سياسة صحف وآراء

فتح وحماس: تغيير المسار أو السقوط معاً

*نواف التميمي

لم يعد السؤال الفلسطيني بعد حرب غزّة متعلّقاً بما تغيّر في إسرائيل والعالم فحسب، وإنّما بما إذا كانت القوى الفلسطينية قد أدركت بالفعل حجم التحوّل الذي وقع منذ 7 أكتوبر (2023). فقد دخلت القضية الفلسطينية مرحلةً جديدةً، بينما لا تزال حركتا فتح وحماس أسيرتَيْن لأفكار وأدوات وترتيبات تشكّلت خلال مراحل وظروف سابقة، انتهت عملياً.

صحيح أن حرب الإبادة في غزّة أحدثت تحوّلات واسعة في صورة إسرائيل ومكانتها الدولية، وتراجعت قدرتها على احتكار الرواية، واتسعت دائرة التشكيك في شرعية سياساتها، وانتقل النقد في قطاعات متزايدة من الرأي العام العالمي من مساءلة هذه الحكومة أو تلك إلى مساءلة الاحتلال والاستيطان وبنية الدولة نفسها. كما استعادت القضية الفلسطينية حضورها في الجامعات والبرلمانات والمحاكم والمنظّمات الحقوقية والنقابات والحركات الاجتماعية، وظهر تحوّل واضح في مواقف الأجيال الغربية الشابة. في المقابل، دفع الفلسطينيون ثمناً إنسانياً ومادياً وسياسياً هائلاً. دُمّر قطاع غزّة، واستُنزف مجتمعه، واتسعت السيطرة الإسرائيلية في الضفّة الغربية، وتسارعت مشاريع الاستيطان والضمّ والتهجير، فيما بقي النظام السياسي الفلسطيني منقسماً، متآكل الشرعية، وعاجزاً عن استثمار التحوّل الأخلاقي والقانوني الدولي بوصفه قوّةً سياسية منظّمة. هذه المفارقة تختصر المأزق الفلسطيني الراهن: إسرائيل تخسر جانباً من شرعيتها، بينما يفتقر الفلسطينيون إلى قيادة موحَّدة قادرة على استثمار هذه الخسارة. وبينما تتراجع قدرة إسرائيل على الدفاع عن صورتها، تعجز “فتح” و”حماس” عن تقديم نموذج سياسي فلسطيني مقنع لشعبهما وللعالم. وبين تراجع النموذج الإسرائيلي وغياب البديل الفلسطيني، قد تضيع واحدة من أهم الفرص التي أتاحها التحوّل الدولي منذ عقود.

نهاية استراتيجتي “فتح” و”حماس

أثبتت السنوات الماضية أنّ الاستراتيجية التي اتبعتها حركة فتح وصلت إلى طريق مسدود، فقد قامت هذه الاستراتيجية على الاعتقاد بإمكان بناء سلطة ومؤسّسات فلسطينية تحت الاحتلال، ثمّ الانتقال تدريجياً عبر المفاوضات والدعم الدولي إلى الدولة. غير أنّ المرحلة الانتقالية تحوّلت إلى وضع دائم، والمفاوضات انفصلت عن أدوات الضغط، وتوسّع الاستيطان، وتراجعت مساحة الدولة المفترضة، بينما أصبحت السلطة مطالبةً بإدارة السكّان وتوفير الخدمات وضبط الاستقرار الأمني من دون سيادة فعلية على الأرض أو الحدود أو الموارد. وفي المقابل، أثبتت تجربة “حماس” حدود الاستراتيجية التي راهنت على إمكان تغيير المعادلة من خلال المقاومة المسلّحة وإدارة غزّة بصورة منفردة. فقد نجحت الحركة في بناء قوّة عسكرية، وفرضت حضورها في معادلات الصراع، واستطاعت كسر وهم الاستقرار الإسرائيلي القائم على حصار الفلسطينيين وتجاهل حقوقهم. لكنّ هذه القوة لم تُترجم إلى مشروع سياسي قادر على حماية غزّة أو تقليص التفوّق الإسرائيلي أو منع الحرب الواسعة أو تأمين حاضنة دولية مستدامة للحقوق الفلسطينية. لقد كشفت حرب غزّة إذن عجز المسارين معاً، فالمفاوضات من دون قوّة تحوّلت إلى إدارة مفتوحة للاحتلال، والقوّة من دون استراتيجية وطنية وسياسية جامعة عجزت عن حماية المجتمع وتحويل التضحيات إلى إنجاز قابل للاستمرار. لم يعد مجدياً أن تستمرّ “فتح” في تبرير خياراتها بفشل “حماس”، أو أن تبرّر “حماس” خياراتها بفشل “فتح”. ففشل كلّ حركة لا يثبت صحّة نهج الأخرى. والحقيقة التي ينبغي مواجهتها هي أنّ المشروعين وصلا إلى أزمة عميقة، وأنّ الشعب الفلسطيني دفع ثمن التنافس بينهما.

المراجعة ليست تخلّياً عن الحقوق

تحتاج الحركتان إلى مراجعة شجاعة. والمراجعة المطلوبة لا تعني التنصّل من الحقوق الوطنية أو منح إسرائيل إعفاءً من مسؤوليتها عن الاحتلال وحرب الإبادة. إنّها تعني إخضاع الخيارات الفلسطينية للمساءلة، وقياسها بقدرتها على حماية الشعب وتثبيت وجوده وتحقيق أهدافه الوطنية. على “فتح” أن تسأل بوضوح: ماذا بقي من وظيفة السلطة بعد أن أغلقت إسرائيل أفق التسوية، وقوضت حلّ الدولتين، وحوّلت مؤسّسات الحكم الذاتي إلى إدارة محلّية محدودة الصلاحيات؟ وهل تستطيع الحركة الاحتفاظ بشرعيتها التاريخية اعتماداً على قيادتها للنظام السياسي، رغم غياب الانتخابات وتراجع الحرّيات واتساع الفجوة بينها وبين المجتمع؟ وعلى “حماس” أن تجيب عن أسئلة لا تقلّ صعوبةً: ما الهدف السياسي المحدّد لعملية 7 أكتوبر؟ هل وُجد تصوّر واقعي لحجم الردّ الإسرائيلي وللحرب الطويلة التي ستعقبها؟ ما الخطّة التي وضعت لحماية غزّة وسكّانها؟ وكيف كان يفترض تحويل المبادرة العسكرية إلى نتيجة سياسية؟ وما حدود حقّ فصيل واحد في اتخاذ قرار يحمّل شعباً كاملاً نتائج بهذا الحجم؟ طرح هذه الأسئلة لا ينتقص من حقّ الفلسطينيين في مقاومة الاحتلال، ولا يساوي بين الضحية والجلّاد. فالاحتلال هو أصل العنف، لكنّ عدالة القضية لا تعفي القيادة من مسؤولية تقدير النتائج، ولا تمنح أيّ تنظيم حقّ التصرّف بمصير الشعب من دون استراتيجية معلنة أو مؤسّسة وطنية تقرّر في قضايا الحرب والسلم.

الشرعية الفلسطينية أولاً

إذا كانت إسرائيل تواجه أزمة شرعية دولية، فإنّ الفلسطينيين يواجهون أزمة شرعية داخلية. ولا يمكن لنظام سياسي فاقد للثقة الشعبية أن يقود بفاعلية معركة تقوم في جوهرها على الشرعية والحقوق والقانون. لم تعد الشرعية التاريخية كافيةً لـ”فتح”، كما لم تعد شرعية المقاومة كافية لـ”حماس”. الشرعية السياسية المعاصرة تحتاج إلى تمثيل وانتخابات ومساءلة وشفافية واحترام للحرّيات وقدرة على الإنجاز. وهي لا تُكتسب مرّة واحدة، ولا تنتقل تلقائياً من جيل مؤسّس إلى قيادات لاحقة، ولا يمكن الحفاظ عليها بالقوّة أو بمنع المنافسة أو بالتوريث. وتزداد أهمية الإصلاح بوصفه ضرورة وطنية لا فصائلية، لأنّ إسرائيل استخدمت طويلاً الانقسام والفساد وضعف المؤسّسات وغياب سيادة القانون للطعن في أهلية الفلسطينيين للاستقلال. وكلّ إخفاق فلسطيني داخلي يتحوّل إلى مادّة في الرواية الإسرائيلية التي تزعم غياب الشريك وعدم جاهزية الفلسطينيين للدولة. لذلك ينبغي النظر إلى الإصلاح السياسي باعتباره جزءاً من استراتيجية التحرّر الوطني. فكلّ انتخابات نزيهة، وكلّ مؤسّسة شفّافة، وكلّ حماية لحرّية التعبير، وكلّ مساءلة للفساد، تعزّز الموقف الفلسطيني في الداخل والخارج. وفي المقابل، يبدّد الاعتقال السياسي وقمع المعارضة واحتكار المؤسّسات وتفشّي الفساد جانباً من الرصيد الأخلاقي الذي صنعته تضحيات الفلسطينيين.

ما المطلوب من “فتح”؟

تتحمّل حركة فتح، بحكم قيادتها للسلطة ومنظّمة التحرير، مسؤولية البدء بإعادة بناء النظام السياسي. ويتطلّب هذا انتقالها من عقلية حماية السلطة إلى عقلية حماية المشروع الوطني. المطلوب أولاً إعادة تعريف وظيفة السلطة. فقد أُنشئت باعتبارها أداةً انتقاليةً نحو الاستقلال، ثمّ أصبحت تدريجياً مؤسّسةً لإدارة حياة الفلسطينيين تحت الاحتلال. واستفادت إسرائيل من هذه الصيغة؛ إذ احتفظت بالسيطرة الفعلية على الأراضي الفلسطينية، بينما تحمّل الفلسطينيون والمجتمع الدولي كلفة الإدارة والخدمات. المطلوب ليس حلّ السلطة بصورة مفاجئة أو دفع المجتمع نحو الفوضى، وإنّما إعادة توجيه وظائف السلطة لتعزيز الصمود، وحماية الأرض، ومواجهة الاستيطان، وتحقيق أهداف استراتيجية وطنية أوسع. ويشمل ذلك مراجعة العلاقة الاقتصادية والأمنية مع إسرائيل ضمن خطّة محسوبة، تمنع الاحتلال من الجمع بين السيطرة الكاملة والتخلّص من تبعاتها. والمطلوب كذلك إعادة بناء منظّمة التحرير لتضمّ القوى الفلسطينية الفاعلة وتستعيد مكانتها بوصفها إطاراً جامعاً للفلسطينيين في الداخل والشتات. فاحتكار المنظّمة يضعفها، وإبقاؤها بهياكلها الحالية يحوّلها إلى امتداد للسلطة، في حين يفترض أن تكون مرجعية أعلى منها. وتحتاج “فتح” أيضاً إلى فتح المجال أمام تجديد قيادتها، وإجراء الانتخابات، والفصل التدريجي بين الحركة والحكومة ومؤسّسات الدولة. فالحركة التي قادت المشروع الوطني عقوداً لا تحمي إرثها بإغلاق النظام، وإنّما بتمكين الشعب من تجديده.

وما المطلوب من “حماس”؟

أمّا حركة حماس، فتحتاج إلى الانتقال من حركة تدير سلطةً منفردةً في غزّة إلى شريك داخل نظام وطني تعدّدي. وقد أظهرت التجربة أنّ الجمع بين المقاومة والحكم والحزب والأجهزة الأمنية داخل بنية تنظيمية واحدة أنتج أعباءً وتناقضات أضعفت الحركة وأثقلت قطاع غزّة. يمثّل التخلّي عن حكم غزّة خطوةً ضروريةً، شريطة أن يقود إلى إعادة توحيد القطاع مع الضفّة داخل نظام فلسطيني واحد، وألّا يتحوّل إلى مجرّد نقل للإدارة المدنية مع بقاء ازدواجية السلطة والقرار الأمني. ويقتضي ذلك قبول “حماس” بالانضمام إلى منظّمة التحرير بعد إصلاحها، والالتزام بالانتخابات وتداول السلطة، والفصل بين العمل الحزبي والمؤسّسات الحكومية، وإخضاع القرارات المصيرية، وفي مقدّمتها الحرب والسلم، لمرجعية وطنية جامعة. كما تحتاج الحركة إلى إعادة تعريف المقاومة ضمن استراتيجية متعدّدة الأدوات. فالمقاومة حقّ للشعوب الواقعة تحت الاحتلال، لكنّها ليست قالباً واحداً ثابتاً، ولا تُقاس قوّتها بقدرتها على إيقاع الخسائر وحدها. تقاس كذلك بقدرتها على حماية المجتمع، والحفاظ على عدالة القضية، وتوسيع التحالفات، ورفع كلفة الاحتلال، وتقريب الشعب من أهدافه. وهذا يفرض التزاماً واضحاً بتحييد المدنيين، وضبط الخطاب، والتمييز بين اليهود واليهودية من جهة، والصهيونية والاحتلال من جهة أخرى. فكلّ فعل أو خطاب يتيح لإسرائيل إعادة تقديم الصراع باعتباره مواجهة دينية أو حرباً على اليهود يبدّد جانباً من التفوّق الأخلاقي الفلسطيني، وينقل النقاش مجدّداً من الاحتلال وحقوق الشعب الفلسطيني إلى الأمن الإسرائيلي.

السلاح والقرار الوطني

ستبقى قضية سلاح “حماس” من أعقد قضايا المرحلة المقبلة. فإسرائيل تريد تحويلها إلى شرط منفصل يسبق الانسحاب ووقف الحرب وإعادة الإعمار، بينما تتمسّك “حماس” بالسلاح بوصفه ضمانة في ظلّ استمرار الاحتلال وغياب الثقة بالضمانات الدولية. يحتاج الخروج من هذا المأزق إلى نقل القضية من المستوى الفصائلي إلى المستوى الوطني. فلا يمكن أن يبقى قرار السلاح والحرب حكراً على تنظيم واحد، كما لا يجوز أن يجري نزعه بإملاء إسرائيلي مع استمرار الاحتلال وحرمان الفلسطينيين من الحماية. ينبغي معالجة السلاح ضمن اتفاق سياسي شامل يتضمّن وقفاً دائماً للحرب، وانسحاباً إسرائيلياً، وإطلاق الأسرى، وفتح المعابر، وضمانات دولية، وإعادة إعمار غزّة، وتوحيد المؤسّسات الفلسطينية. وعندئذ يمكن إدماج القوى المسلّحة داخل بنية وطنية موحَّدة، تخضع لقيادة سياسية منتخبة وعقيدة أمنية مهمّتها حماية الشعب وحقوقه.

من التعايش مع الانقسام إلى إنهائه

لم يعد كافياً توقيع اتفاق مصالحة جديد أو تشكيل لجنة أخرى. فقد أثبتت التجربة أنّ الحركتَيْن استطاعتا التعايش مع الانقسام أكثر ممّا عملتا على إنهائه. لكلّ طرف مؤسّساته وموارده ونخبته ومصالحه، فيما تحوّلت الوحدة إلى شعار يُستدعى في الأزمات ثمّ يتراجع عند توزيع السلطة. المطلوب اتفاق تأسيسي يعيد بناء النظام الفلسطيني على قواعد واضحة: وحدة غزّة والضفّة والقدس، وإصلاح منظّمة التحرير، والتعدّدية السياسية، والانتخابات، وتداول السلطة، واستقلال القضاء، وحماية الحرّيات، وتجريم الاقتتال الداخلي، وإخضاع قرار الحرب والسلم لمؤسّسات وطنية منتخبة. ويمكن أن تدير المرحلة الانتقالية قيادة وطنية مؤقّتة تضمّ الفصائل والمستقلّين وممثّلين عن المجتمع المدني والمرأة والشباب والشتات، على أن تكون لها مدّة محدّدة وتفويض واضح ينتهي بإجراء الانتخابات. فتجارب الفلسطينيين والعرب تؤكّد أنّ المراحل الانتقالية المفتوحة كثيراً ما تصبح نظاماً دائماً جديداً.

تحويل التعاطف العالمي إلى قوّة ضغط

أهم ما يملكه الفلسطينيون اليوم اتساع الإدراك العالمي لعدالة قضيتهم ولطبيعة النظام الذي يواجهونه. لكنّ التعاطف، مهما اتسع، لا يغيّر الواقع وحده. والمظاهرات والبيانات والقرارات الرمزية لا تصبح قوّةً سياسية إلّا عندما تتحوّل إلى قوانين وعقوبات ومقاطعة وسحب استثمارات وملاحقات قضائية وتغييرات في سياسات الحكومات والمؤسّسات. تحتاج القيادة الفلسطينية الجديدة إلى استراتيجية دولية تنقل العمل من مستوى إدانة إسرائيل إلى مستوى رفع كلفة الارتباط بها. ويتطلّب ذلك توثيق الجرائم وفق قواعد قانونية دقيقة، وبناء ملفّات قابلة للاستخدام أمام المحاكم، والعمل مع البرلمانات والنقابات والجامعات والصناديق الاستثمارية والشركات، وربط العلاقات مع المؤسّسات الإسرائيلية بمدى تورّطها في الاحتلال والاستيطان. كما تحتاج هذه الاستراتيجية إلى خطاب فلسطيني موحّد، متعدّد اللغات، يخاطب المجتمعات وفق قيمها ومداخلها. فالخطاب الموجّه إلى حركة حقوقية يختلف عن الخطاب الموجّه إلى برلمان أو جامعة أو شركة أو نقابة. والغاية ليست تكرار الرواية نفسها، وإنّما تحويل الحقوق الفلسطينية إلى التزام سياسي وأخلاقي وقانوني لدى فئات مختلفة.

ينبغي أن تكون الرسالة المركزية واضحةً: الفلسطينيون شعب واقع تحت الاحتلال، يطالب بالحرّية وتقرير المصير والمساواة والعدالة، ويقبل الاحتكام إلى القانون الدولي، ويسعى إلى سلام يحفظ الحقوق ولا يعيد إنتاج السيطرة.

وستكون إعادة إعمار غزّة إحدى أهم ساحات الصراع السياسي في السنوات المقبلة. فإعادة بناء المساكن والمستشفيات والمدارس ضرورة إنسانية عاجلة، لكنّها قد تُستخدم لإعادة هندسة القطاع سياسياً، أو فصله عن الضفّة، أو تحويله إلى منطقة تخضع لإدارة دولية طويلة الأمد، أو ربط تمويله بشروط تنتقص من الحقوق الفلسطينية. لذلك تحتاج “فتح” و”حماس” إلى موقف موحّد يضمن أن تكون إدارة الإعمار فلسطينية ومهنية وشفافة، وأن ترتبط بوحدة غزّة والضفّة، وأن تخضع لرقابة مستقلّة، وأن يشارك سكّان القطاع في تحديد أولوياتها. ويجب منع تحويل غزّة إلى ملفّ إنساني منزوع السياسة، فالإعمار من دون إنهاء الاحتلال والحصار قد يعيد بناء ما تستطيع إسرائيل تدميره في حرب لاحقة. غزّة ليست عبئاً ينبغي توزيعه بين المانحين، ولا كياناً منفصلاً يحتاج إلى إدارة أمنية. إنّها جزء من الوطن الفلسطيني، ومستقبلها يجب أن يندرج ضمن مشروع وطني واحد.

خاتمة: فرصة قد تضيع

تواجه إسرائيل اليوم أزمة متنامية في الشرعية والصورة والمكانة، لكنّها ما تزال تمتلك تفوّقاً عسكرياً كبيراً، وتحالفاً قويّاً مع الولايات المتحدة، وعلاقات دولية واسعة، وقدرة مؤسّسية عالية على التكيف واحتواء الأزمات. ولذلك سيكون من الخطأ الاعتقاد أن تراجع صورتها سيقود تلقائياً إلى انهيار نفوذها أو إلى تحقيق الحقوق الفلسطينية. تستطيع إسرائيل ترميم جانب من صورتها، واستغلال المخاوف الأمنية، والاستفادة من أخطاء الفلسطينيين وانقسامهم. كما تستطيع نقل الاهتمام العالمي من جرائم الاحتلال إلى سلوك الفصائل، ومن حقّ تقرير المصير إلى الخوف من البديل الفلسطيني.

هنا تظهر المسؤولية التاريخية لحركتي فتح وحماس. فإذا استمرّتا في إدارة التنافس القديم، فستصبح التحوّلات الدولية موجة تعاطف تنحسر مع الوقت. وإذا أعادتا بناء النظام الوطني، ووحّدتا القرار، وربطتا المقاومة بالسياسة، وأخضعتا القيادة للمساءلة، فقد يصبح تراجع شرعية الاحتلال بدايةً لتغيير أعمق في ميزان الصراع. المطلوب من “فتح” أن تتجاوز وهم إمكان حماية المشروع الوطني عبر الحفاظ على السلطة بصيغتها الحالية. والمطلوب من “حماس” أن تتجاوز وهم إمكان تحويل الصمود والقوة العسكرية وحدهما إلى انتصار سياسي. والمطلوب من الحركتَيْن أن تعترفا بأنّ الشعب الفلسطيني لم يعد ملزماً بالاختيار بين سلطة تفتقر إلى السيادة ومقاومة تفتقر إلى الاستراتيجية الوطنية الجامعة.

لقد تغيّر العالم بعد غزّة، وتغيّرت صورة إسرائيل، وتغيّر إدراك قطاعات واسعة من الرأي العام العالمي للقضية الفلسطينية. وما لم يتغيّر النظام السياسي الفلسطيني، فستبقى التحوّلات الخارجية أكبر من قدرة الفلسطينيين على استثمارها. الفرصة موجودة، لكنّها ليست مفتوحةً إلى ما لا نهاية. وتبدأ الإجابة عن سؤال المستقبل من الداخل الفلسطيني: إمّا استعادة وحدة الشعب، وتجديد الشرعية، وتوحيد القرار، وبناء قيادة قادرة على تحويل التضحيات إلى قوّة، والقوّة إلى سياسة، والسياسة إلى مسار تحرّر وطني طويل النفس؛ وإمّا استمرار الانقسام وتبديد التحوّلات الدولية، بما يتيح لإسرائيل استعادة زمام المبادرة، ويُبقي الشعب الفلسطيني عالقاً بين احتلال يوسّع سيطرته ونظام سياسي يعجز عن حماية حقوقه وتحويل صموده إلى إنجاز. وفي هذه المعادلة، لن يكون سقوط “فتح” أو “حماس” انتصاراً لأحدهما، لأنّهما إمّا أن تغيّرا المسار وتقفا معاً، وإما أن تخسرا معاً، ويدفع الشعب الفلسطيني مرّة أخرى ثمن تغليب الأجندات الفصائلية الضيّقة على المصلحة الوطنية.

*نشرت في العربي الجديد يوم 03 أيلول / سبتمبر 2026