سياسة مجتمع

 لبنان… إلى أين؟

زكـي طـه

بيروت 8 آب 2026 ـ بيروت الحرية

ليس أخطر ما يواجه لبنان اليوم اختلال موازين القوى وحده، بل الطريقة التي تتعامل بها القوى اللبنانية مع مرحلة شديدة التعقيد، يتداخل فيها التفاوض بالحرب، والضغط السياسي والاقتصادي بالعمليات العسكرية، فيما تسعى إسرائيل إلى تحويل نتائج الحرب إلى وقائع سياسية وأمنية تتجاوز مسألة الانسحاب والسلاح إلى مستقبل العلاقة مع لبنان نفسه.

في مواجهة ذلك، تحضر ثلاث إشكاليات تحكم أداء سائر الاطراف المعنية بالسياسة اللبنانية: التبسيط والاستسهال والاستهانة. التبسيط في الركون إلى الوعود الأميركية وكأنها ضمانة لتحصيل الحقوق اللبنانية. والاستسهال في التعامل مع المفاوضات باعتبارها طريقاً يقود تلقائياً إلى الانسحاب والاستقرار. والاستهانة حين تتحول قضية تمس مستقبل البلد وسيادته ووحدة مجتمعه إلى مادة لسجال أهلي متجدد بين من يستعجل نزع السلاح تحت الضغط الخارجي، ومن يتحصن به ويربط مصيره بمسار الصراع الإيراني ـ الأميركي والإسرائيلي.

التفاوض جزء من الصراع

انتهت الجولة السابعة من المفاوضات من دون تحقيق أي من المطالب اللبنانية الأساسية. لا وقف للاعتداءات الإسرائيلية، ولا مسار واضحاً للانسحاب الكامل، فيما تستمر الضغوط المتعلقة بسلاح حزب الله ودور الجيش وآليات التنفيذ والتحقق.

وتعثر النتائج لا يعني أن التفاوض بلا جدوى، مثلما أن استمراره لا يعني أن التسوية باتت قريبة.

فالمرحلة التي دخلتها المنطقة تقوم أساساً على إدارة الصراعات بالتفاوض والقوة والضغط في آن واحد.

وإسرائيل نفسها تفاوض فيما تواصل عملياتها العسكرية، والولايات المتحدة ترعى المفاوضات وتَعِد بالضغط، لكنها تتبنى في الوقت نفسه جانباً أساسياً من المطالب الإسرائيلية المتعلقة بتفكيك البنية العسكرية لحزب الله.

لذلك لا يمكن للبنان أن يبني سياسته على وهم أن واشنطن ستتكفل بتحصيل حقوقه، ولا على الوهم المقابل بأن إسقاط اتفاق الإطار ووقف التفاوض يعيدان إليه قدرة فقدها بفعل الحرب المدمرة واختلال موازين القوى.

من الانسحاب إلى فرض السلام

الأخطر أن إسرائيل لا تتعامل مع المفاوضات باعتبارها مساراً لتنفيذ الانسحاب ووقف الاعتداءات فحسب. ثمة محاولة واضحة لنقلها تدريجياً إلى البحث في ترتيبات أمنية دائمة تنتهي باتفاق سلام، وتعيد صياغة العلاقة بين البلدين وفق موازين القوى التي أنتجتها الحرب.

وهنا تكمن إحدى أخطر قضايا المرحلة.

فالسلام الذي يمكن أن يحتاجه لبنان والمنطقة لا يمكن أن يكون اسماً آخر لتثبيت نتائج الاحتلال، أو ثمناً للانسحاب من أرض لبنانية، أو مدخلاً لفرض قيود دائمة على السيادة والقرار الوطني. كما لا يمكن فصل أي سلام حقيقي عن القضية الفلسطينية وعن الاحتلال والحقوق الوطنية لشعوب المنطقة.

وإذا كان لبنان قد قبل التفاوض لاستعادة أرضه ووقف الحرب، فإن ذلك لا يعني منحه تفويضاً مفتوحاً للانتقال من التفاوض على تنفيذ الالتزامات إلى إعادة تعريف موقع لبنان وعلاقته بإسرائيل.

ومن هنا تكتسب التفاصيل التي يجري تداولها حول التحقق والمراحل المتسلسلة وآليات التنسيق والتدابير القانونية أهميتها السياسية. فالمشكلة ليست في المصطلحات بحد ذاتها، ولا في اعتبارها نصوصاً نهائية، بل في الوجهة التي يمكن أن يقود إليها تراكمها: تحويل ترتيبات وقف الحرب والانسحاب إلى بنية أمنية وسياسية دائمة يكون السلام المفروض تتويجاً لها.

ماذا تريد إسرائيل من الدولة

تسعى إسرائيل، في الوقت نفسه، إلى دفع الدولة والجيش اللبنانيين نحو مواجهة مباشرة مع حزب الله، عبر معادلة شديدة الخطورة: إما أن تتولى الدولة تفكيك بنيته العسكرية وفق الشروط والتوقيت الإسرائيليين، وإما أن تحتفظ إسرائيل بحق استئناف الحرب.

لكن حصر السلاح بيد الدولة، وهو ضرورة وطنية لبنانية، يفقد معناه إذا تحول إلى تنفيذ لإرادة الاحتلال أو إلى مدخل لصدام أهلي. فالغاية من حصر السلاح هي إعادة بناء الدولة وتوحيد المجتمع واستعادة قرار الحرب والسلم، لا تفجير الدولة من الداخل.

وفي المقابل، لا يمنح رفض الشروط الإسرائيلية حزب الله حق الاحتفاظ بسلاحه إلى أجل غير محدد، أو ربط لبنان مجدداً بأي حرب محتملة دفاعاً عن إيران. فمثل هذا الخيار يحول البلد مرة أخرى إلى ورقة في صراع إقليمي، ويقدم لإسرائيل الذريعة التي تحتاج إليها لاستمرار الاحتلال والعدوان.

ليست المعادلة: إسرائيل أو السلاح.

المعادلة الوطنية هي دولة تحتكر السلاح والقرار، وتقاوم في الوقت نفسه تحويل سيادتها إلى موضوع تفاوض أو وصاية.

الصراع يتجاوز السلاح

لم تعد الضغوط على لبنان محصورة بالميدان العسكري. فالاستهداف المالي والمؤسساتي للبنية المرتبطة بحزب الله، والبحث في إجراءات قانونية ومالية أوسع، يشيران إلى محاولة إحداث تغيير يتجاوز تفكيك قدراته العسكرية إلى إعادة صياغة موازين القوى الداخلية على المدى الأبعد.

وهذا يضع الدولة أمام مسؤولية مزدوجة: إنهاء كل بنية مالية أو أمنية موازية لها وتطبيق القانون على الجميع، وفي الوقت نفسه رفض أن تتحول مؤسساتها إلى أدوات لتنفيذ سياسات خارجية انتقائية.

فبناء الدولة لا يتحقق باستبدال النفوذ الإيراني بوصاية أميركية، ولا السلاح غير الشرعي بشروط إسرائيلية، وإنما باستعادة الدولة نفسها لقدرتها على التشريع والرقابة والقرار، انطلاقاً من المصلحة الوطنية.

بين وهمين… تضيع المصلحة الوطنية

المشكلة اللبنانية، في جوهرها، أن طرفي الانقسام لا يزالان يعيدان إنتاج المأزق نفسه.

طرف يبالغ في الرهان على الدور الأميركي ويستعجل النتائج، كما لو أن المصالح الأميركية تتطابق مع المصلحة اللبنانية. وطرف يتمسك بالسلاح وبالارتباط الإيراني، كما لو أن ما أصاب لبنان لم يفرض مراجعة جذرية لوظيفة هذا السلاح ونتائجه.

وبينهما يستمر تبادل التخوين، فيما إسرائيل تحتل وتدمر وتفاوض وتضغط، والانهيار الاقتصادي والاجتماعي يتعمق، والنازحون وإعادة الإعمار ومصير المناطق المدمرة يكادون يغيبون عن صدارة السياسة.

ولهذا يحتاج لبنان إلى موقع وطني مستقل: يرفض الاحتلال والشروط الإسرائيلية، ولا يرهن نفسه للوساطة الأميركية؛ يطالب بحصر السلاح بيد الدولة، ولا يسمح بتحويل الجيش إلى أداة لصدام أهلي، يرفض استخدام لبنان ورقة في الاستراتيجية الإيرانية، كما يرفض إدخاله في منظومة إقليمية تتمحور حول التفوق الإسرائيلي.

إلى أين؟

هذا هو السؤال الذي تطرحه اللحظة الراهنة

التفاوض مستمر، والاعتداءات مستمرة، والانسحاب معلق، والضغوط تتسع من العسكري إلى السياسي والاقتصادي والمالي، وإسرائيل تحاول دفع المسار أبعد من اتفاق الإطار نحو ترتيبات أمنية وسياسية قد يكون اتفاق السلام غايتها النهائية. وفي الداخل لا تزال السجالات تتقدم على الحوار، والرهانات الخارجية على بناء موقف وطني جامع.

لذلك لم يعد ممكناً إدارة المرحلة بمنطق انتظار الوعود الأميركية، أو المزايدة بالسلاح، أو اجترار تهم التخوين.

لبنان يحتاج إلى مبادرة سياسية وطنية تعيد ترتيب الأولويات: وقف العدوان واستكمال الانسحاب، حماية حق النازحين في العودة وإعادة الإعمار، حصر السلاح والقرار بيد الدولة، حماية الجيش من الاستدراج إلى صدام داخلي، وإدارة التفاوض من موقع وطني واضح يرفض تحويل الانسحاب من أرض محتلة إلى ثمن لاتفاق سلام مفروض بشروط المنتصر.

فالتفاوض قد يكون ضرورة في ظل اختلال موازين القوى، لكنه ليس بديلاً عن السياسة. والوساطة الخارجية قد تكون مفيدة، لكنها ليست بديلاً عن الإرادة الوطنية. وحصر السلاح ضرورة لبناء الدولة، لكنه لا يكفي إذا لم تكن هناك دولة قادرة وعادلة ومستقلة تستعيد ثقة مواطنيها.

المشكلة، في النهاية، ليست أن الآخرين يملكون مشاريع للبنان، فهذا ما تفعله الدول انطلاقاً من مصالحها. المشكلة أن يبقى اللبنانيون بلا مشروعهم الوطني في اللحظة التي يجري فيها التفاوض على مستقبل بلدهم.

ومن هنا يبدأ الجواب البحث المتأخر وقبل فوات الأوان عن سؤال: إلى أين؟