اقتصاد صحف وآراء

الإنسان كسلعة: تفكيك الخطاب الاقتصادي في لبنان

* د. سعيد عيسى

السوق اللبناني بين الأيديولوجيا والهيمنة الرمزية

في الخطاب الاقتصادي اللبناني، الذي كثيرًا ما يتداخل مع السياسي، تُطرَح مفاهيم مثل “تحرير السوق”، “ترشيد الدعم”، و”إعادة هيكلة القطاع العام” بوصفها خطوات “تقنية” لا بدّ منها لإنقاذ الاقتصاد. إلا أن الطرح يفترض حيادًا لا وجود له؛ هذه المفاهيم ليست محايدة، بل محمّلة بأيديولوجيا واضحة، تعبّر عن رؤية معينة للعالم، للحرية، وللعلاقة بين الفرد والدولة.

هذه المفاهيم ليست أدوات تقنية فحسب، بل هي بنى أيدولوجية محملة بقيم فلسفية تعكس تصورات معينة عن “الحرية” و”الفرد” و”الدولة” “العدالة”. من منظور نقديّ، يُشكّل هذا الخطاب شكلًا من أشكال الهيمنة الرمزية التي تُعيد تعريف علاقة الإنسان بالمجتمع، وتُحوّل الوجود الفردي له إلى عبءٍ عليه مستمرٍّ ليضمن بقاءه الاقتصادي.

 السوق كأسطورة معاصرة

في الفكر الليبرالي، يُقدَّم السوق كحيّز طبيعي للتنظيم الذاتي، يخضع لقوانين تشبه قوانين الفيزياء أكثر من السياسة. لكن، كما يُظهر ميشال فوكو ويورغن هابرماس، فإن السوق ليس كيانًا “طبيعيًا”، بل هو بناء تاريخي أُنتج عبر خطاب السلطة.

في لبنان، السوق ليس فضاءً حرًا أو محايدًا كما يُروّج له، بل هو انعكاس مباشر لعلاقات قوى غير متكافئة. فالرأسمالية اللبنانية تتمحور حول شبكات طائفية – سياسية – عائلية تسيطر على الموارد، وتُعيد إنتاج هيمنتها تحت مسمى “السوق الحر”، بينما الواقع هو تكريس للاحتكارات الخاصة.

هذا السوق، الذي يُفترض أن يكون حرًا ومفتوحًا، يعتمد بشكل أساسي على التحويلات المالية من المغتربين، التي تحوّلت من مجرد مصدر دخل خارجي إلى آلية وجودية للبقاء. في هذا السياق، فإن التحويلات ليست مسألة اقتصادية فقط، بل تشكّل اعترافًا ضمنيًا بانهيار الدولة وعجزها عن تأمين الحدّ الأدنى من مقومات الحياة الكريمة.

 السّوق من حق إلى سلعة

إنّ الحديث عن “تحرير السوق” هو في جوهره فعل نزعٍ عميق، يتجاوز مجرّد الإجراءات الاقتصادية ليُصبح نزعًا للحماية، وللاعتراف، وللروابط التي تُشكّل كينونة الفرد في المجتمع وتُحدّد وجوده الإنساني. فهو لا يهدف إلى إطلاق طاقات الفرد، كما يُزعَم في خطاب الحرية النيوليبرالي، بل يعمل على تفكيك الشروط الوجوديّة الأساسية التي تُمكّنه من أن يكون كائنًا ذا قيمة تتجاوز منطقه الاقتصاديّ، وأن يحيا بكرامة وحرّية حقيقية.

يتجلّى ذلك بوضوح في تفكيك الدولة، بوصفها إسقاطًا للمعنى المشترك وللمسؤولية الجماعية؛ إذ لا تعني خصخصة القطاعات الحيوية، كالكهرباء والماء، تعدّد الفواتير والأعباء المالية فحسب، أو تعميق الفجوة الاقتصادية، بل تمتد لتُفكّك المجال العام ذاته، وتُحوّل الكهرباء والماء من حقٍّ جماعيٍّ أساسيّ، يضمن العيش المشترك ويُعزّز التكافل، إلى مجرّد سلعةٍ تخضع لمنطق السوق الربحيّ البحت.

وبالمثل، فإن قرار رفع الدعم عن الأدوية أو المحروقات أو الطحين، ليس مجرّد إجراء اقتصاديّ بحت، بل هو نزعٌ لحقّ الحياة ذاته؛ إذ يُحوّل الألم والمرض والغذاء والدواء إلى امتيازٍ طبقيّ، ويُجبر الأفراد على مواجهة أعباء وجوديّة لا تُطاق، في عزلة تامة عن أي شبكة دعمٍ اجتماعيٍّ، أو عن مفهومٍ للمواطنة يقوم على الحقوق، مما يُلقي عبء البقاء كاملًا على كاهل الفرد.

 حرّية الغياب: الفرد كمشروع في ظلّ الفوضى

إن غياب التنظيم، الذي يُقدَّم كفلسفة سلبية للحرية، يُترجم في الواقع إلى فوضى تُقوّض أسس الوجود الإنساني. فـ”تحرير القطاع المصرفي”، وترك الحبل له على غاربه، لم يُفضِ إلى اقتصاد مزدهر، بل إلى كارثة وجوديّة؛ إذ لم يكن اختفاء أموال الناس مجرّد سرقة مالية، بل كان سرقة للثقة، وللمستقبل، ولإمكانية التخيّل أصلًا، مما أفرغ حياة المتضررين من معانيها الأساسية.

في هذا السياق، يُفرَض الأنموذج النيوليبرالي على الفرد، الذي لا يُنظر إليه ككائنٍ حرٍّ يتمتع بحقوق متأصّلة، بل كـ “مشروعٍ اقتصاديٍّ” دائم، عليه أن يُدير فقره، ويُعقلن ألمه، ويُسوّق ذاته باستمرارٍ في سوقٍ لا يرحم. في لبنان، يُجبر الناس على إدارة أزماتهم الفردية بأنفسهم، في ظلّ غيابٍ شبه تام لأي دعمٍ مؤسساتيّ، ما يجعل عبء البقاء واقعًا بالكامل على كاهل الفرد، ويفرغ الحرية من مضمونها الجماعي.

 الاغتراب الوجوديّ: تفكّك الرّوابط وتآكل المعنى

يؤدّي تحرير السوق إلى اغترابٍ وجوديٍّ عميق، يتجلّى في تفكّكِ العلاقات وتآكل المعنى المشترك. فالسوق “المحرَّر” لا يحرّر الإنسان، بل يعزله ويقوّض روابطه الجماعيَّة. وفي ظلّ غياب الدولة وتخلّيها عن دورها الرعائيّ، تُستعاد الشبكات الطائفيَّة والعائليَّة، لا كتعبيرٍ أصيلٍ عن التكاتف والتضامن، بل كآليّات طوارئ لبقاءٍ هشٍّ ومذبذب. كما يؤدّي هذا “التحرير” إلى نزع القيمة عن العمل والمعنى الكامن فيه؛ فتدهور قطاعات حيويَّة كـالزراعة والحرف التقليديَّة لا يُمثّل خسارةً اقتصاديَّة فحسب، بل فقدانًا لأنماط عيشٍ كانت تمنح الحياة إيقاعًا خاصًّا ومعنى وجوديًّا للفرد والجماعة.

وأخيرًا، يُفضي “تحرير السوق” إلى تفاوتٍ صارخٍ يخلّ بالعدالة الوجوديَّة؛ فالأزمة الماليَّة لم تفضح فقط هشاشة الاقتصاد وضعف بناه، بل كشفت عن هشاشة العقد الأخلاقيّ الذي يربط أفراد المجتمع. هذا التفاوت يثير أسئلةً جوهريّة: من يحقّ له أن يعيش بكرامة؟ ومن يُساءل عن هذا الوضع؟ ومن يُترَك لمصيره المجهول؟

كيف نُحرّر الإنسان من السوق؟ 

إنّ تحرير الإنسان من قبضة السوق لا يعني إلغاء النشاط الاقتصاديّ برمّته، بل يتطلب إعادته إلى موقعه الطبيعيّ: كأداة في خدمة الحياة، لا كغاية تبتلع معناها ووجودها. ويتطلّب هذا التحرير ثلاث خطواتٍ متداخلة وجوهرية:

الخطوة الأولى: تفكيك خرافة الحياد الاقتصاديّ

السوق ليس كيانًا طبيعيًّا أو محايدًا، بل هو نظام مُصنّع تاريخيًّا، أُضفي عليه طابعٌ أخلاقيّ وكأنّه “أعدل من البشر”. يبدأ تحرير الإنسان من السوق بنزع القداسة عن هذا المفهوم، ورفض اعتباره المعيار الأوحد للنجاح، والكفاءة، والاستحقاق. فكما تؤكد “حنّة أرندت”: (Hannah Arendt) “عندما تُستبدل السياسة بالاقتصاد، تُستبدل الحرية بالحاجة.”

وفي السياق اللبناني، يجب تسمية السوق بما هو عليه حقًا: ميدانٌ للهيمنة المقنّعة، يُعيد إنتاج الامتيازات الطبقيّة والطائفيّة تحت راية “الحرية الاقتصادية” الزائفة.

الخطوة الثانية: استعادة المعنى الجماعيّ للحياة

لا يتحقّق التحرّر من هيمنة السوق إلّا عندما يُعاد تعريف الإنسان بوصفه كائنًا ذا قيمة تتجاوز مجرّد إنتاجيّته أو قدرته الاستهلاكيّة. وهذا يستدعي إعادة الاعتبار للمجال العام، حيث ينبغي أن تُفهم الخدمات الأساسيّة – كالكهرباء، والماء، والطبابة، والتعليم، والسكن، وغيرها – لا كسلع قابلة للبيع والشراء، بل كبُنى جوهرية للعيش، وضمانات أساسيّة للكرامة الإنسانيّة. كما يتطلّب ذلك تحرير الزمن من منطق الإنتاج القسري، ليُتاح للناس أن يكونوا موجودين، لا لأنهم يعملون أو يستهلكون، بل لأنهم يتنفّسون، ويتأمّلون، ويحبّون، ويربّون، أي لأنهم يعيشون حياةً ذات معنى أعمق.

الخطوة الثالثة: خلق بدائل تضامنيّة وخياليّة

إنّ تحرير الإنسان من السوق يستوجب خيالًا سياسيًّا واجتماعيًّا جديدًا، قادرًا على بناء اقتصادٍ يقوم على التعاون لا التنافس، على الوفرة لا الندرة، وعلى العلاقات الإنسانيّة الماديّة. هذه البدائل ليست مجرّد أوهام طوباويّة، بل تتجلّى بالفعل في ممارسات مجتمعيّة حيّة وممكنة. كما تستدعي هذا البدائل لامركزيّة اجتماعيّة، تُمنح فيها المجتمعات المحليّة القدرة على ابتكار حلولها الخاصّة، بعيدًا عن منطق السوق النيوليبراليّ المفروض من الأعلى.

في الخلاصة

إنّ تحرير الإنسان من السوق هو دعوة لاستعادة الحياة من بين أنقاض الأرقام المجرّدة، والمؤشّرات الاقتصاديّة الفالتة من عقالها، ومصطلحات “الإصلاح” التي جرّدت الإنسان من قوّته، ومن حاجته إلى الرعاية، ومن حقّه الأصيل في المعنى. وكما كتب “إيفان إيليش” (Ivan Illich) بحكمة:”حين تُصبح أدواتنا مستبدّة، نحتاج إلى تقشّفٍ روحيّ، لا تقشّفٍ اقتصاديّ.”

وفي لبنان، لا يكمن الخلاص في خصخصة الدولة وتفكيكها، بل في إعادة الإنسان إلى موقعه كقيمة أولى وأساسيّة. ومن هنا، تبدأ السياسة الحقيقيّة، ويُعاد بناء الاقتصاد.

* نشرت بتاريخ  15 تموز 2025 على موقع بوليتيكا

* دكتوراة في الأنثروبولوجيا الاقتصادية، باحث وكاتب.