صحف وآراء مجتمع

البنية قبل النظام

* شهيد نكد

لا يختلف اثنان اليوم على أن لبنان يقف أمام حالة من عدم اليقين، كأننا دخلنا نفقاً لا نرى آخره. في هذه اللحظة، حيث الأسئلة الكبرى معلَّقة بقرارات لا نملك فيها الكلمة الحاسمة، يبقى سؤال واحد بأيدينا: ماذا نفعل بما تبقّى لنا من مساحة؟ جوابي في ختام هذه السلسلة ليس عن “أي نظام سياسي” يناسب لبنان، بل تفكيك للسؤال نفسه: فمشكلة لبنان لم تكن يوماً مشكلة نظام، بل مشكلة بنية.

بنية مقابل نظام

النظام هو الشكل: من يحكم، وكيف تُوزَّع السلطة. البنية هي الأساس تحته: الثقة المتراكمة من تحت، لا المفروضة من فوق. ولبنان أصلاً نظام يوزّع السلطة بين جماعات منذ ميثاق 1943 وصولاً إلى الطائف، نظام توافقي  ((consociational.

فحين يقترح الفدراليون كانتونات، هم لا يكسرون احتكاراً للسلطة غير قائم أصلاً، بل يعيدون توزيعها بحدود جغرافية بدل حصص سياسية. المشكلة ليست في توزيع السلطة، بل في غياب ما يجعل هذا التوزيع عهداً حيّاً لا تفاهم نخبة يتجدّد كل جيل بصيغة أسوأ. وهذه النخبة – توافقية كانت أم فديرالية – لا يخلّصنا منها تغيير شكل النظام، لأنها هي من صمّمته أصلاً ليخدمها، وستُعيد إنتاج نفسها تحت أي شكل جديد. البنية وحدها قادرة على مواجهتها.

وهذه البنية، كما بيّن المقال السابق، لا تُكتب دفعة واحدة. هي نضوج يتراكم عبر ممارسة استقلالية فعلية، جيلاً بعد جيل: كل كانتون سويسري احتفظ لقرون بمحاكمه وضرائبه وإدارته؛ أي باستقلاليته الحقيقية قبل أن ينضمّ لاتحاد أوسع. الضمانة تنبع من الاستقلالية، والاستقلالية تُكتسب من النضوج، لا من نصّ يمنحها دفعة واحدة.

وهذا يعني أن التعاهد التصاعدي بأركانه: الاستقلالية، النضوج، وتعدّد الحلقات المتحرّكة، هو شرط نجاح أي نظام سياسي بغضّ النّظر عن شكله. وغياب هذا التعاهد هو وصفة فشل لأي نظام سياسي فيدرالياً كان أم وحدوياً؛ فكلاهما هيكل من دون أساس. ولبنان في هذا، ليس استثناءً، بل عيّنة من ظاهرة عالمية: فمعظم الدول حول العالم اكتفت باستيراد مفهوم الدولة الأوروبية بالشكل، بينما بقي المضمون غائباً، وهذا المضمون تحديداً هو المطلوب اليوم في لبنان، لا نظام جديد.

من ألتوسيوس إلى توكفيل إلى طالب

هذا المبدأ -أن البنية تُبنى من القاعدة لا تُفرَض من القمّة- وصلت إليه ثلاث مدارس فكر مختلفة بأربعة قرون متباعدة. ألتوسيوس وصله فلسفياً سنة 1603 عبر فكرة العهد المتدرّج. توكفيل وصله تجريبياً بعد قرنين، حين لاحظ في أميركا أن “البلديات بالنسبة للحرية هي بمثابة المدارس الابتدائية بالنسبة للعلم: تضعها في متناول الناس وتعلّمهم كيف يستعملونها. قد تؤسّس أمّة نظام حكومة حرّة، لكنّها لن تعرف روحية الحرية ما لم تكتسب روحية المؤسّسات البلدية.” ولاحظ أيضاً أن الأميركيين “من كل الأعمار وكل الأحوال يشكّلون جمعيات باستمرار” -نقابات، جمعيات، تعاونيات- وهي نفسها الطبقة الوسيطة التي وضعها ألتوسيوس بين العائلة والمدينة.

أمّا نسيم طالب فوصل للمبدأ نفسه من زاوية ثالثة، نظرية التعقيد والمخاطر: الوحدة الصغيرة تحكم نفسها أفضل من المركز البعيد، لأنها تتحمّل نتيجة قرارها مباشرة. سويسرا مثاله المفضّل، حيث كل كانتون مختبر مستقلّ، فتنتشر السياسات الناجحة وتُستبعد الفاشلة. والأهمّ عند طالب أن لا فرق بين مركزية تُفرَض من فوق وكانتونات تُفرَض من فوق؛ كلاهما قرار نخبة صغيرة يُفرَض على الجميع دفعة واحدة، والفرق الوحيد شكل الخريطة لا طريقة صنعها. اللامركزية الحقيقية عكس ذلك: قرارات تنمو من تجربة يومية متراكمة في كل بلدة. فاقتراح الفدراليين لكانتونات بقانون يُصاغ اليوم دفعة واحدة- ليس لامركزية بمعنى طالب أو توكفيل أو ألتوسيوس، بل هندسة فوقية أخرى بخريطة مختلفة فقط.

من البلدية إلى السلطات المحلية

قبل الدخول في التفاصيل، لا بدّ من الإشارة إلى أن موضوع البلديات والسلطات المحلية قد يبدو للوهلة الأولى بسيطاً، بل تافهاً بنظر البعض، مقارنةً بخطاب سياسي حديث اعتاد لغة معقّدة توحي بعمق لا يملكه فعلياً. وهذا بالضّبط ما يُسمّى “اللفظيّة” (verbalism)، وهو أحد أخطر مغالطات الخطاب العام المعاصر. فاللفظيّة تُعطي الانطباع بأن الفكرة جادّة بقدر ما تبدو معقّدة لغوياً. بينما الفكرة الأكثر رصانة غالباً هي الأبسط ميكانيكياً (بسيطة بآلية عملها)، والقابلة تبعاً للاختبار والتّفنيد. فالحديث عن بلدية تحمي أرضها من التعدّي، أو نقابة مستقلّة، قد يبدو بسيطاً أمام خطاب يتحدّث عن إعادة هيكلة النظام، أو عقد اجتماعي جديد. لكن البساطة هنا هي أكثر جديّة وفعاليّة.

أين تُمارَس الاستقلالية إذن اليوم، وكيف يتراكم النضوج فعلياً؟ الأداة القانونية موجودة أصلاً: البلديات مستقلّة إدارياً ومالياً بنصّ القانون منذ عقود. لكنَّ الاستقلال على الورق لم يتحوّل يوماً إلى استقلال فعلي، لأنّ النخبة الزبائنية نفسها التي أفرغت الميثاق الوطني من مضمونه فعلت الشيء ذاته بالبلدية: أبقتها ضعيفة الموارد وحاصرتها فتحوّلت إلى مكتب خدمات تابع للزعيم بدل أن تصير مدرسة حكم ذاتي.

ماذا تفعل بلدية قوية فعلاً؟ تحمي أملاكها العامة من التعدّي، تُدير جزءاً من الصحة والتعليم المحلي بنفسها، فتُعيد للمدرسة ولو جزئياً الدور الذي لم تلعبه يوماً كمسرح لتوسيع الانتماء لا أداة لحبسه، وتَهدُم بذلك الشعور بأن القرار دائماً بيد بعيدة لا تُحاسَب. بلدية تُشرك سكانها فعلياً بقراراتها فتبني عادة ديمقراطية مباشرة، هي ذاتها العادة التي يحتاجها أي نظام أكبر ليصير حياً لا شكلياً. هذا ما قصده توكفيل بـِ “مدرسة الحرية الابتدائية”: ممارسة يومية متكرّرة، لا درساً نظرياً.

وهذه المساحة هي حاضنة قيادات جديدة، وأحياناً متمرّدة: الزعيم يستمدّ شرعيته من الوراثة والولاء، بينما القيادة التي تُختبَر يومياً في بلدية، تستمدّ شرعيتها من الكفاءة والمحاسبة المباشرة. هذا وحده يجعل من البلدية مساحة تهديد حقيقي للنخبة القائمة، لا إدارة صغيرة محايدة.

والبلدية وحدها لا تكفي. النقابات والجمعيات الأهلية والتعاونيات المحلية -طبقة توكفيل الثانية، وطبقة ألتوسيوس الوسيطة بين العائلة والمدينة- مساحة أفرغتها النخبة الزبائنية من استقلاليتها، لأنها إذا استعادتها تصبح مصدر انتماء جديد لا يمرّ عبر الزعيم أو الطائفة.

وإلى جانب هذه الهيئات، هناك المجتمع المدني المحلي بمعناه الأوسع: مجموع أفراد محليين يطمحون لرفع الوعي وتحفيز الانخراط في الشأن العام. هذه المهمّة التي تتنصّل منها الأحزاب اللبنانية التي تعبّئ الناس على أساس الولاء لا الوعي. فالفراغ لا يملأه سوى أهل البلدة أنفسهم، يوعّون جيرانهم ويراقبون أداء بلديتهم، بلا تمويل كبير ولا هيكل رسمي.

وحين تتراكم كل هذه التجارب معاً، لا تُنتج فقط خدمات أفضل، بل جوّاً عاماً جديداً بعد عقود من الركود الزبائني. وهذا الجوّ هو الذي يصنع النضوج وليس النصّ من يصنعه.

لا سيادة بلا بُنية

مصير السيادة نفسه لم يكن يوماً قراراً لبنانياً محضاً: هو مرتبط بموازين سياسة إقليمية ودولية لا يملك اللبنانيون فيها كلمة تُذكَر، لا اليوم ولا في أي محطة سابقة من تاريخهم. والسبب وراء هذا العجز هو نفسه موضوع هذا المقال: لبنان، منذ تأسيسه، لم يبنِ بنية حقيقية تحت نظامه، فبقي مصيره رهينة حفنة من نخبة استقوت بالخارج كلّما هدّدها الداخل، وتاجرت بسيادة البلد كلّما خدم ذلك بقاءها. فبناء البنية اليوم ليس عملاً منفصلاً عن ملف السيادة، بل معالجة لجذره: مجتمع بلا بنية هو مجتمع بلا قدرة تفاوضية حقيقية، بغضّ النظر عمّن يحكمه أو يحتلّ أرضه.

يبقى لبنان اليوم في النفق الذي وصفناه في مطلع هذا المقال، حيث الأسئلة الكبرى معلَّقة بقرار لا نملك كلمته الحاسمة. لكنّ هذه السلسلة حاولت أن تُظهر أنّ السؤال المعلَّق لم يكن يوماً عن شكل النظام: دولة واحدة أم كانتونات. المقال الأول أثبت أن الفديرالية عهدٌ لا تقسيم. المقال الثاني قارن سويسرا ونيجيريا، ليخلص إلى أن لبنان أقرب إلى الثانية، لأنه يفتقر إلى الثقة التي بُنيت في سويسرا جيلاً بعد جيل. وهذا المقال يجيب أخيراً: هذه الثقة لا تُستورَد بنصّ ولا تُفرَض بقرار، بل تُبنى كما بُنيت في كل تجربة ناجحة، من تحت، بالممارسة، بالتراكم.

فالمهمّة أمامنا اليوم ليست انتظار من يرسم لنا نظاماً جديداً، بل ممارسة الاستقلالية الموجودة أصلاً بين أيدينا: في بلديتنا، وفي نقاباتنا وجمعياتنا ومجتمعنا المدني المحلي. هذه ليست وصفة سريعة، ولا حلاً بديلاً عن السيادة والدولة. بل واجب هذه اللحظة بالذات: أن نبني بأيدينا ما لا يقدر أحد غيرُنا أن يبنيه، في بلد لم يعد يملك رفاهية الانتظار وسخافة الشعبوية.

* تم النشر بتاريخ 22 آب 2026 على موقع المدن