ثمة مشاهد في هذا الوطن لا تحتاج إلى تعليق طويل، فهي تشرح نفسها بنفسها. ومن هذه المشاهد أن يستيقظ اللبنانيون على خبر رفع راتب النائب من ثلاثة آلاف إلى خمسة آلاف دولار شهرياً، دفعة واحدة وبلا تقسيط، في الوقت الذي لا يزال فيه موظف الدولة والعسكري ينتظران دورهما في طابور مستحقات تُصرف بالتنقيط، وعلى دفعات ممتدة على أشهر. هذه ليست مجرد مفارقة، بل هي عنوان فاقع لفلسفة الحكم في لبنان: التقشف للبعض، والكرم غير المحدود للبعض الآخر. القصة، بحسابها المجرد، ليست معقدة.
راتب النائب الأساسي يقارب 1500 دولار، تضاف إليه 1500 دولار أخرى من صندوق يُموَّل من خزينة الدولة، أي من جيب المواطن نفسه عبر الضرائب والرسوم، ليصبح المجموع ثلاثة آلاف دولار شهرياً. وابتداء من سبتمبر/أيلول المقبل، سيقفز هذا الرقم إلى خمسة آلاف دولار، عبر مناورة مالية تنقل اعتماداً من احتياط الموازنة، أي من الأموال المخصصة أصلاً للطوارئ والاستثناءات، إلى جيوب من يفترض أنهم يشرّعون القوانين ويراقبون صرف المال العام لا أن يكونوا أول المستفيدين منه بلا رقيب. والأصعب أن هذه الزيادة، على عكس ما يحصل مع الموظفين، ستُصرف دفعة واحدة.
فبينما يُطلب من العسكري والموظف الصبر شهوراً طويلة ليقبض فروقاته كاملة، لا ينتظر النائب يوماً واحداً. اللافت أن النواب أنفسهم غير متفقين على رقم واحد حين يُسألون عن رواتبهم. بعضهم يتحدث عن ثلاثة آلاف دولار، وبعضهم الآخر يعترف، بحذر شديد، بأن الرقم الحقيقي أقرب إلى خمسة آلاف. هذا الغموض المتعمد ليس تفصيلاً بسيطاً، بل هو جوهر الأزمة: أن يتردد مَن يفترض أنه ممثل الشعب في قول الحقيقة لمن انتخبه، وكأن الشفافية ترف لا يستحقه دافع الضرائب.
وهذا التردد بحد ذاته مؤشر خطير: فحين يخجل صاحب القرار من الإفصاح عن رقم راتبه، فهو يدرك ضمناً أن هذا الرقم لا يمكن تبريره أمام الرأي العام، وأن الصمت أهون عليه من مواجهة الأسئلة المحرجة في زمن ينهار فيه سعر صرف الليرة كل يوم أمام أعين الناس.
ولو كانت هذه الزيادة قد أُقرت بقانون واضح يناقشه المجلس علناً، لكان الأمر، وإن ظل مثيراً للجدل، محكوماً بحد أدنى من الشرعية، لكن أن تمر عبر مرسوم حكومي يحوّل أموال احتياط الموازنة، المخصصة أصلاً للطوارئ، إلى صندوق تعاضد نيابي دائم، فهذا يفتح الباب أمام تساؤلات جدية حول مدى قانونية الخطوة أصلاً، ويمنح كل مَن يريد الطعن بها أمام القضاء الإداري سبباً كافياً للمضي في ذلك.
فالمال العام لا يُدار بالمناورات والالتفافات، بل بالشفافية والمحاسبة، وأي خروج عن هذه القاعدة يفتح الباب أمام سابقة خطيرة تُستخدم لاحقاً لتمرير امتيازات أخرى بالطريقة نفسها، بمنأى عن أي رقابة برلمانية أو شعبية.
في المقابل، لم يقف موظفو الإدارة العامة والمتقاعدون مكتوفي الأيدي. فقد نزلوا إلى الشارع، ونظّموا اعتصامات أمام مجلس النواب تزامناً مع جلساته، رافضين أن يُعاملوا وكأنهم مواطنون من درجة ثانية. طالبوا بصرف مستحقاتهم دفعة واحدة، تماماً كما سيحصل مع النواب، لا أن تبقى مقسّطة على أشهر، بينما يُنفَّذ قرار زيادة رواتب المجلس النيابي بسرعة قياسية. وقد رفع كثير منهم لافتات تختصر المفارقة بجملة واحدة: “رواتبكم تُصرف بلمح البصر، وحقوقنا تُصرف بالقطارة”.
وهذا المطلب ليس تعجيزياً، بل هو أبسط تعريف للعدالة: إن كانت الدولة قادرة على صرف زيادة نيابية دفعة واحدة، فهي قادرة أيضاً على أن تفعل الأمر نفسه مع مَن يديرون مؤسساتها يومياً، ويحمون حدودها، ويعلّمون أبناءها، ويداوون مرضاها. فموظف القطاع العام، بكل فئاته، هو مَن يبقي عجلة الدولة، ولو بالحد الأدنى، تدور وسط انهيار شبه كامل للمؤسسات، بينما الطبقة السياسية التي تسبّبت بهذا الانهيار تجد دائماً السبل للحفاظ على امتيازاتها، بل ومضاعفتها.
بعيداً عن الأرقام والقوانين، يبقى المواطن العادي هو الحلقة الأضعف في هذه المعادلة. هو مَن يدفع ثمن ارتفاع أسعار المحروقات، وهو مَن يرزح تحت وطأة غلاء السلع الأساسية، وهو مَن يشاهد قيمة راتبه تتآكل يوماً بعد يوم أمام انهيار الليرة، من دون أن يحظى بأي تعويض حقيقي يوازي حجم الخسارة. وبينما يُطلب منه أن يتفهم “ضيق ذات اليد” في خزينة الدولة، ويُقنَع بأن لا حلول سريعة لأزمته المعيشية، يكتشف فجأة أن هذه الخزينة نفسها تجد بسهولة المال اللازم لمضاعفة رواتب مَن يمثلونه في البرلمان.
هذا التناقض يغذي شعوراً متنامياً بانعدام الثقة بين المواطن والدولة، ويعزز قناعة راسخة لدى شريحة واسعة من اللبنانيين بأن القرارات المالية الكبرى لا تُتخذ وفق معايير العدالة أو الحاجة، بل وفق موازين القوة داخل الطبقة السياسية نفسها، فمن يملك القرار يستطيع تأمين مصلحته أولاً، ثم يبحث لاحقاً، إن وجد الوقت، في مصالح البقية.
صحيح أن هناك مَن يرى في زيادة رواتب النواب تصحيحاً مستحقاً لقيمة تآكلت بفعل التضخم، وهذا حق يمكن مناقشته بهدوء، لكن الأصح أن هذا التصحيح، إن كان مشروعاً، يجب أن يشمل الجميع بالمعيار نفسه، لا أن يُمنح لفئة بسرعة ودفعة واحدة، بينما تمنّ الدولة على فئة أخرى بزيادة “بالقطارة” تمتد على أشهر. فالعدالة، حين تُطبَّق بمعيارين، تفقد معناها وتتحول إلى أداة إضافية لتكريس الشعور بالغبن.
في النهاية، القضية ليست فقط في الرقم، ثلاثة آلاف أو خمسة آلاف دولار، بل في المنطق الذي يحكم توزيع الموارد الشحيحة في بلد يعاني أصلاً من أزمة مالية غير مسبوقة. فحين تكون الأولوية لرفاهية من يُفترض أنهم يمثلون الشعب، بدلاً من إنصاف مَن يخدمه فعلياً كل يوم، يصبح من المشروع أن نسأل: مَن يمثّل مَن في هذه المعادلة؟ وهل بقي في هذا النظام مَن يشعر أصلاً بأنه معنيّ بالإجابة؟
* تم النشر بتاريخ 21 آب 2026 على موقع العربي الجديد
