* شهيد نكد
ثلاثة أعمال مرئية عن الصراع الإسرائيلي-الفلسطيني تَعرض ثلاث طرق مختلفة جذريًا للنظر إلى العنف: الموسم الخامس من مسلسل “فوضى” (أيلول 2026)، الفيلم الوثائقي NAZA (أيلول 2026)، وفيلم “صوت هند رجب” (2025). أعمال مختلفة في نوعها، لكنّها تطرح كلّها سؤلًا حول مفهوم العنف: هل هو نتيجة كراهية متبادلة لا يُمكن تخطّيها، أم نتيجة سرديات وقرارات وتصنيفات من صنع البشر يُمكن تغييرها؟
البطل التراجيدي
“فوضى”، هو مسلسل درامي خيالي إسرائيلي عُرض الموسم الأوّل منه في إسرائيل سنة 2015، قبل أن ينتقل عالميًا إلى نت فليكس (NETFLIX)، ثمّ توالت المواسم اللاحقة وصولاً إلى الخامس هذا الشّهر. تدور أحداث المسلسل حول الأجهزة الأمنية، والخلايا المسلّحة، والاختراقات، والعمليات، والثأر الذي يتبعه ثأر. ضمن هذه الهيكلية يبدو الإسرائيليون والفلسطينيون على حدّ سواء محكومين بالخوف أحدهما من الآخر، وكلّ فعل يبرّرُه فعل سابق له.
الّا أن هذه العمليات والافعال المتبادلة تجري بين بطل إسرائيلي تراجيدي: قويّ، متردّد، يعاني ويدفع ثمنًا انسانياً؛ وفلسطيني يظهر كهدف أمني مُلاحَق على الدوام، أو ضحية جانبية في القصّة.
ليست مشكلة المسلسل الوحيدة أنّه يمنح الطرف الإسرائيلي مساحة أوسع لإظهار انسانيته، فيما الفلسطيني مسجون ضمن نمط أمني. المشكلة الأخرى تتعلّق بتعريف الصراع نفسه؛ فالمسلسل يُصوّر المشكلة بأنّها خوف متبادل وثأر متبادل، فيُصبح السلام هو إزالة الخوف ووقف الثأر. هنا، تُصبح الأسئلة المتعلّقة بالأرض والاحتلال والحقوق مسألة ثانوية في الوقت الّذي تمثّل فيه صلب الصراع. تحويل الصراع من سياسي حقوقي إلى مأساة شخصية ونفسية متكرّرة يجعل العنف مفهومًا ومبرّرًا.
نازا
مقابل خيال “فوضى”، يأتي NAZA بصورة للعنف معاكسة تمامًا: منظومة كاملة تحلّ محلّ الملاحقة والثأر. المعلومات تُجمع، الهدف يُحدّد، وعدد المدنيين المتوقّع مقتلهم يُقدّر تحت عنوان “أضرار جانبيّة”، ثمّ تأتي الموافقة يليها التنفيذ.
وكلمة NAZA هي اختصار عبري لعبارة تعني الضرر الجانبي. ووفق تحقيقات سابقة لـِ +972 وLocal Call، وصلت الأعداد المسموح بتوقّع مقتلها إلى 15 أو20 مدنيًا لاستهداف عنصر منخفض الرتبة، وأكثر من مئة لقيادي رفيع.
ما يفعله الفيلم هو تجميع السلسلة المفكّكة في صورة واحدة، فالعنف هنا ليس شخصيًا؛ كلّ فرد مسؤول عن جزء من العملية، فيما تتوزّع المسؤولية على منظومة كاملة. وهنا يبرز شكل جديد من العنف حيث ليس ضروريًا أن يكره أحد الشخص الذي سيُقتل، إذ يكفي أن تعمل المنظومة عبر أداء كلّ فرد الدور المناط به.
وإذا كان “فوضى” يجعل العنف أكثر قبولًا وفهمًا كونه شخصاني قائم على الخوف والثأر، فإن NAZA يشرح كيف يمكن للعنف أن يصبح إجراءً إداريًا وبيروقراطيًا عبر تقسيم العملية، وتوزيع المسؤولية، بينما تبقى النتيجة واحدة.
صوت هند رجب
يعلو “صوت هند رجب” بوجه الشكلين السابقين من العنف. يضرب “فوضى” عبر تغييب الجاني وحرمانه من التعبير عن خوفه وضعفه ودوافعه. وفي مقابل “الاضرار الجانبية” يُحوِّل الضحية من رقم إلى إنسان، إلى طفلة نعرف اسمَها ونسمع صوتَها.
فيلم “صوت هند رجب” مبني بالكامل على تسجيل حقيقي لمكالمة هند رجب، طفلة السادسة التي بقيت محاصرة بالنار داخل سيارة في غزّة سنة 2024، مع مُسعفي الهلال الاحمر. يغيب الجنود الإسرائيليون بشكل كامل عن الشاشة؛ لا اسم، لا وجه ولا شخصية.
وحين وصلت سيارة الإسعاف إلى هند بعد ساعات من التنسيق للحصول على ممرّ آمن، قُتل طاقمها بالكامل، كما قُتلت هند نفسها. القرار بالقتل كان قرارًا إداريًا لا يختلف عن قرارات “الاضرار الجانبية” بحساباته وبرودته. لكن الفيلم رفض منطق الأرقام هذا، فكان صوت هند حاضرًا كذلك اسمُها وعمرُها، ما أعاد إلى الرقم إنسانيّته.
في لبنان، لا أحد يصنع الكراهية بمفرده، المشكلة غالبًا تبدأ قبل الفعل نفسه، بالرواية التي نحشر الآخر فيها. عندنا قاموس واسع من التصنيفات: عميل، خائن، انعزالي، ممانع، سيادي، بيئة حاضنة. المشكلة ليست بوجود الكلمة، بل حين تصبح وحدها كافية لفهم الإنسان والحكم عليه.
والأخطر مما نتخيّل هو كيف يتوزّع إنتاج هذا الخطاب. لا صانع سياسياً أو إعلامياً واحداً يصنع الكراهية بمفرده: تصنيف يُطلقه سياسي، يكبر عند الإعلامي، يتحوّل مادة عند الناشط، ويعاد إنتاجه في تعليق عابر من الجمهور. كل واحد في هذه السلسلة يرى نفسه بريئًا لأنه لم يفعل سوى دوره. فخطاب الكراهية في لبنان لا يقدّر بعد حجم الانقسام الحاصل ولا عواقبه الفعلية: نتعامل مع هذا الخطاب كأنه ضجيج عابر، بينما هو يتراكم، تعليقًا بعد تعليق، إلى بيئة يصبح فيها استهداف فئة كاملة أو تبرير ما يصيبها أسهل بكثير مما نظن.
وهذا التصنيف لا يبقى مجرّد كلام. لبنان اليوم يعيش ظروفًا لا تطمئن: انهيار اقتصادي مستمر، أقساط مدرسية بالدولار، مولّدات كهرباء بدل دولة غائبة، وغموض أمني. هذه الظروف وحدها لا تصنع الكراهية، لكنها تجعل تحويل التصنيف إلى فعل أسهل وأرخص. حين يصبح العيش اليومي صراعًا، يصير أسهل أن نبحث عن اسم لأزمتنا في “الآخر” القريب، بدل النظام الذي صنعها.
لهذا، مواجهة العنف لا تبدأ عند وقوعه فقط، بل قبل ذلك: عند رفض تحويل الإنسان إلى خانة. المسافة بين التصنيف والكراهية أقصر مما نظن، والمسافة بين الكراهية والعنف قد تصبح أقصر أيضًا.
* تم النشر بتاريخ 19 أيلول 2026 على موقع المدن
