سياسة • صحف وآراء

في أسباب مأزق “اليسار الصهيوني”

* أنطوان شلحت

مع الاقتراب أكثر فأكثر من الانتخابات الإسرائيلية العامة، وعلى خلفية استشراف ما الذي يمكن أن تسفر عنه فيما يخص وجهة إسرائيل، يزداد الاهتمام أيضاً بما يوصف بأنه مأزق اليسار الصهيوني الذي هو بمثابة استمرار للصهيونية العمالية، وهو مأزقٌ يتمثّل في عدة مناحٍ، أهمها تبنيه سياسات أمنيّة لا تختلف، في جوانب منها، عن سياسات اليمين الإسرائيلي، وتؤثر، إلى حدّ بعيد، في سياسته القومية، وجانب تحوّله من قوة سياسية مهيمنة قادت المشروع الصهيوني عقوداً إلى حزب هامشي.

بخصوص هذا الجانب الأخير، لا تكفي إحالة التفسير إلى التحوّلات الانتخابية أو إلى صعود اليمينين، الديني والقومي، ولا إلى التحوّلات التي أحدثتها الحروب في الوعي الإسرائيلي العمومي، فالمأزق الراهن يرتبط كذلك بتناقضات جوهرية في المشروع الذي حمله هذا اليسار منذ بداياته. وفي ضوء هذا، يمكن فهم مأزقه نتيجة محتملة لتناقضاتٍ ظلّت قائمة داخل بنيته الفكرية والسياسية، ثم ازدادت حدّة كلما تعارضت مقتضيات التسوية مع مقتضيات الأمن والسيطرة القومية.

وإذا ما شئنا الاستئناس، بهذا الصدد، بآراء مؤرّخين إسرائيليين من المنتمين لهذا التيّار، فإن جذور هذه المعضلة تعود بقراءتهم إلى مرحلة تشكّل الصهيونية العمالية بفلسطين، سيما منذ الهجرة الثانية في مطلع القرن العشرين، حيث ارتبطت هذه الحركة بفكرة بناء مجتمع يهودي جديد، يقوم على العمل المنظّم والاستيطان الزراعي والتعاون الاقتصادي، ويتجاوز، في تصوّر قادتها، ما اعتبروه أوضاع اليهود في أوروبا. وأُنشئت مؤسسات عمالية واقتصادية وسياسية أدّت دوراً مركزياً في تنظيم “الييشوف”، أي المجتمع اليهودي بفلسطين قبل إقامة إسرائيل. ولكن المقاربة التي تبنّتها هذه الحركة لم تكن دائماً مشروعاً لإعادة توزيع الثروة وتحقيق المساواة الاجتماعية، بل ارتبطت، باكراً، بمشروع قومي هدفه بناء مجتمع يهودي ذي أغلبية ومؤسّسات مستقلة، وصولاً إلى إقامة الدولة. ولعل من أبرز هؤلاء المؤرخين زئيف شطرنهيل الذي رأى في كتابه “الأساطير المؤسسة لإسرائيل” أن الاشتراكية في التيار المهيمن من الصهيونية العمالية خضعت، في معظم الأحيان، لأولوية الهدف القومي، وأن مبادئ المساواة الاجتماعية لم تتحوّل إلى الأساس الحاكم للمشروع السياسي، بقدر ما استُخدمت لتعبئة الجماهير وتنظيم المجتمع حول هدف بناء الدولة اليهوديّة. فحين تعارضت المساواة مع متطلبات بناء المشروع القومي، كانت الأولوية تميل غالباً إلى المشروع الأخير. وحين اصطدمت الحقوق الفلسطينية بتصوّرات الحركة بشأن الأرض والأغلبية اليهودية والسيادة، لم تكن مبادئ الحركة كافية لدفع القيادة إلى الاعتراف المتكافئ بحقوق الفلسطينيين. وليس هذا فحسب بل إن إقامة الحركة للدولة أدت إلى تهجير أعداد كبيرة من الفلسطينيين وتحويلهم إلى لاجئين، في سياق حربٍ رافقتها عمليات طرد وفرار وتدمير قرى وتبدّل جذري في الخريطة السكانية. وبقيت قضية اللاجئين والحقوق الوطنية الفلسطينية في صلب الصراع.

عند هذا الحد، يُشار أيضاً إلى محطتين ترتبطان بمأزق اليسار الصهيوني: الأولى، أن التحوّل الذي أفضى إلى توقيع معاهدة السلام المصرية الإسرائيلية عام 1979 جرى تحت قيادة مناحيم بيغن، زعيم الليكود والخصم التاريخي لحزب العمل. فبعد أن هيمن الأخير على السياسة الإسرائيلية منذ ما قبل قيام الدولة، أنهت انتخابات 1977 هذه الهيمنة وفتحت الطريق أمام اليمين. لكن صعود بيغن لم يؤدِّ إلى استمرار الحرب مع مصر، بل أتاح، في ظروف إقليمية ودولية محدّدة، التوصل إلى اتفاق سلام غيّر معادلات الصراع. وبذا لا يكفي أن يعرّف حزب نفسه بأنه يساري أو يميني للحكم على قدرته على إنتاج تسوية.

المحطة الثانية، الحرب الإسرائيلية العدوانية الأولى على قطاع غزة في 2008-2009، حين كان زعيم العمل إيهود باراك وزيراً للأمن، حيث أثير دوره وما ارتبط بتلك المرحلة من حصار وعمليات عسكرية أسئلة بشأن حدود المقاربة الأمنية التي تبنّاها جزء من اليسار الصهيوني. فقد بدا أن الانتماء إلى معسكر يُصنّف نفسه معتدلاً لا يحول بالضرورة دون المشاركة في سياساتٍ تُلقي بأعبائها الكبرى على السكان المدنيين.

 * تم النشر بتاريخ 21 تشرين الاول 2026 على موقع العربي الجديد