فتحت الندوة التي نظمها المنبر البلدي لمدينة بيروت في فندق السان جورج مساء أمس الأربعاء 21 الجاري ملف شركة السوليدير بعد 32 عاما على تأسيسها، وفتحت جروح العديد من أصحاب الحقوق من خلال مداخلات ظهر منها مدى ما ألحقته بهم تلك الشركة من ظلامات وافتئات على حقوقهم. فقد ظهركشف بعض الممساهمين أنه لم يحصل على أي أرباح طوال تلك السنوات، أو أن ما حصل عليه بعضهم ليس سوى الفتات. فمثلا ذكر أحدهم أنه من أصل اكتتاب بما قيمته 44 ألف دولار حصل بعد بيع ما لديه من أسهم على ما مجموعه خمسة الآف دولار من خلال احتساب الدولار على 15 ألف ليرة،. وتحدث آخرون عن دور الشركة كمكمل لدور المصارف في نهب المواطنين. وقس على ذلك، لتنتهي المداخلات بدعوة كل المتضررين إلى المبادرة لتفعيل أطر وتجمعات اصحاب الحقوق، على أن لا يقتصر التحرك على المساهمين، بل يتجاوزهم إلى سائر المواطنين الذين تضرروا بأشكال متعددة من إخلال الشركة بما نص عليه قانون قيامها من التزامات لم تف بها يوما، فضلا عما وضعت يدها عليه من أملاك مقتطعة من البحر، أو تعطيل تنفيذ مشاريع ذات طابع تنموي وثقافي لم يجر مقاربة اي منها. لكن ما أثير حول حجم ملكية انطوان صحناوي في الوسط دفع بالكثيرين إلى التساؤل عن مصير هذه المنطقة الحساسة من بيروت ، لاسيما وأن الارقام التي تحدثت عن حصيلة استثماره فيها تراوحت بين 38 و52 % وهي نسبة تجعله متحكما بمصير هذه المنطقة الحيوية ليس للعاصمة فقط بل للبنان بأسره.

فتحت عنوان “شركة سوليدير 1994 – 2026 : محاسبة أم مساومة ؟ ” عقدت الندوة في فندق السان جورج وحضرها كل من: رولى العجوز صيداني، روبير الأبيض، د. عماد سماحه، عامر داوود، هادي عيتور، بيار اللاتي، شهيد نكد، فادي جلوان، والاعلامي باسم سعد، المحامي مازن أبو الحسن، الدكتورة زين الخنسا، الشاعرة ليلى نمر هاشم، كريم صفي الدين، ومن أصحاب الحقوق كل من: قسطنطين كرم واحمد ابراهيم وسامي زغلول، وجورجيو ناكوزي ووسيم غندور وياسمين عريضه ورشا بيضون ورئيس المكتب التنفيذي لمنظمة العمل اليساري الديمقراطي العلماني زكي طه، الدكتور زهير، وعباس صالح ومحسن زين الدين، وصاحب الفندق فادي خوري وحشد من الحضور. استهل الندوة رمزي أبو خالد التي تحدث فيها كل من الدكتور محمد فريدة والاستاذ أحمد صبرا، بعد تعريف مقتضب بالمنبر قدمه أمين سر المنبر البلدي الاستاذ جمال حلواني.
كلمة أبو خالد
أشار ابو خالد إلى أن العنوان يضعنا أمام مفارقة أساسية: المحاسبة أو المساومة؟ فالمحاسبة تعني مراجعة الوقائع، وتحديد المسؤوليات والاحتكام إلى القانون والشفافية. أما المساومة فتطرح سؤالا مختلفا: هل يمكن أن تتحول الملفات العامة إلى أوراق تفاوض على حساب حقوق الناس أو المصلحة العامة؟ فنحن هنا لا لنصدر أحكاما مسبقة، بل لنستمع إلى الآراء والحجج ونناقش الوقائع، ونختلف اذا لزم الأمر، لأن القضايا العامة لا تحسم بالشعارات، بل بالحوار والمعرفة والمساءلة. وتوقف عند السؤال الأساسي في نقاش تجربة سوليدير وهو: كيف نقيس نجاح المشاريع الكبرى ؟ هل بما تحققه من استثمار لأصحابها ومساهميها فقط، أم أيضا بمدى احترامها للحقوق وشفافية القرارات وقدرتها على خدمة المصلحة العامة. فالمحاسبة ليست انتقاما أو تصفية حسابات أنها حين تستند إلى القانون والشفافية مدخل لاستعادة الثقة.
فريدة ومراحل حياة السيوليدير
قدم الدكتور محمد فريدة المداخلة الأولى. فوصف وسط بيروت حيث وضعت سوليدير يدها بأنها أهم قطعة في البلد ولكنها فارغة. هذا التناقض هو قصة سوليدير كلها. وتساءل من دفع كلفة اعمار الوسط ومن قبض المردود وماذا نفعل بالسنين المقبلة؟
تناول فريدة في القسم الأول من مداخلته المرحلة الممتدة من 1991 إلى 2005 وخلالها أعطت الدولة الشركة صلاحيات شبه سيادية على قلب العاصمة، مقابل وعد باعمار سريع والتزامات عامة. واستندت إلى قانون الشركات العقارية رقم 117 سنة 1991 بينما تأسست الشركة رسميا عام 1994 تحت مظلة مجلس الإنماء والاعمار. وكانت الذريعة هي وضع الدولة المنهارة والعقارات المفتتة بين ورثة ومستأجرين ومستفيدين. وعليه، كان أمام أصحاب الحقوق خيار واحد هو تملك أسهم من فئة A وقدرت قسيمة الأسهم بمليار دولار، بينما القيمة الحقيقية هي 3 مليارات؟ أما أسهم الفئة B التي طرحت للمستثمرين لـ 165 مليون سهم بـ 100 دولار للسهم فكانت محصورة بالمستثمرين العرب برأسمال مدفوع وصل إلى 1.65 مليار. وأخذت الشركة حق ردم البحر وتملك الأرض وكان الأساس هو 291.800 متر مربع لكنه لاحقا وصل إلى ما بين 730 و780 ألف مترمربع وهذه تقدرقيمتها بـ 2 مليار دولار. وانتهى إلى تنفيذ عملية انتقال ثروة سكان المدينة إلى شركة واحدة مقابل وعود بمنفعة عامة.
وفي القسم الثاني تطرق فريده، إلى المرحلة ما بين 2005 و2026 بينما الموعد الأصلي للتصفية كان في العام 2019 دون حل الشركة. وكانت الأزمة المالية لصالح السوليدير. ففي العام 2005 صدر مرسوم يحمل الرقم 15909 جرى تمديد ولايتها 10 سنوات أي للعام 2029. وهكذ حدث التمديد دون محاسبة ودون شروط . الآن تطالب الشركة بالتمديد قبل 3 سنوات على نهاية الموعد. وعرض كيف خدم الانهيار السوليدير لجهة ارتفاع معدلات الايرادات وكم ربحت الشركة من ذلك، وكان سعر السهم بـ “اللولار” بينما قيمة الارض بالدولار الفريش. وكانت الليرة تنهار وارتفع الدولار 500 % بين تشرين الثاني 2019 وآذار 2021. وكانت النتيجة أن السوليدير سددت ديونها للبنوك بعملة الأزمة وصارت أداة للأغنياء ضد الـ HAIRCUT يعني جزء من خسائر الانهيار انقلب ارباحا عقارية بالوسط. وتوقف عند ما وصفه بأنه حساب الشركة بعد هذه السنوات وكم حققت من أرباح حتى باتت استراتيجيتها عدم السعى إلى التطوير، لأنها تنتظر حركة السوق وارتفاع الأسعار فيما المدينة تدفع الثمن. وتوقف عند المشاريع التي لم تنفذها كالواجهة البحرية وحديقة الغفران والمتحف وموقف ساحة الشهداء. وعرض لطلب الشركة التمديد لها لمدة 75 سنة منذ التأسيس أي إلى العام 2069 فرفضت اللجنة التي شكلتها الحكومة لدرس الطلب لأربعين سنة ، بينما المطروح الآن التجديد لها إلى6 أو 8 سنوات. كما في طلب جمعيتها العمومية للرئيس نواف سلام بالتمديد، بعد التحقق من مؤشرات الأداء وتنفيذ الشروط المسبقة والمشاريع المطروحة المطلوبة ( الحديقة البحرية، الكورنيش البحري من الرملة البيضاء للمرفأ وساحة الشهداء ومتحف تاريخ بيروت والمسرح الكبير وحديقة الغفران ونقل ملكية المواقع الثقافية للقطاع العام). وبعده عرض في القسم الثالث الخيارات المطروحة أمام الحكومة وتوصل إلى أن ما يدعو إليه هو لا تمديد مفتوح ولا تصفية عشوائية. تمديد قصير بقانون مشروط بالتنفيذ وفق آلية تعيد جزء من القيمة للمدينة.
صبرا وزوايا ملف الشركة
وتطرق الباحث أحمد صبر إلى ضرورة قراءة ملف سوليدير من زوايا مترابطة أولها ماذا أخذت الشركة من المجتمع. وثانيها كيف تطورت فائدة وجود الشركة واحتكارها وصلاحياتها مع الوقت وكيف تحولت قدرتها عل التنسيق إلى قدرة على التحكم بتوقيت التطوير، وأخيرا أي وسط لمدينة لأي اقتصاد. وفي المجال الأول عرض لمسائل من نوعه الأراضي العامة وحقوق الردم والإعفاءات والامتيازات والبنى التحتية والمساحات العامة والاعمال التي أنجزت. وهذه تفتح على قضية الفائدة العامة التي تحققت للمجتمع، والتي لا تساوي ما أنفق على الطرقات والبنية التحتية التي رفعت من قيمة عقارات الشركة. وأكد أن القيمة التي رجعت للمجتمع كانت غير متناسبة مع حجم الموارد والصلاحيات والوقت. وبهذا المعنى فسوليدير مدينة للمجتمع بمنفعة لم تتحقق وبقيمة عامة تحتاج إلى آلية عادلة لاستردادها. خصوصا وأن مبرر منح هذا الامتياز بالصلاحيات الممنوحة لها وبالمدة الزمنية للشركة أن تنجز ما في دفتر الشروط، ولكنها صارت تتوسع في تبرير بقائها والاحتفاظ بعقارات منجزة وتكوين محفظة تدر دخلا تجاريا. وهنا نصل إلى معنى الاحتكار عبر الزمن فالسوليدير تتحكم برصيد كبير من الارض وحقوق البناء، وتستطيع أن تختار كمية المعروص وتوقيت عرضه. كما تستطيع أن تنتظر البيع بالأسعار التي تناسبها خلاف صغار المساهمين. علما أن ذلك يؤخر السكن والعمل والخدمات في الوسط التجاري، ومعه تتحمل المدينة فرص عمل ضائعة ومساحات غير مستعملة والتزامات عامة مؤجلة. وهذه ترتبط بتوقع سعر الارض المستقبلي أكثر من الاستعمال الحالي. ويصبح المقياس هو الربح الأعلى فالسكن الفاخر ويحتاج إلى مساحات أكبر بينما يجري التأثير على توزع المساحات المخططة، بين حصتي السكن والمكاتب وعملية التكيف مع اتجاهات السوق . فجزء من الوسط صار أقرب ما يكون إلى ضاحية فاخرة بدل الوظيفة التي كان عليها كمكان سكن وإلتقاء وتجمع للناس لتلبية حاجاتهم اليومية. فمركز المدينة يحتاج إلى سكان دائمين ومحلات، ومداخيل تستقبل حاجات مختلفة ،وأماكن عمل يمكن للمؤسسات أن تتحمل كلفتها ومساحات عامة للناس قادرة على أن تستعملها دون أن تدفع مقابل استهلاكها. وهنا يمكن قياس النجاح بنوع الأنشطة الذي يتولد عن المكان بكل ما يتضمنه من سكان ومؤسسات وفرص عمل واتصال مع باقي المناطق اللبنانية .
ورأى صبرا أن التمديد للسوليدير يوسع من قدرة الشركة على الاحتفاظ بأصولها وانتظار سوق أفضل. وفالالتزام غير المنجز يصبح حجة للشركة لتمديد اضافي ما يضعف الحافز لإنهاء المهمة. وعليه فالمطلوب هو تحديد المهام المتبقية وكلفتها ومهلها ومن بقدرته تنفيذها وبأي ضمانات مع بقاء خيار عدم التمديد قابلا للتطبيق.
بيروت 22 تشرين الاول 2026
