صحف وآراء مجتمع

لبنان الكبير أم جبل لبنان؟

* شهيد نكد

تطويب البطريرك الياس الحويّك، الذي قاد الوفد اللبناني إلى مؤتمر الصلح سنة 1919 مطالباً بلبنان الكبير، يُعيد فتح الخلاف -الذي لم يُقفل يوماً- بين “جبل لبنان” و”لبنان الكبير”. ففي حين لم تنجح تجربة لبنان الكبير لأن المنظومة السياسية قامت على المحاصصة الطائفية، والدولة تبدو واحدة بالشّكل لكنّها عملياً مقسّمة زبائنياً بين الزعامات، وهذا عجز لا يُمكن الدفاع عنه، فإن البديل المطروح من قبل مناصري جبل لبنان الفيدراليين لتقسيم لبنان إلى كانتونات دينية يسمّونه تقسيماً إثنو-جغرافياً، ليس أفضل حالاً. فالشعبويّة تتمتّع بميزتين أساسيتين: تبسيط مُفرط لمسألة شديدة التعقيد، وشحن عاطفي يُعزّز الانفعال؛ وهذا الطّرح يستوفي الشرطين.

الفيدرالية: اتّحاد لا تجزئة

وهنا تُصبح العودة إلى المصدر النظري لمفهوم الفيدرالية ضرورياً. فالفقيه والفيلسوف الكالفيني الألماني، يوهانس ألتوسيوس وضع الأساس الفكري لما بات يُعرف حديثاً بالفيدرالية، في كتابه “السياسة” 1603. وكلمة فيدرالية ذاتها مشتقّة من اللاتينية foedus، أي العهد أو الميثاق، لا الاتّحاد الإداري فحسب كما يتمّ تبسيطه. وقد استعار ألتوسيوس حينها المفهوم من اللاهوت الكالفيني الذي يرى العلاقة بين الله والبشر التزاماً متبادلاً مشروطاً، لا أمراً فوقياً أحادياً، وطبّقه على السياسة.

في الأصل، الفيدرالية هي مفهوم لا علاقة له بالانفصال، هي إنشاء اتحاد بين وحدات تتمتّع بقدر من الاستقلال الذاتي، وفي الوقت ذاته تتشارك في إدارة مجال سياسي جامع. فبحسب ألتوسيوس السياسة هي فنّ العيش المشترك، والمجتمع هو بنية متدرّجة من الجماعات الحيّة والمتفاعلة: فالعائلة هي الخليّة الأولى، ثمّ تأتي النقابات والجمعيات المهنية، ثمّ المدينة، يليها الإقليم، انتهاءً بالكيان السياسي الجامع. هكذا، فإن الوحدة الأصغر لا تُبتلع، بل تحتفظ باستقلاليّتها الداخلية، بينما تتعاهد مع غيرها على التشارك في الحقوق والموارد والخدمات بهدف بناء كيان أوسع يخدم الجميع. حتّى أن السيادة ليست ملكاً لجماعة واحدة، بل للكيان الواحد الذي شكّلته الهيئات المتحالفة مجتمعةً. وهذا ما أصبح معروفاً لاحقاً بمبدأ التفريع حيث أن المستوى الأعلى موجود لمساندة المستوى الأدنى وإكماله، لا لاستبداله أو حُكمه إلّا فيما تمّ التعاهد عليه.

بهذا المعنى، تُصبح الفيدرالية حركة عكسيّة للتقسيم؛ هي اتّحاد تصاعدي بين هيئات مستقلّة وناضجة. هي عقد بين وحدات قائمة أساساً تقرّر أن تبني معاً كياناً مشتركاً، لا وحدة يتمّ تقسيمها إلى أجزاء وكلّ جزء يُسمَّى كياناً.

ميثاق ألتوسيوس وميثاق لبنان

والأهمّ عند ألتوسيوس هو البناء التصاعدي للميثاق أو العهد؛ فتوزيع الصلاحيات، وآلية التشريع، وشكل السلطات، تأتي في آخر البناء وليس في أوّله. فالعائلة عند ألتوسيوس – وما يوازيها اليوم من مؤسسات كالمدرسة التي يُفترض أن تكون مسرحاً للتعزيز التدريجي للإنتماء – قبل أن تصير خليّة سياسية، هي مَنبت الفضيلة والعدل، والتشارك بين الجماعات هو تعبير عن ثقة قائمة بينهم أصلاً: فالعقد السياسي لا يمكنه أن يكون عادلاً بين أطراف لا ثقة بينها. فهل غياب هذه الثّقة هو جوهراني في لبنان (في طبيعة الجماعات ذاتها)، أم نخبوي؟ الجواب واضح؛ فالحياة اليومية التي يعيشها اللبنانيون فيما بينهم، والاختلاط السكاني، والعادات المشتركة، تشي بأن انعدام الثقة بين اللبنانيين هي من تصميم وصناعة نخبة سياسية – زعاماتية- زبائنية، عملت تاريخياً وما زالت على طمس المشترك وإضعاف النقابات والجمعيات المهنية عبر تفريغها من استقلاليتها، وتصميم المدينة والحركة فيها كساحة صراع بين الناس.

إن فكرة الميثاق ليست غريبة عن لبنان، فقد دوّناها مرتين: سنة 1943 وسنة 1990. مقدّمة الدستور اللبناني تنصّ بصراحة أن لا شرعية لأي سلطة تناقض ميثاق العيش المشترك. لكن المشكلة تكمن أن الفكرة بقيت معلّقة في النصوص، ولم تنزل يوماً إلى أرض الواقع؛ فلا هيئات وسيطة تحمل الميثاق ولا تجديد يواكب تحوّلات المجتمع، لذلك لم يتحوّل الميثاق يوماً إلى عقدٍ حيّ. ولهذا، يَسهُل اليوم تصوير العيش المشترك كأنّه وهم يجب التخلّي عنه.

مُصادرة المفهوم والتاريخ

إذا ما قارنّا تعريف ألتوسيوس هذا للفيدرالية-الميثاق بما يُطرح في لبنان باسم الفيدرالية، نجد العكس تماماً. فدستور الجمهورية الفيدرالية اللبنانية ينادي بكانتونات إثنو-جغرافية بينما التنوّع هو تنوّع ديني- طائفي. وبهذا يتعمد واضعوه تضخيم الفرز ما يتعارض علمياً مع الأنتروبولوجيا وعلم الاجتماع والعلوم السياسية؛ فالدين شيء، والإثنية شيء آخر. الدين هو انتماء عقائدي قابل للتغيّر ولا يرتبط بالضرورة بأصل واحد، أمّا الإثنية فهي مرتبطة باللغة والنسب والمطبخ والفولكلور والتاريخ المشترك. ففي لبنان، نتكلّم اللغة ذاتها، ونحن نتاج الامتداد الحضاري نفسه، والتزاوج بيننا يمتدّ لقرون.

أمّا مجازر سنة 1860 بين الدروز والموارنة، والتي يستند إليها الفيدراليون لإثبات استحالة العيش المشترك، فهي تُثبت عكس ما يدّعونه ويروّجون له. فنظام القائمقاميتين (1843)، الذي قسّم الجبل إلى منطقة مسيحية وأخرى درزية، جرّد الإقطاع من صلاحيّاته القضائية والمالية. إثر ذلك اتّحد الإقطاعان المسيحي والدرزي حفاظاً على مصالحهما المشتركة. وعندما ثار فلاحو كسروان على إقطاعييهم، استغلّ إقطاعيو الدروز المهدّدون الفرز الطائفي الذي كرّسه نظام 1843 لمنع أي تضامن بين الفلاحين عابر للطوائف، فحوّلوا الصراع الطبقي إلى اقتتال طائفي. هكذا تمكّنت نُخبة مُهدَّدة من إجهاض حركة اجتماعية خالصة.

ومنذ ذلك الحين، والنّخبة تجمّد أي حركة اجتماعية، فالمدرسة التي كان يجب أن تكون امتداداً لمنطق ألتوسيوس التصاعدي، أي التوسيع التدريجي لدائرة الانتماء من العائلة نحو المدينة والوطن، تحوّلت في لبنان إلى شبكة مدارس طائفية تسجن الطفل داخل حدود طائفته بدل أن تُربّيه على تجاوزها. فما فعله نظام 1843، كرّسته المدرسة لصالح النّخبة: فرز مُبكر بدل الانتماء التدريجي.

“انا وخيّي وابن عمّي عالغريب” 

مقابل هذا الفرز، يختصر المثل الشعبي القائل “أنا وخيي عأبن عمّي، وأنا وخيّي وابن عمّي عالغريب” كلّ الفكرة. ما يتغيّر هنا، ليس أطراف العلاقة، بل الدائرة التي تتفاعل فيها هذه الأطراف. والتبدّل يحصل وفقاً لحجم الحاجة أو التهديد: خصم في نزاع عائلي، وحليف أمام الغريب. وهذا تماماً السلّم التصاعدي الذي صمّمه ألتوسيوس: عائلة، نقابة، مدينة، إقليم، حيث تعمل كلّ طبقة بالتوازي مع الأخرى لا بدلاً عنها، وتتّسع الدائرة حيث تستدعي الحاجة عملاً مُشتركاً يعجز الأصغر عن إنجازه منفرداً.

الطرح الفيدرالي- التقسيمي يفعل عكس ذلك في لبنان؛ يأخذ الطائفة أو الدّين كحلقة وحيدة في هذا النظام المتعدّد، ويجمّدها كحدود سياسية وجغرافية. وبذلك يكون بصدد إلغاء كلّ الحلقات الأخرى في حياة اللبنانيين. والأخطر أنّه يُعطّل الآلية التي يفترضها المثل والفيدرالية الحقيقيّة على حدّ سواء، يعطّل تجمّع الحلقات الأصغر في حلقة واحدة لحظة ظهور الغريب الفعلي، أزمة اقتصادية مثلاً أو تهديد خارجي؛ فالقرار الجامع يُصبح رهينة كانتونات متنافسة، فتتحوّل القدرة على الاتّحاد وقت الحاجة مهمّة شبه مستحيلة.

يبقى سؤال أخير: هل يريد حقّاً دعاة الفيدرالية في لبنان اتحاداً، أم يناقضون عن وعي أو غير وعي، كلّ مبادئ الفيدرالية؟

فميثاقهم ليس عهداً تصاعدياً بين هيئات ناضجة، بل فرز مُسبق، ولا الثّقة عندهم شرط أوّل يُبنى عليه، ولا الحلقات عندهم متعدّدة ومتحرّكة. فما يُطرح هنا هو مشروع تفكيك، لا اتّحاد. ربّما كلّ ما ينقص هذا المشروع هو الشجاعة ليُسمّى باسمه الحقيقي.

ولأن دعاة هذا المشروع كثيراً ما يستشهدون بسويسرا كنموذج ناجح، سأسأل في المقال المقبل: هل لبنان سويسرا فعلاً، أم أنّه أقرب إلى نيجيريا؟

* نشر المقال على موقع المدن تاريخ 8 آب 2026