سياسة • صحف وآراء

أوروبا وأميركا الأرقام المتشابهة والجسمان المختلفان

* بلال خبيز          

منذ أيام خاطب الرئيس الفرنسي أمة غاضبة. لقد سبق الخطاب تظاهرات ملأت شوارع فرنسا، احتجاجاً على مستوى معيشة يتآكل.

إنها فرنسا. تشتعل شوارعها مرة أخرى. لكن هذا الحريق اليوم يبدو مختلفاً. هذا حريق يضعفها، ولا يقويها كما في مرات سابقة. لهذا لم تتعامل معه الصحافة الأميركية كحدث دوري. لقد بدا لها مثابة ناقوس خطر. خطر لا يطاول أوروبا وحدها، بل قد يمتد إلى أميركا نفسها. نشرت ماركت واتش في 19 من الشهر الجاري مقالاً حمل عنوان: “فرنسا وأميركا تتشاركان فخ الدَين نفسه، وواحدة فقط تملك طوق نجاة”. سي. أن. أن نشرت في اليوم التالي مقالاً بعنوان: “أزمة فرنسا تبدو مألوفة. هل تكون أميركا التالية؟”

أسباب القلق مفهومة. فأميركا تنام على دَين أثقل من دَين باريس وعجز أكبر منه. لكن لم يخرج أميركي واحد إلى الشارع بعد. الأرقام متشابهة حد التطابق، فلماذا يحترق بلد ويتجلد آخر؟

انحسار المرتكزات الأوروبية وأزمة التنافسية

واقع الأمر أن المشهد الأوروبي محكوم باضطراب متزامن في ثلاث دعامات أساسية شكّلت عماد الاستقرار والنمو في مرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية: مظلة أمنية أميركية تكفلت بعبء الردع العسكري، وإمدادات طاقة روسية مستقرة ورخيصة دعمت القاعدة الصناعية القارية، وأسواق استهلاكية مفتوحة في الصين استوعبت فائض السلع المتقدمة، لا سيما الألمانية.

هذه المسارات الثلاثة انقطعت في وقت متزامن. ما فرض ضغوطاً هيكلية عميقة على اقتصادات القارة. تمثلت هذه الضغوط أولاً باختلال معادلة الطاقة والتصنيع. حيث أدى استبدال خطوط الأنابيب بالغاز الطبيعي المسال إلى فرض تكاليف إضافية واضحة على القطاعات كثيفة الاستهلاك للطاقة، مثل الكيماويات والتعدين والسيارات. ترافق ذلك مع تدابير حمائية ودعم مالي قدمته واشنطن عبر حزم التشريعات الاقتصادية الحديثة، مما شجع بعض الاستثمارات الأوروبية على التوجه غرباً بحثاً عن تكلفة تشغيلية أكثر استقراراً. وأدت ضغوط الموازنات السيادية والخدمات الاجتماعية من جهة ثانية إلى مفاقمة العجز. وفي هذا السياق تبرز الحالة الفرنسية كمؤشر على التوتر المتصاعد بين متطلبات الالتزام المالي ومقاومة الشارع. حيث تجد الحكومات الأوروبية نفسها مقيدة بنسب دَين مرتفعة وتكاليف اقتراض متزايدة، في وقت تتصاعد فيه كلفة دولة الرفاه وتحديث البنى الدفاعية. وإذا أضفنا إلى هذين العاملين واقع التأخر الأوروبي الفاقع في السباق التقني الفائق، تصبح زوايا المثلث مكتملة. حيث تواجه أوروبا فجوة واضحة في مجال البنية التحتية الرقمية، وتحديداً في تطوير نماذج الذكاء الاصطناعي التوليدي، وتصنيع رقائق السيليكون المتقدمة، وإقامة مراكز البيانات العملاقة، مما يجعل اقتصاداتها في موقع المستهلك للتقنيات والخدمات السحابية المصممة خارج حدودها.

الاحتجاج الاجتماعي: مقارنة دلالية بين 1968 واليوم

ما تقدم يوضح لماذا يصعب الظن أن ما يجري اليوم في فرنسا ومعظم أوروبا، يمكن أن يكون تكراراً لثورة أيار 1968. لأن أي تفحص بنيوي لدوافع كلتا اللحظتين يوضح تبايناً ملحوظاً في الأسباب والأهداف. فأحداث أيار 1968 وقعت بوصفها تمرداً في سياق الوفرة. إذ نشأت تلك الاحتجاجات في إطار مرحلة تاريخية اتسمت بنمو اقتصادي متسارع ومعدلات توظيف شبه كاملة (الثلاثين المجيدة). كما أن من قاد الحركة بالأساس تمثل بقطاع شبابي وطلابي يطالب بتحديث البنى الثقافية والاجتماعية وتجاوز القوالب المؤسسية الصارمة. وكانت الدولة آنذاك تمتلك هوامش مالية مكنتها من احتواء الغضب عبر اتفاقيات زيادة الأجور وتوسيع المكتسبات. لكن الاحتجاجات الحالية تتسم بطابع دفاعي ووجودي، يركز على حماية المكتسبات التقاعدية والقدرة الشرائية في ظل التضخم وانكماش هوامش الإنفاق العام. والفاعلون الأساسيون في هذه الأحداث هم طلاب يعترضون على تردي أحوال قطاع التعليم، وحشد من الطبقات العاملة والمتقاعدين، الذين يشعرون بوطأة التراجعات الاقتصادية وصعوبة الحفاظ على مستوى المعيشة السابق، في ظل ضيق المساحة المالية المتاحة أمام الحكومات لتقديم تنازلات واسعة.

فرنسا- أميركا: افتراق جذري

على مستوى المؤشرات المحاسبية البحتة، تبدو الأزمة التي تواجهها فرنسا شديدة الشبه بالأزمة الأميركية. كلا البلدين يرزح تحت جبال من الديون السيادية التي تناهز أو تتجاوز ناتجهما المحلي الإجمالي، وكلاهما يعاني عجزاً مزمناً في الموازنة وارتفاعاً في كلفة خدمة الدين. غير أن التطابق في الأرقام يخفي افتراقاً جذرياً في طبيعة الجسد السياسي والاجتماعي الحامل لهذه الأرقام. يستند النظام الدولتي الفرنسي إلى فكرة “الدولة-الأم” وتستند الجمهورية على عقد “دولة الرعاية” الشاملة. حيث الدولة هي حاضن للتعليم، وضامن للصحة، وملاذ التقاعد، وموزع الرفاهية. ولذا، فإن أي عجز محاسبي في الخزانة بباريس يضرب مباشرة عصب السلم الأهلي، ويتشظى فوراً إلى أزمة وجودية في الشارع. لأن المجتمع مبرمج على أن الدولة مسؤولة عن بقائه واستقراره. في الجهة المقابلة تبدو أميركا تحالفاً لمؤسسات خاصة أكثر مما هي دولة. فعلى النقيض من النموذج الأوروبي “الدولة- الأم”، فإن الولايات المتحدة لم تكن يوما دولة رعاية. الصحة شأن شركات التأمين الخاصة، والتقاعد استثمار في أسواق الأسهم وصناديق وول ستريت، والأمن الداخلي شأن محلي وشخصي، والبنتاغون مجمع صناعي تعاقدي، والاحتياطي الفيدرالي نفسه شراكة هجينة تمتلك المصارف التجارية أسهم بنوكه الإقليمية.

هذا التمايز البنيوي يجعل النظام الأميركي قادراً على عزل أزمته الحسابية. يمكن لوزارة الخزانة أن تعاني من العجز بمفردها ككيان محاسبي، من دون أن يؤدي ذلك إلى شلل الأمة أو انهيار ماكينتها الإنتاجية. الأمة تواصل الركض، وأسواقها الخاصة تواصل الابتكار، بينما يُترك المحاسب الفيدرالي ليدير أرقامه المتعثرة كمسألة تقنية تتكفل شبكات المال الخاصة بإعادة جدولتها. باختصار: أميركا لا تعزل أزمتها. إنها تُخصخصها. ما تدفعه فرنسا جماعياً في الشارع، يدفعه الأميركي فردياً في قسط الرهن وبطاقة الائتمان وفاتورة التأمين: إنه ألم مُفتَّت لا يجد شارعاً يجمعه.

الثالوث المالي الأميركي: دين الخزانة، أرباح المصارف، وإدارة الفيدرالي

– الخزانة الأميركية والمأزق الحسابي 

تعاني وزارة الخزانة من ضغوط متزايدة ناجمة عن اتساع العجز وارتفاع كلفة خدمة الدين، التي باتت تشكل بنداً رئيسياً في الموازنة. وحيث أن وزارة الخزانة تمثل الكيان المحاسبي للدولة. فيفترض، بحسب المنظور التقليدي، أن يضعف هذا الحجم من الإصدارات العملة ويرفع علاوة المخاطرة. غير أن الخزانة لا تخضع لشروط الإفلاس السيادي المعتاد، لأن شبكة المصالح المالية تقتضي بقاء سنداتها كأصل قياسي لا غنى عنه لتسعير الائتمان عالمياً. لكن هذه النقطة التي تنتبه لها مقالة ماركت واتش، وتعتبرها حبل الخلاص الأميركي ليست الدعامة الأهم التي تحمي أميركا من السقوط والتعثر.

فالمصارف الكبرى لا تحتاج إلى تسعير الدولار كسلعة نادرة. يكفيها طلب هائل يتنافس على بركة مال واحدة. حذّر جيمي دايمون، الرئيس التنفيذي ورئيس مجلس إدارة جي بي مورغان تشيس، منذ أيام من أن السوق “ستطلب المزيد والمزيد”، وأن شركات التقنية المنفقة مئات المليارات على بنى الذكاء الاصطناعي تنافس وزارة الخزانة نفسها على التمويل، ما يرفع كلفة الاقتراض على الجميع، لتبقى المصارف هي بوابة العبور التي لا غنى عنها.

واقع الأمر أن المصارف الكبرى الأميركية تعمل بمنطق تجاري بحت. لا ترى في الدولار مجرد عملة حسابية، بل سلعة استراتيجية. تتطلب البنية التحتية للاقتصاد الجديد -أبحاث الذكاء الاصطناعي ومزارع الخوادم والتحوط في أسواق المشتقات- سيولة ضخمة لا تتوفر بسلاسة إلا داخل القنوات الأميركية. وحين تفرض المصارف هوامش فائدة مرتفعة، فإنها تستند إلى محدودية البدائل الدولية من حيث الحجم والموثوقية والسيولة.

– الاحتياطي الفيدرالي كمنسق للشراكة الهجينة 

صُمم الفيدرالي منذ 1913 ككيان هجين يجمع بين مجلس محافظين ذوي صفة رسمية ومصارف إقليمية مملوكة للمصارف التجارية الأعضاء. وهو يملك، بالتنسيق مع الخزانة والمصارف، أدوات تنظيمية تمنع تعثر تمويل الدولة من دون اللجوء إلى خيارات الصدمة: من تعديل نسب الرافعة المالية إلى إدارة آجال الاستحقاق ونوافذ السيولة. وهذا ما يسمح بالتعامل مع دين الخزانة كأمر واقع يمكن ترويضه ما دام المحرك المصرفي والاستثماري يواصل جذب التدفقات الدولية. صحيح أن الأسهم التي تملكها المصارف التجارية لا تدخل في التداول، ولا تمنحها سيطرة على السياسات المالية. لكنها تساهم في منح المصارف موقعا مؤثرا داخل بنية السلطة النقدية لا خارجها، وتجعل الحدود بين العام والخاص ملتبسة.

استعمار المستعمر

احتمالات النجاة الأميركية لا تعفي أميركا نفسها والعالم كله من القلق. فتعثر أوروبا يعني في حقيقة الأمر انهيار نظام حكم العالم لعقود. وانهيار هذا النظام قد لا يزعج القوى الأخرى، على المدى الطويل. لكنه يطرح على العالم اليوم مهمة طارئة: معالجة آثار الانهيار الكبير، وتداعياته التي تطال كل مكان. لهذا يدور في الكواليس اليوم طروحات تعيد استحضار مبادرة تشبه “مشروع مارشال”، لكن أي مشروع مشابه اليوم سيكون محكوماً بتحولات عميقة في آليات التأثير، من الوجود العسكري إلى السيطرة عبر الشبكات المالية والتقنية.

في عام 1947 قُدمت المنح وخطوط الائتمان لإعادة بناء قارة مدمرة، وكانت تُسترد كطلب على البضائع الأميركية. اليوم لا تسعى واشنطن لإعادة بناء شركاء منافسين صناعياً، بل تشهد العلاقة مع أوروبا سعياً أميركياً نحو تحويلها إلى تبعية بنيوية. وهذا جوهر ما لاحظه تقرير ماريو دراغي. حيث تعمل واشنطن على إغراء رأس المال بدلاً من تصديره: وتستخدم التشريعات الجديدة كأداة لاستقطاب الشركات الأوروبية، ونقل عملياتها ومراكز أبحاثها إلى الداخل الأميركي، مما يفرغ القارة تدريجياً من بعض ركائزها الإنتاجية الأكثر تطوراً. وفي هذه المعادلة تجد أوروبا نفسها في موقع المتلقي لا المبادر، لأنها باتت مرتهنة لأميركا في صعيدين أساسيين. إذ تحولت أوروبا إلى مشترٍ رئيسي للغاز المسال الأميركي، في الوقت الذي تعتمد فيه مؤسساتها على البنية التحتية السحابية لعمالقة التقنية الأميركيين، من دون أن تنجح حتى الآن في بناء بدائل سيادية مكافئة.

وقد يكون أبرز الدلالات الرمزية لهذا التحول متمثلاً بواقع أن أوروبا -التي قادت تاريخيا مشاريع التوسع الاستعماري- تجد نفسها اليوم في موقع الطرف الأضعف داخل منظومة الغرب.

المفارقة الكبرى ليست في تشابه أرقام الدين بين باريس وواشنطن، بل في اختلاف الجسد الذي يحمل هذه الأرقام. أوروبا التي بنت نموذجها على الوعود والرعاية والدولة الحاضنة تجد نفسها مضطرة لإعادة تعريف ما تستطيع ضمانه وما لم يعد ممكناً ضمانه بالشروط القديمة. أما أميركا فتعزل أزمتها المحاسبية داخل وزارة الخزانة، وتترك مؤسساتها الخاصة تواصل الابتكار واحتكار التقنية وجذب رأس المال. وبين الطرفين تتسع مسافة لم تعد مجرد فجوة في النمو أو التقنية، بل اختلافاً في طبيعة العقد الاجتماعي نفسه، وفي قدرة كل نظام على امتصاص الصدمة من دون أن يفقد شرعيته.

 *تم النشر بتاريخ 23 تشرين الاول 2026 على موقع المدن