سياسة مجتمع

  كي لا يتحول وجع الجنوب إلى ساحة للصراع السياسي!

زكــي طــه

بيروت 20 أيلول 2026 ـ بيروت الحرية

ليس ثمة ما هو أكثر مشروعية اليوم من صرخة أهالي الجنوب، وخصوصاً أبناء القرى المدمرة والمحتلة، والمهجرين الذين فقدوا بيوتهم ومصادر رزقهم، ويعيشون منذ شهور بين الانتظار والخوف والعجز عن معرفة ما إذا كانوا سيعودون، ومتى، وإلى ماذا سيعودون.

ومن هذه الزاوية تحديداً ينبغي النظر إلى التحرك الذي انطلق من المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى بالتزامن مع موعد انعقاد جلسة مساءلة الحكومة من قبل المجلس النياب، بعيداً عن منطقين متقابلين: الأول يريد اختزال كل تحرك اجتماعي في الجنوب بحزب الله وحركة أمل، والثاني يريد فصل التحرك عن سياقه السياسي وعن مسؤولية القوى التي أدارت، طوال عقود، جانباً أساسياً من الحياة السياسية والأمنية والاجتماعية في الجنوب.

مطالب محقة… وسياسة حاضرة

القضية حقيقية. لكن الصراع على تمثيلها حقيقي أيضاً. لا يمكن الاعتراض على مطالبة الدولة بتحمل مسؤولياتها تجاه الجنوبيين. بل إن السؤال الحقيقي هو لماذا تأخرت الدولة أصلاً في تحويل قضية المهجرين وإعادة الإعمار والتعويضات وتأمين شروط الصمود والعودة إلى أولوية وطنية؟

الدولة مسؤولة عن مواطنيها، وعن حماية أرضها، وعن توفير شروط الحياة للمتضررين، ولا يعفيها عجزها المالي ولا تعقيدات المفاوضات ولا الضغوط الخارجية من هذه المسؤولية.

والتحرك الأخير عبّر بالفعل عن هذه المطالب. فقد خرج تحت العلم اللبناني، ورفع مطالب الانسحاب الإسرائيلي، ووقف الاعتداءات والعودة وإعادة الإعمار، فيما شددت الكلمات التي ألقيت خلاله على مسؤولية الدولة تجاه الجنوب وأهله.

لكن السياسة لم تكن غائبة عن المشهد. فعندما يوصف التحرك بأنه «الصرخة الأولى»، وعندما يقال إن تحركات أخرى ستليه، وعندما يجري تقديم السلطة السياسية بوصفها جهة تحاصر المواطن إلى جانب الحصار الذي يفرضه الاحتلال، يصبح واضحاً أن القضية الاجتماعية بدأت تدخل في قلب المواجهة السياسية الدائرة في البلد. وهذا حق سياسي أيضاً. لكن الحق في المعارضة لا يلغي الحق في المساءلة.

من يحاسب الدولة يجب أن يقبل بمساءلة خياراته

المشكلة تبدأ عندما يراد تحميل الدولة والحكومة المسؤولية كاملة عن المأساة الراهنة، من دون القبول بطرح السؤال الآخر: كيف وصل الجنوب إلى ما وصل إليه؟

لا يمكن اختزال ما أصاب الجنوب بعجز الحكومة عن إعادة الإعمار، أو بفشل المفاوض اللبناني في انتزاع الشروط التي يريدها لبنان. ثمة حرب سبقت ذلك كله، وثمة خيارات سياسية وعسكرية اتخذت خارج مؤسسات الدولة، وثمة نتائج كارثية ترتبت عليها ودفع سكان الجنوب القسم الأكبر من أثمانها.

لذلك لا يستقيم الانتقال من إدارة قرار الحرب خارج الدولة إلى مطالبة الدولة وحدها بإدارة نتائجها.

كما لا يستقيم أن تتحول المعاناة الاجتماعية للمهجرين إلى وسيلة لإعفاء القوى التي شاركت في صناعة الخيارات السابقة من مراجعة مسؤولياتها السياسية، مثلما لا يجوز للحكومة أن تستخدم مسؤولية حزب الله ذريعة للتنصل من واجبها تجاه المواطنين.

المسؤوليتان موجودتان، واحدة لا تلغي الأخرى، وإن كانتا مختلفتين في الطبيعة والمرحلة. مسؤولية القوى التي اتخذت خيارات الحرب يجب أن تناقش سياسياً ووطنياً، ومسؤولية الدولة اليوم هي حماية مواطنيها، وإغاثة المتضررين، وإعادة الإعمار، والدفاع عن الأرض والسيادة، والعمل بكل الوسائل السياسية والدبلوماسية المتاحة لإنهاء الاحتلال والاعتداءات.

نجاح سياسي لا ينبغي تجاهله

لكن ثمة جانباً آخر في المشهد ينبغي الاعتراف به، خصوصاً من موقع يساري ديمقراطي: لقد أظهر الثنائي الشيعي قدرة على التقاط الغضب الاجتماعي داخل بيئته وتحويله إلى حركة مطلبية وسياسية.

يمكن الاختلاف جذرياً مع الخطاب الذي يحاول توجيه هذا الغضب، ويمكن مساءلة أهدافه السياسية، لكن تجاهل قدرته على التواصل مع الناس وتنظيم مطالبهم لا يؤدي إلا إلى سوء قراءة الواقع.

ففي اللحظة التي يواجه فيها آلاف المهجرين أسئلة السكن والتعويض وإعادة الإعمار والعمل والمدرسة والطبابة ومستقبل قراهم، لا تكفي البيانات والعرائض السياسية التي تخبرهم، مرة أخرى، من المسؤول عن الحرب.

هم يعرفون أنهم خسروا بيوتهم. ويعرفون أن قراهم دمرت. ويعيشون يومياً نتائج الحرب. وما يحتاجونه أيضاً هو من يقف إلى جانبهم في مواجهة نتائجها. وهنا تظهر واحدة من أكثر مشكلات القوى اليسارية والديمقراطية والمدنية إلحاحاً.

أين اليسار من الناس؟

ليس كافياً أن يكون الموقف السياسي صحيحاً إذا بقي صاحبه خارج المجتمع. وليس كافياً إصدار البيانات والعرائض التي تحمَّل حزب الله مسؤولية خياراته، إذا لم تقترن هذه المواقف بحضور فعلي بين المهجرين والمتضررين، وبالدفاع عن حقوقهم في التعويض والسكن والعمل والتعليم والصحة وإعادة الإعمار والعودة الآمنة إلى قراهم. فالسياسة ليست فقط تحديد المسؤوليات، بل أيضاً بناء العلاقة مع المجتمع.

وإذا ترك اليسار والديمقراطيون القضايا الاجتماعية والمعيشية للمنظومات الطائفية، ثم اكتفوا بانتقاد استخدامها سياسياً، فإنهم يتركون لهذه القوى أهم مصادر قوتها: قدرتها على تمثيل الناس في لحظات الخوف والحاجة وانعدام اليقين.

وهذه ليست مشكلة إعلامية ولا نقصاً في عدد البيانات. إنها أزمة موقع اجتماعي وسياسي.

فالبديل عن هيمنة القوى الطائفية لا يبنى خارج بيئاتها الاجتماعية، ولا بمخاصمة الناس الموجودين داخل هذه البيئات، وإنما بالدخول إلى قضاياهم من موقع مختلف: الدفاع عنهم كمواطنين لا كرعايا طوائف، وعن حقوقهم بوصفها حقوقاً على الدولة، وربط الإعمار بالحماية الاجتماعية وباستعادة الدولة لمسؤوليتها عن الأرض والمجتمع.

الجنوب ليس ورقة في صراع المحاور

الخطر الأكبر اليوم هو أن يصبح وجع الجنوب مادة جديدة في الصراع الداخلي: فريق يستخدم مسؤولية حزب الله عن الحرب لإعفاء الدولة من تقصيرها، وفريق يستخدم تقصير الدولة لإعفاء حزب الله من مساءلة خياراته.

وفي الحالتين يضيع الناس. قضية الجنوب أوسع من هذا الانقسام.

إنها قضية أرض تتعرض للاحتلال والاعتداء، ومجتمع دفع ثمناً بشرياً واجتماعياً واقتصادياً هائلاً، ودولة مطالبة باستعادة مسؤوليتها، وقوى سياسية مطالبة بمراجعة الخيارات التي ساهمت في الوصول إلى هذه الكارثة.

ولهذا فإن المطلوب ليس ترك قضية المهجرين للثنائي الشيعي، ولا مواجهتهم لأن الثنائي يتحرك باسمهم.

المطلوب انتزاع القضية من الاحتكار الطائفي، من دون انتزاعها من أصحابها.

أي الذهاب إلى الناس أنفسهم. إلى أهالي القرى التي تواجه الدمار، وإلى المهجرين حيث يقيمون، وإلى البلديات والهيئات الاجتماعية والنقابية، والعمل من أجل برنامج وطني واضح: العودة، وإعادة الإعمار، والتعويض العادل، والحماية الاجتماعية، واستعادة الأرض، ووقف الاعتداءات، وبناء دولة تتحمل مسؤولية الدفاع عن مواطنيها وسيادتها.

عندها فقط يصبح نقد حزب الله جزءاً من مشروع بديل، لا مجرد موقف منه. وعندها أيضاً يصبح نقد الحكومة دفاعاً عن الدولة التي نريد بناءها، لا دفاعاً عن دولة عاجزة.

الجنوب اليوم لا يحتاج إلى مزيد من المتنافسين على استثمار مأساته.

بل يحتاج إلى من يحوّل مأساته إلى قضية وطنية، وحقوق أهله إلى حقوق مواطنين، وإعادة إعماره إلى مدخل لاستعادة الدولة والمجتمع معاً