بشكل مفاجئ تغير وسائل الإعلام المصرية طريقة تعريفها للرئيس، لتصبح” فخامة الرئيس الزعيم السيسي”. التحول الذي أثار الحيرة من حيث المعنى أو الدلالة، كان يمكن أن يمر من دون الكثير من اللغط بوصفه زخرفة لغوية فارغة، لولا أن الأيام القليلة الماضية شهدت سلسلة من الإجراءات والتصريحات والتلميحات المفاجئة.
أعلن الرئيس عن عزمه عدم المساس بالدستور، في إشارة إلى الاكتفاء بفترتين رئاسيتين، من دون رغبة في التمديد. اللافت هو أن يتحول حديث الرئيس عن احترام الدستور والالتزام به إلى خبر. ذلك التصريح العابر، تم التأكيد عليه لاحقاً، بإعلان الرئيس بطريقة تبدو مرتجلة، عن مجموعة من الاشتراطات الإضافية تفرض على الراغبين في الترشح لمنصب الرئاسة. بدت الاشتراطات الرئاسية المتعارضة مع الدستور، كأنها تمنح الرئيس السيسي دوراً في الإشراف على عملية تسليم السلطة وتحديد مواصفات من يخلفه بل وربما اختياره ضمناً، والأهم تمنح القوات المسلحة دوراً في فرز الراغبين في الترشح، بحيث تقوم الأكاديمية العسكرية بدور حراسة البوابات. لا يستطيع الراغب في الترشح أن يكون مرشحاً سوى بعد القبول في الأكاديمية، والخضوع لدورة تدريبية فيها بطول 30 شهراً.
في الوقت ذاته، أعلن الرئيس عن استعداد القوات المسلحة المصرية لتلبية “توجيهات” القيادة السعودية بالمشاركة في الدفاع عن المملكة. وتبع ذلك انعقاد مجلس الدفاع الوطني وموافقته على إرسال قوات إلى السعودية، وتم تحويل القرار إلى البرلمان لعقد جلسات طارئة لمناقشته والموافقة عليه، وهو ما يتطلب موافقة ثلثي الأعضاء بحسب الدستور المصري. ثمة تفاصيل أقل أهمية، مثل الظهور غير المتوقع للكوميدي المصري، باسم يوسف، بمقطع فيديو مسجل عرض أمام الرئيس في إحدى فقرات “منتدى مصر”، وتجاوب الرئيس مع الفيديو بالابتسام. وتبع ذلك تكهنات من وسائل إعلام محسوبة على النظام بشأن عودة قريبة لباسم إلى مصر بعد سنوات من العيش في المنفى. لكن علامة الانفراجة تلك، قابلها استدعاء لينا عطا الله، رئيسة تحرير موقع “مدى مصر” إلى نيابة أمن الدولة العليا، والمثول للتحقيق يوم الأربعاء الماضي.
ثمة تكهنات بأن الإشارة إلى اكتفاء الرئيس بفترتين لا أكثر والتحول المفاجئ في الموقف المصري تجاه الحرب في منطقة الخليج، مرتبطان، وإن كان لا يبدو أن أحداً قادر على تخمين تلك العلاقة. مسألة مغادرة الرئيس موقعه في العام 2030 قد تكون مناورة. أو قد يكون الرئيس بالفعل صادقاً في نيته، شرط أن يكون إسباغ صفة “الزعامة” عليه بمثابة رفعه فوق مقام الرئيس، بحيث لا يشرف فقط على اختيار رئيس جديد بل يكون مشرفاً على منصب الرئاسة في المستقبل. بالطبع ظهور باسم يوسف المفاجئ ليس علامة انفراجة، بينما يقبع الألوف في السجون، لكنه بلا شك محاولة دعائية من قبل النظام لتحسين صورته، تكشف عن عجز أجهزته الإعلامية عن القيام بأدوارها واحتياجها للجوء إلى معارضيه ذوي الألسنة الحادة. الاعتماد على الاحتواء بدلاً من القمع قد يكون تنازلاً يخص حالة واحدة، لكنها قد تشجع آخرين على التعدي على الخطوط الحمراء.
عادة ما تعمل السلطوية عبر ترسيخ مبدأ الجمود، ومصادرة أي أفق لتصور التغيير. قد تتشرخ الأنظمة القمعية تحت عبء ثقلها الذاتي، أو بفعل صراعات داخلها أو ضغوط من الخارج. وفي هذه الحالة، قد تقود الإجراءات المفاجئة المقصود بها تفادي الانهيار إلى انهيارها بالفعل. لكن الأنظمة السلطوية أيضاً تعمل عبر جعل سلوكياتها عصية على الاستيعاب والتنبؤ، بحيث تصبح السياسة مثل صندوق أسود أو عرضاً لأخيلة الظل. وتجعل جمهورها ومعارضيها يتأرجحون في استسلام بين حالتي الترقب والصدمة.
* تم النشر بتاريخ 21 تشرين الاول 2026 على موقع المدن
