثانية من خطة ترمب التي يتردد الحديث عنها والتي وافقت عليها حركة حماس كما هو معلوم.
وتسعى إسرائيل إلى تكريس الخط الأصفر القابل يوميا للتوسع إلى حدود القول إنها باتت تسيطر عمليا على ثلثي القطاع تقريباً، مع الانفتاح كذلك على الخطط الأميركية المتضمنة إعادة الإعمار في الجزء الشرقي – الأخضر الخاضع للاحتلال وترك الجزء الغربي مدمراً تحت سيطرة حماس التي يعنيها بقاء نفوذها على هذا الجزء غير عابئة بما يعانيه أهالي القطاع من عذابات ومعاناة. يترافق ذلك مع غياب أي حديث عن البحث في استراتيجية فلسطينية موحدة في مواجهة هذا المخطط والمشاريع التي تهدد القطاع برمته. وتكتفي حماس من جانبها بـ “مجد” الإعلان عن اتصالات لها مع الجانب الأميركي ظنا منها أن ما لم تمنحه الولايات المتحدة لمنظمة التحرير الفلسطينية التي اعترفت بها حوال 150 دولة ستقدمه لها على طبق من فضة كبديل عن المنظمة. ومن المعلوم أن خطة دونالد ترامب تمت شرعنتها من خلال تبني مجلس الأمن الدولي لها وبأغلبية ساحقة، دون أن يترافق ذلك مع توافق فلسطيني – عربي واسلامي وأوروبي على المرحلة التي تلي وقف اطلاق النار بما يعيد البحث بموضوع الدولة الفلسطينية، وتقرير مصير الشعب الفلسطيني في كل من القطاع والضفة على حد سواء بما يشكل تعويضا عن الخسائر الفادحة التي دفع ثمنها نتيجة عملية السابع من أكتوبر وما أعقبها من هجوم أميركي – إسرائيلي مدمر طال القطاع والضفة الغربية.
احتلال واغتيالات يومية
وكما في لبنان كذلك في القطاع يتواصل الخرق الإسرائيلي اليومي لوقف اطلاق النار واغتيال المواطنين وجرحهم، حتى أن العدد الإجمالي للخروقات لامس منذ سريان الاتفاق قبل شهر حدود ال 500 خرق أوقعت مجتمعة ما يتجاوز الـ 1000 بين شهيد وجريح. وتشابه حماس في مواقفها مواقف حزب الله لجهة العجز عن الرد على الاعتداءات بمواصلة القتال أو تنفيذ عمليات متفرقة، ولعل النموذج الأفدح هو ما يعانيه مقاتلو الانفاق الذين تقوم إسرائيل بقتلهم لدى خروجهم جراء فقدانهم الطعام والماء، ومحاولة البقاء على قيد الحياة.
تتمسك حماس بالرهان على الاعتراف الاميركي بدور لها في إدارة القطاع، في موازاة سعيها الدؤوب لفرض سيطرتها على الجزء الأصغر من القطاع غير عابئة بمصير ألوف المواطنين الذين يموتون قتلا وجوعا وعطشا. ولا يختلف الخطاب السياسي والتعبوي الذي تطلقه حماس عن الخطاب الذي يطلقه حزب الله، مع توهم أن المساحة التي تتحكم بها والمعرضة لمزيد من التدمير، يمكن أن تشهد عملية اعمار للمدارس والمؤسسات والبيوت الجاهزة وغيرها بما يعيد تعويم سلطتها، وهذا ليس صحيحا. إذ أقصى ما يمكن أن يتحقق ليس أكثر من تشجيع على النزوح من المنطقة الحمراء إلى المنطقة الخضراء والصفراء. أهمية مثل هذا الاحتمال أنه يعبر عن الاستعداد الأميركي – الإسرائيلي لملاقاة احتمال فشل المرحلة الثانية من خطة ترمب وقرار مجلس الأمن واحتمال فرض الوصاية والانتداب على غزة والفلسطينيين من خلال مركز التنسيق المدني العسكري الذي لا يختلف كثيرا عن لجنة “الميكانيزم” التي يرأسها جنرال أميركي وتجتمع تحت علم الأمم المتحدة في الناقورة بينما المسيرات والطائرات الاسرائيلية تتابع مهام الإغارة على طول البلاد وعرضها.
ما يمكن التوصل إليه بعد هذا العرض أن بنيامين نتنياهو والمؤسستين السياسية والعسكرية الإسرائيلية ومن ورائهم اميركا لا يعتبرون أن الحرب انتهت بمثل الاتفاقات التي أشرنا إليها، وهو ما لا يغير فيه محاولات تذاكي كل من حماس وقيادة حزب الله وتفسيراتهما لما وافقا عليه. ومقابل هذا الإنكار لما تمخض عن تلك الحرب التي استغرقت أكثر من عامين لا يبدو أن السلطتين اللبنانية والفلسطينية مصممتين على الإمساك بزمام المبادرة وإدارة العملية السياسية بما يقود إلى وقف المجزرة وخفض الاكلاف الفادحة التي يدفعها الشعبان اللبناني والفلسطيني.
