“حارة كل مين إيدو إلو” مقولة شعبية شائعة بين العامة، يُستشهد بها للدلالة على الفوضى الضاربة في مؤسسة ما أو مجتمع أو بيئة معينة، نتيجة التصرف خارج القانون أو من دونه بعد تجاوزه، في ظل تفلت من القواعد من دون محاسبة، أو السير بلا قاعدة محددة.
الواقع أن المتأمل في حال الجمهورية اللبنانية، التي بلغت اليوم ما فوق المئة سنة في ظل الدستور، يلاحظ من دون عناء أن سمة القفز فوق القوانين والدستور تحديداً، وإهماله ومحاولة ابتداع ممارسات وسوابق علّها تتحول أعرافاً، باتت سمة عامة، ولا سيما لدى بعض المسؤولين المؤتمنين على احترام الدستور. باتت هذه الممارسة تنتشر وتتفشى لدى عدد كبير، بل لدى الأغلبية الغالبة من المسؤولين.
يتقدمهم بطبيعة الحال رئيس الجمهورية الحالي العماد جوزاف عون، الطيب النية، لكن المندفع والمتحمس والمتلهف إلى العمل والإنجاز بأي ثمن، والذي لا يترك مناسبة إلا ويقول من خلال التطبيق اليومي إنه صاحب بصمة محددة تتسم بالاندفاع والإقدام المرتكز إلى الفردية المطلقة، وبأسلوب عمل يطمح إلى السيطرة والتحكم، ويريد أن يتخطى الجميع حتى لو كانوا موجودين وفاعلين، ليثبت أنه موجود ولو من خارج القواعد المتفق عليها والمنصوص عليها في الدستور والراسخة عبر الأعراف.
يقول الدستور في المادة 49: “رئيس الجمهورية هو رئيس الدولة ورمز وحدة الوطن. يسهر على احترام الدستور والمحافظة على استقلال لبنان ووحدته وسلامة أراضيه وفقاً لأحكام الدستور”.
أي أن الرئيس هو المعني أولاً باحترام الدستور والتقيد بنصوصه وأحكامه.
وهو بحسب هذا الدستور القائد الأعلى للقوات المسلحة التي تخضع لسلطة مجلس الوزراء، وهو ما نراه مؤخراً، حين أوقفت القوى الأمنية شحنة المتفجرات التي كان ينقلها حزب الله على حاجز ظهر البيدر، وتصاعد التوتر في الأجواء في لبنان وازداد شحناً واستقطاباً.
عندها سارع رئيس الجمهورية، المتحمس والمندفع إلى الاهتمام والإنجاز والمتابعة، إلى دعوة قادة الأجهزة الأمنية لبحث الأوضاع الأمنية في قصر بعبدا، من دون حضور الوزراء المختصين، أي من دون وزيري الدفاع والداخلية، ولا رئيس مجلس الوزراء، ولا أمين عام المجلس الأعلى للدفاع! وقد ظهر الرئيس بين قادة الأجهزة الأمنية وكأنه يحنّ إلى ممارسة الإمرة المباشرة التي كان يتولاها حين كان قائداً للجيش!
في السياق نفسه، سياق الفوضى و”حارة كل مين إيدو إلو”، قام السفير الأميركي اللطيف الخفيف، الطريف والمندفع والمتحمس للبنان وخدمته، ميشال عيسى، بزيارة تفقدية فجائية إلى مطار رينيه معوض في القليعات، مصحوباً بوفد من السفارة الأميركية، للاطلاع -بحسب قوله- على تطور الأشغال والاستعدادات لتجهيز المطار استعداداً لتشغيله قريباً! وكل ذلك من دون وجود وزير الأشغال أو أي مسؤول معني، بل اكتفى بوجود رئيس الشركة المتعهدة لأشغال تجهيز المطار!
ودار الحديث بين الرجلين، أي بين السفير والمتعهد صاحب الشركة، عن تقدم مراحل العمل!
وفي سياق الفوضى ذاتها المسيطرة على حالة لبنان، وبما أن الأغلبية منغمسة في المخالفات والتجاوزات فوق القوانين والدستور، انتقلت العدوى إلى المجلس الدستوري الذي أُسس أساساً لضبط التجاوز على الدستور، على أن تكون صلاحياته النظر في دستورية أو عدم دستورية القوانين التي يقرها مجلس النواب، إضافة إلى الطعون النيابية.
فما كان من المجلس الموقر إلا أن أقدم على سابقة لم تُسجل في تاريخ المجالس الدستورية، وهي قبول الطعن الذي تقدم به الرئيس جوزاف عون ضد قانون العفو، حيث اقترح مقترحات جديدة ليست من صلاحياته، بل من الصلاحيات الاشتراعية التي هي من صلب صلاحيات مجلس النواب!
هذا التجاوز الغريب وغير المسبوق الذي أقدم عليه المجلس الدستوري استدعى تدخلاً وتجاوزاً من نوع آخر، تمثل بإصدار مدعي عام التمييز الموقر أيضاً، وكلي الاحترام، تعميماً إلى النيابات العامة لعدم الأخذ بقرارات وتفسيرات المجلس الدستوري، فزاد في طين الفوضى بلة إضافية.
صحيح أن اجتماعاً حصل لتدارك التباين بين الطرفين والاتفاق على تفسير موحد، لكن النتيجة بالنسبة إلى المراقب والمتابع كانت “بهدلة” و”شوشرة” للطرفين لم تكن متوقعة ولا مطلوبة.
هكذا اكتمل نقل الفوضى التي بدأ بها رئيس الجمهورية، بزعرور المجلس الدستوري المطيع في إبطال مواد اعترض عليها الرئيس أيضاً في قانون إعادة هيكلة المصارف، حتى لو ابتعد لبنان جراء ذلك عن الاتفاق المنتظر والمنشود مع صندوق النقد الدولي.
كل ذلك يأتي طبعاً عملاً بالقول المأثور “من بعد حماري ما ينبت حشيش”، وخلي صندوق النقد “يدق راسو بالحيط”، فنحن يا سادة دولة من خارج القواعد الدولية والمالية المتعارف عليها دولياً، فلدينا حاكم لمصرف لبنان صنديد لا يخضع ولا يساير ولا يقبل التدخل في شؤونه، ويأخذ بالاعتبار بقوة فقط ما تريده جمعية أشرار المصارف – و”خلي المودعين يروحوا يبلطوا البحر”- ولا يهمنا أحد ولا يستطيع أن يقف في وجهنا أحد ويضع لنا القوانين والشروط، فنحن القوانين والقواعد المخالفة! وكل صنوف الفوضى.
السؤال البديهي: لماذا لم يتفق رئيس الجمهورية مع رئيس الحكومة، بعد انكشاف قضية المتفجرات على حاجز ظهر البيدر، على دعوة سريعة لمجلس الوزراء للانعقاد وإبقاء جلساته مفتوحة بالتوازي مع التوترات المحيطة، لمناقشة إجراءات ما بعد متفجرات ظهر البيدر والتدابير الواجب تنفيذها، وليس آخرها عدم الاتفاق على الإحالة إلى المجلس العدلي وتنفيذ قرار “بيروت منزوعة السلاح” المهمل والمتروك جانباً كغيره من القرارات؟
ما هو الكلام الذي كان من الممكن أن يقوله فخامة الرئيس لقادة الأجهزة الأمنية ولا يستطيع قوله في مجلس الوزراء؟
ومن سمح للسفير الأميركي بزيارة تفقدية لمطار قيد الإنشاء في القليعات؟ وما شأنه في مراقبة وتفقد أعمال تجهيز المطار المقبل على العمل؟
هل أخبر وزارة الخارجية ونسق معها قبل الزيارة؟
السفير الأميركي نفسه، ومن باب الاهتمام والتدخل و”الحرص الزائد!”، أقدم في الخامس عشر من الشهر الجاري على دعوة نحو عشرين نائباً من كل الأطراف والمشارب إلى ترويقة عمل في السفارة الأميركية. وكان موضوع الترويقة مناقشة إلغاء القوانين اللبنانية التي تجرم التعامل مع إسرائيل وسبل التخلص منها!
هل كان ذلك بعلم مجلس النواب أو وزارة الخارجية وبالتنسيق معها؟ أم من خارج الأطر المتعارف عليها والقواعد الدبلوماسية المعمول بها بين الدول؟
لنفترض أن السفير الإيراني، بغض النظر عن اسمه، توجه إلى مرفأ بيروت لتفقد أعمال بوابة ومحطة استقبال الحاويات من دون تنسيق مع وزارة الخارجية أو علمها، فماذا كانت ستكون النتيجة السياسية والإعلامية؟
من يوقف بعد الآن شطط وتمدد ممارسات وصلاحيات المجلس الدستوري ومد يده وقراراته خارج صلاحياته وأعمال التشريع في مجلس النواب؟ ومن سيثق بقراراته ويحترمها وينفذها بعد الآن، طالما أنها باتت معروفة من أين يجري توجيهها، وطالما باتت موضع تداول في الغرف المعروفة الاتجاه، وباتت الغالبية تعرف من يوجه ويسيطر على قرار هذا المجلس الموقر وكلي الاحترام؟
رحمة بلبنان والجمهورية والجمهور التعيس، هل من ينظر في حالنا ويوقف هذا الشطط الذي يفسح الطريق لما هو أكبر؟
* تم النشر بتاريخ 23 تشرين الاول 2026 على موقع المدن
