*د. سعيد عيسى
ثمة نوع من المثقفين لا يكتب لكي يقول شيئاً، بل لكي يثبت أنه قادر على الكتابة بطريقة تجعل قول الشيء مستحيلاً. كلما كانت الفكرة قابلة للفهم، أضاف إليها طبقة من المصطلحات، وكلما اقترب المعنى من القارئ، أعاده إلى مسافة أبعد باستدعاء مفهوم فلسفي، أو إحالة تاريخية، أو كلمة لاتينية، أو تعبير مستخرج من نص تراثي لا علاقة ضرورية له بما يناقشه. كأن وضوح الفكرة ينتقص من مقامه، وكأن على النص، لكي يكون «نخبوياً»، أن يضع بينه وبين القارئ جداراً من اللغة.
هؤلاء لا يثقون بالفكرة وحدها. يحتاجون دائماً إلى ما يحيط بها، ويغطيها، ويمنحها مظهراً من الهيبة. لذلك تتضخم الجملة حتى تفقد مركزها، ويتكاثر المصطلح حتى يبتلع المعنى، وتتراكم الإحالات حتى يصبح النص أقرب إلى فهرس لمكتبة منه إلى موقف فكري يمكن مناقشته.
المشكلة هنا ليست في صعوبة الموضوع. الأفكار الكبيرة ليست مطالبة بأن تكون سهلة، لكن صعوبتها يجب أن تكون نابعة من تعقيد الواقع أو من عمق السؤال، لا من رغبة الكاتب في إظهار تعقيده الشخصي. ثمة فرق هائل بين نص يصعب فهمه لأن موضوعه عميق، ونص يصعب فهمه لأن صاحبه لا يريد أن يكون مفهوماً. الأول يطلب من القارئ جهداً للوصول إلى الفكرة. الثاني يطلب منه جهداً للوصول إلى الكاتب.
قناع النخبة
المثقف الذي يكثر من إظهار ثقافته غالباً ما يكشف، من حيث لا يريد، عن حاجته إلى إثباتها. فهو لا يكتفي بأن يعرف، بل يريد أن يُرى وهو يعرف. لا يكفيه أن يستخدم المفهوم حين يكون ضرورياً، بل ينبغي أن يعلنه ويستعرض أصله ومدرسته وتحولاته ومصطلحاته، حتى لو كان بالإمكان قول الفكرة نفسها بجملة واحدة.
هنا تتحول الثقافة إلى هوية استعراضية. لا يعود السؤال: ماذا يقول هذا الكاتب؟ بل: كم اسماً يستطيع أن يحشد؟ كم مرجعاً يستطيع أن يستدعي؟ كم مصطلحاً يمكنه أن يضع في فقرة واحدة من دون أن ينهار معناها؟
ويبلغ الأمر ذروته حين يصبح التراث نفسه مخزناً للزينة. يستخرج الكاتب لفظة مهجورة من العربية القديمة، أو مفهوماً من الفلسفة اليونانية، أو تعبيراً لاتينياً، ثم يضعه في قلب نص معاصر، لا لأن وجوده ضروري، بل لأنه يمنح الجملة لمعاناً اصطناعياً. وفي المقابل، يستدعي مفردات الحداثة وما بعد الحداثة والأنثروبولوجيا والسوسيولوجيا والاقتصاد السياسي، ثم يخلطها في نسيج واحد، كأن مجرد اجتماعها ينتج فكراً. لكن الفكر لا ينتج من تراكم المصطلحات. الفكر ينتج من العلاقة بين السؤال والمعرفة والحجة.
ومن هنا يمكن أن يكون نص من ألف كلمة أفقر فكرياً من فقرة واحدة واضحة. ويمكن لجملة بسيطة أن تكون أكثر عمقاً من صفحة كاملة مكتظة بالمفاهيم. ليست قيمة الكاتب في عدد الأدوات التي يحملها، بل في قدرته على معرفة أي أداة يحتاج إليها، ومتى يستخدمها، ومتى يتركها جانباً.
شجاعة القول
الوضوح يحتاج إلى شجاعة. فالكاتب الواضح يعرّض نفسه للمساءلة. حين يقول فكرة مباشرة، يستطيع القارئ أن يمسك بها، وأن يوافق عليها أو يرفضها، وأن يكشف ضعفها أو قوتها. أما الكاتب الذي يدفن موقفه تحت طبقات من التجريد، فيحصل على امتياز مريح: لا يمكن بسهولة محاسبته على ما قال لأنه لم يقل شيئاً يمكن الإمساك به. وهنا يصبح الغموض وسيلة دفاع، لا نتيجة طبيعية للتفكير.
الكاتب الجاد لا يخشى أن يقول: هذا رأيي، وهذه حجتي، وهذه حدود معرفتي. أما المتشاوف فيخشى الجملة المباشرة لأنها تسحب منه الغطاء الذي احتمى به طويلاً. ولذلك يفضّل الجملة التي تحتمل كل شيء، والمفهوم الذي يمكن تأويله في كل اتجاه، والعبارة التي تبدو عميقة من دون أن تكون قابلة للاختبار.
والأغرب أن بعض من يسمون أنفسهم نخبة ينظرون إلى القارئ باستخفاف، وكأن مهمته أن يتعب كي يستحق فهمهم. ينسون أن وظيفة المثقف ليست أن يثبت تفوقه على الناس، بل أن يحوّل ما يعرفه إلى معرفة قابلة للتداول. الثقافة التي لا تستطيع مغادرة رأس صاحبها إلى المجال العام ليست نخبوية؛ إنها محبوسة داخل صاحبها.
ليس المثقف من يعرف أسماء أكثر، ولا من يملك قاموساً أثقل، ولا من يستطيع أن يحشر في فقرة واحدة ما يكفي لإرهاق قارئ كامل. المثقف هو من يعرف كيف يختصر الطريق بين المعرفة والمعنى.
كل كلمة زائدة تضعف الفكرة. كل مصطلح غير ضروري يثقلها. كل إحالة لا تضيف شيئاً تتحول إلى استعراض. وكل تعقيد مصطنع ليس عمقاً، بل محاولة لإخفاء الفراغ.
لذلك فإن الامتحان الحقيقي للثقافة ليس أن تعرف كيف تجعل النص عصياً على الفهم، بل أن تعرف كيف تجعل الفكرة العميقة واضحة من دون أن تبتذلها.
من يملك فكرة حقيقية لا يحتاج إلى الاختباء وراء الكلمات.
أما من يملك الكلمات فقط، فغالباً ما يجعلها ستاراً كثيفاً كي لا يكتشف أحد ما وراءها.
بيروت 19 أيلول 2026
