د . عدنان الامين
هكذا يعرّفها القانون الأساسي لعام 1967 في مادته الأولى: “الجامعة اللبنانية مؤسسة عامة تقوم بمهام التعليم العالي الرسمي”. لم يستعمل القانون تعبير “وطنية” في وصفها مطلقا.
أن تكون عامة (أو عمومية) (public) فهذا يعني انها تخضع للقانون، والمساءلة، من قبل الحكومة او القضاء او الرأي العام أو أهل الجامعة بمن في ذلك رابطة الأساتذة المتفرغين فيها ورابطة الموظفين والهيئات الطلابية. هي شأن عام مثلها مثل أي مؤسسة عامة. تتمتع بهيكلية وأنظمة تحميها من التدخلات الشخصية والخارجية. وهي ليست ملكية خاصة لأحد أكان حزبا او فردا أو مجموعة أحزاب وأفراد. وهي تفتح أبوابها لجميع اللبنانيين للتعلم وللتعليم فيها وفي إدارة شؤونها.
أما أن تقول “وطنية” فهذا يضمر ان الجامعات الخاصة “أجنبية”. وهذا غير صحيح. هناك 54 مؤسسة تعليم عالي عاملة اليوم في لينان، ليس بينها واحدة توصف قانونا بالأجنبية. هناك أربع مؤسسات أسستها جمعية غير لبنانية، وهناك مؤسستان رئيسهما غير لبناني، لكنها تخضع لقانون التعليم العالي الذي صدر في العام 1961 وعدل في العام 2014. هي جميعا “خاصة” ولا تنطبق عليها صفة “غير وطنية” بأي حال من الأحوال.
لكن الأهم أن صفة “وطنية” تعطي رسالة معاكسة للعمومية. تحمل المعنى الذي يحمله تعبير “النشيد الوطني” مثلا، الذي نقف جميعا لنؤديه وباحترام. هي رسالة تشبه القدسية، بالمعنى الدستوري للكلمة. أي انها خارجة عن النقاش والمساءلة. وهذا لا يصح على المؤسسات العامة.
لم يبق لفهم سر رواج وصف الجامعة اللبنانية بـ”الوطنية” إلا تفسير واحد: هي وصف أيديولوجي. وفي الأيديولوجيا تكون إما ضد او مع، لا مكان لموقف ثالث. وفي الأيديولوجيا تكون هناك قوى نافذة تتخذ القيمة (الوطنية) سلاحا مسلّطا فوق الرؤوس، ضد كل من تخوّل له نفسه نقد الوضع القائم فيها. وهذا أمر نعرفه جيدا في تجربة حزب البعث مثلا في سوريا والعراق الذي اتخذ شعار العروبة والقومية العربية وسلّطه على المعارضين لاضطهادهم.
أصل التعبير وتحولاته:
في بداية الخمسينات توقّفت الحكومة الفرنسية عن تقديم المنح لطلاب الجامعة اليسوعية نتيجة سياسة التقشف التي اعتمدتها الحكومة المذكورة بعد الحرب العالمية الثانية. في ذلك الوقت كان التعليم العالي مقتصرا على الجامعتين الأجنبيتين القائمتين (اليسوعية والأميركية)، أي قبل ان يصدر قانون العام 1961 في عهد شهاب وتصبحا خاصتين، لبنانيتين.
بدعوة من “اتحاد الطلاب العام” في الجامعة اليسوعية، وجه الطلاب عريضة إلى وزير التربية لتحقيق مطالبهم قبل 20 كانون الثاني1951 وإلّا فالإضراب العام. وكان أبرز هذه المطالب “إعفاء طلاب المعاهد العليا من الأقساط ريثما تؤسَّس الجامعة اللبنانية الوطنية المنشودة” (بديلا عن الجامعتين الاجنبيتين، أو في موازاتهما). ثم نظّم الطلاب تظاهرة في 2 شباط. وجرت مواجهات بين قوى الأمن والطلاب في وسط العاصمة (ساحة البرج). في تلك المواجهات أصيب الطالب فرج الله حنين رئيس الاتحاد، بضربة من كعب بندقية في رأسه، سببت له الوفاة لاحقا.
أطلقت على حنين صفة “أول شهيد للحركة الطلابية في سبيل الجامعة اللبنانية”. واكتسب الحادث وشعار المظاهرة قوة رمزية تعززت مع البدء بإنشاء الجامعة اللبنانية في السنة نفسها، وتصاعد الاحتجاجات والإنجازات طوال الخمسينات والستينات.
كان من المحتمل ان تحل صفة “العامة” محل صفة “الوطنية” مع لبننة الجامعات الخاصة في العام 1961، ثم مع إقرار القانون الأساسي للجامعة (1967) خاصة ان أساتذة الجامعة وطلابها ساهموا في انتاج هذا القانون، وان ادمون نعيم اعتمد في رئاسة الجامعة (1970-1975) حكم القانون وتصرف على أساس أنها مؤسسة عامة.
لكن سياقا سياسا جديدا داهم الجميع: حادث مطار بيروت العام 1968، واتفاق القاهرة العام 1969 وما رافق ذلك من نزاعات كانت “الوطنية” محورها. وتفاقم الوضع مع الحرب. ومع تدهور الدولة بسبب الحرب ابتداء من العام 1975 دخل مفهوم العمومية طي النسيان.
ولم يكن ممكنا أن يعود المفهوم الى الظهور بعد الدخول في الزمن السوري. ولم يجد من تولوا رئاسة الجامعة منذ العام 1993 ومن تولوا قيادة رابطة الأساتذة المتفرغين منذ العام 1998 إلا صفة “الجامعة الوطنية” لتغطية السماوات بالقبوات. وأصبح الدفاع عن مطالب الطلاب والأساتذة المحقة حجتهُ الدفاع عن الجامعة “الوطنية”. ثم انتشر استعمال تعبير “الوطنية” كصفة لازمة للجامعة اللبنانية بين البعيدين والأقربين والرأي العام ورجال السياسة.
إذا كنا نأمل العودة الى دولة القانون، ونسعى اليها، فنحن نتحمل أيضا مسؤولية تصحيح سرديات نُسجت وترسخت خلال عقود من الزمن، واستعادة سردية “المؤسسة العامة”. السرديات تصنع الوقائع.
* نشرت بتاريخ 4 تشرين الثاني 2025
