سياسة صحف وآراء

في ضرورة حرب إسرائيلية أخرى مع لبنان

*أنطوان شلحت

تفيد الأجواء العامة في إسرائيل حيال آخر المُستجدّات في الجبهة مع لبنان وحزب الله بأنّ السؤال الحقيقي السائد في أوساط المُحلّلين الأمنيين والقادة العسكريين السابقين ليس ما إذا كانت ستندلع مواجهة قتالية جديدة، إنما كيف ستندلع، في إشارة واضحة إلى ضرورة حرب إسرائيلية أخرى في هذه الجبهة. بل إنّ عدداً منهم أعرب عن اعتقاده بأنّه ما دام هناك ثلاثة لاعبين يحدّدون قواعد هذه الجبهة، إسرائيل وحزب الله وإيران، فإنّ الحرب المُقبلة لن تكون مجرّد سيناريو نظري، بل إمكانية واقعية تنتظر شرارة الانفجار المناسبة.

ولدى جلّ هؤلاء، تُقتبس تصريحات تُدلي بها مصادر أمنية إسرائيلية رفيعة المستوى تشدّد على أنّه من جرّاء رفض حزب الله نزع سلاحه، فإنّ الخيار الوحيد المطروح على جدول الأعمال تجدّد المواجهة العسكرية، ولا يبقى سوى اختيار التوقيت. وفي أكثر من موقع إسرائيلي جرى اقتباس ما وُصِف بأنه “كلام حازم” عن مسؤول أمني كبير قال فيه، كما أوردت صحيفة يديعوت أحرونوت: “لا نرى أن حزب الله سوف يتخلى عن سلاحه عبر اتفاق، ولذا لا جدوى من استمرار هذا الاتفاق. نحن نسير نحو التصعيد، وسنقرّر موعده بما يتناسب مع مصالحنا الأمنية”!

الأسباب الكامنة وراء الإصرار على هذا الخيار أبرزها اثنان: الأوّل، أنّ الدولة اللبنانية تواجه صعوبات في ما تعدّه إسرائيل بأنه “تعزيز سيادتها”، وتقصد نزع سلاح حزب الله عبر توحيد السلاح الموجود داخل البلد تحت السيطرة الحصرية للدولة، وجمع الجيش اللبناني الأسلحة من تنظيمات ليست حكومية، وفي مقدمها حزب الله والفصائل الفلسطينية. بل إنّ أقلاماً مُقرّبة من الحكومة الإسرائيلية تكرّر أنّ هناك تنسيقاً بين ضُبّاط كبار في الجيش اللبناني وحزب الله يشمل إنذارات مُسبقة لإخلاء مواقع قبل وصول الجيش. وبرأي هؤلاء، تكشف هذه المعطيات عن عمق نفوذ حزب الله في مؤسّسات الدولة اللبنانية، وهو نفوذ رسّخته إيران أكثر من أربعة عقود.

السبب الثاني تأكيد إسرائيل أنه تجري على قدم وساق في الساحة اللبنانية عملية إعادة بناء حزب الله، الذي لم يواجه الانهيار بالرغم من الضربات القاسية التي تلقاها، إنما يتعافى ويرمّم قدراته العسكريّة. ومن آخر علائم هذا التأكيد تقديم رئيس شعبة الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية (أمان)، شلومي بيندر، إلى المبعوثة الأميركية الخاصة إلى الشرق الأوسط، مورغان أورتاغوس، معلومات بشأن تعاظم قوّة حزب الله من جهة، وعجز الجيش اللبناني عن مواجهته من جهةٍ أخرى. بل ذهب إلى أبعد من ذلك، حين أشار إلى أنّ إسرائيل تُقدّر أنّ الجيش اللبناني لا يرغب ولا يستطيع نزع سلاح الحزب، لأنّ عدداً كبيراً من جنوده هم من الطائفة الشيعية.

طبعاً، لا تنعدم في خضم هذا كلّه أصوات إسرائيلية ترى أنّ الحفاظ على حالة حرب مستمرّة، سواء مع لبنان أو مع غيره يخدم مصالح رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو السياسية والشخصية، وبناء على ذلك فإنّ التوصيف الأكثر شيوعاً لهذه الحرب هو أنها “حرب مدفوعة بالسياسة” إلى جانب أنها “حرب استنزاف طويلة الأمد”.

وأكثر ما يعزّز هذه الرؤية، التي رويداً رويداً تغادر منطقة الظل وتحظى باهتمام ورواج، أنّ هذه الحرب تخدم أغراضاً متنوّعة لنتنياهو من قبيل تأجيل محاكمته الجارية بشبهات جنائية، والحصول على عفو رئاسي، والحفاظ على الحكومة حتى يومها الأخير، وبناء سردية أمنية جديدة للانتخابات القريبة.

وتدفع هذه الرؤية نحو عدم إغفال الإشارة إلى مسألتين مُتصلتين: أنّ هناك شكّاً كبيراً في احتمال أن تكون إسرائيل قادرة على نزع سلاح حزب الله بنفسها. وأنّ كل الحروب التي شنّتها إسرائيل على لبنان، شأنها شأن حروبها في قطاع غزّة والضفة الغربية، تشكّل “ذخيرة كبيرة” في إثبات أنّ النزع الكامل للسلاح هو هدف شبه مستحيل من دون التوصّل إلى اتفاق سياسي.

*نشرت في العربي الجديد يوم 10 ديسمبر 2025